السبت 13 يوليو 2024

وقف الخلق.. ونحن ماضون

مقالات29-10-2022 | 23:21

وحده يعلم الله ما تمر به الأرواح من نزيف لا ينقطع دون قطرة دم واحدة مُسالَة، هي دماء النفس المجروحة، والكلام المكبوت، فليس كل متألم له فصاحة اللسان، ولا كل فصيح يصدق القول، ومع ذلك يبقى الألم بلا جهاز قياس يعكس قدره بالزيادة أو النقصان، ولا مواعيده، ولا ذورته أو إحلاله. ولكن تبقَ الحقيقة الواقعة باستمرار الحياة ما أَبَيْنَا دون تدخل أو إرادة مِنّا، وهو الأمر الذي يجعلنا مأمورين بالصبر والتوكل وطلب اللطف والعون مهما بلغ حد صعوبة الاختبارات، فالله هو واهب الحياة ومانح الخير ومانع الضُر مهما ظهر لنا الأمر مختلف بأشكال مغايرة لهذه الحقيقة. لذا، فطبيعة البشر الميّالة للبحث عن كل ما هو إيجابي بل والسعي ورائه، واستلهام الجانب المضيء من خلفه، هو ما يجعلهم يحصلون على قدر كبير من فضيلة الرضا التي مُنِحَت لمن يرضى، لا لمن يضجر ويتذمر ويتبتر، وعليه، وبقدر حجم الألم بقدر حجم السعي الذي يمكنني القول إنه إحدى صفات والدي الفضلى التي ورثتها عنه واتبعها خلال حياته حتى إلى آخر يوم في حياته وهو حبيس سرير الرعاية المركزة، فلا هو يوماً مَلّ ولا ليلة تخاذل، أو ألقى باللوم أو العتاب أو الذنب على أي شخص أو عائلة أو وزارة أو دولة، بل على العكس، كنت أجده ساعياً دؤوباً نشيطاً لا يعرف الملل أو الكسل طريقاً لقلبه أو عقله. كان مبادراً بادئاً بكل الأفكار والأطروحات التي تجعلك محل تأمل في كل مرة، من أين له بأن يأتي بهذا القدر من الأفكار التي يغلفها حب الآخر والاهتمام به مهما بلغ الأمر من التسبب في إضفاء مزيد من الأعباء على كاهله، وهو أحد العوامل التي جعلت من احترام ومحبة شخص السيد الرئيس في قلب وعقل والدي تطغى منذ أول يوم، إلى الدرجة التي جعلته يصفه "بمبعوث العناية الإلهية لمصر" كلما مرّ حدث أو تم تنظيم فعالية أو بادر بتطبيق أمر ما، وهو ذات الأمر الذي جعلني أرى تشابهاً كبيراً بين شخصية والدي وشخص السيد الرئيس، حتى أنني أصبحت بدرجة ما أرى فيه حلم والدي الذي لم ينقطع يوماً بمصر الكبيرة التي تحيا التقدم الذي تستحقه. وبرغم قرب حلول الذكرى الأولى لرحيل والدي الغالي، وهي الأيام الأقسى على الإطلاق، إلا أنني ومشياً على نهجه الكريم، ورغبة في السير على خطاه علّني أشم ريحه في كل خطوة، عايشت بجوارحي كل فعالية وحدث ومؤتمر تم تنظيمه على مدار شهر أكتوبر، الذي أصبح على وشك الانتهاء مختتمين به الملتقى والمعرض الصناعي الأول بحضور فخامة السيد الرئيس والوزراء المعنيين، وعدد من كبار الشخصيات العالمية العربية والأفريقية والدولية. كان شهراً حافلاً، وأسبوعاً مكتظاً على مستوى المحتوى والتنظيم، سبقه الاحتفال بكل من المولد النبوي الشريف، وكذا احتفالات الذكرى الـ49 لانتصارات السادس من أكتوبر، ثم المؤتمر الاقتصادي الذي ألقى علينا فيه السيد الرئيس عدة رسائل شديدة الحساسية والأهمية، لعل القاصي والداني يقرأ ما بينها من دلائل وعلامات، وفي غضون أيام معدودات نستقبل بإذن الله الحدث الأهم والأكبر على الإطلاق في عهد مصر المعاصرة وهو مؤتمر المناخ COP27 الذي تتشرف مصر بتنظيمه وتستعد له منذ عدة شهور إن لم يكن أعواما، وتتهيأ له جميع أجهزة الدولة بالتسخير الكامل للإمكانيات والطاقات البشرية والمادية، لما يحمله من خير مؤكد لصالح المحروسة. وفي عالمٍ موازٍ، تجد العالم الواقف من حولنا، مولولاً وساخطاً على كل ما يحدث من حوله ناقداً حكوماته على سياسات تتعلق بالتدخل في الحرب العالمية الثالثة الدائرة دون تسمية صريحة لها، الأمر الذي يجعلنا من ناحية أخرى نُذهل من حجم الأنشطة التي تستأثر بها مصر منفردة دون غيرها من المحيط والبعيد، فقد أصبحت هي الكوكب الذي يدور حول نفسه وحول الأرض، في حين يقف الجميع في مجراته دون حركة تذكر، بفعل العمل ثم العمل، والالتفات للداخل مع الانفتاح على الخارج. من جانبي، أرى وجه أبي الصبوح في كل فعالية وحدث وكل يوم تطل علينا به شمس مصر البهية، محدثاً إياي عن ما يحمله الله والمستقبل لهذا البلد، فهو الواثق دائماً في كرم الله والمستسمك به مهما اشتدت المحن على مدار عقوده السبعة التي أعزني بها الله، علها تكون شفيعة له بحق خالص عمله وصدق قوله... وهكذا هو عزيز مصر. دمتِ يا مصر في عزٍ وشرفٍ وعفة، في زمن عز فيه شرف الأوطان والرجال.

الاكثر قراءة