الثلاثاء 25 يونيو 2024

نهر النيل في عيون إثيوبية..!

مقالات7-11-2022 | 18:16

أعترف أنني قد علقتْ روحي في شِبَاك الافتتنان بالشعر الأفريقي، وكأني قد فتحتُ مغارة (علي بابا)، مغارةٌ ملأى بكل الجواهر والأحجار الكريمة من المعاني والأفكار تأخذ بالأرواح؛ فلا تدعُ لها مهرباً، والغريب الذي لا أجد له تفسيراً هذه الجفوة التي نمارسها عن غير قصدٍ في تجاوبنا مع هذا المنجم، أعترف أني لا أملك إلا أن أهتف مثلما هتف نزار قباني في رائعته (رسالة من تحت الماء).. فأنا مفتونٌ من رأسي حتى قدميّ.                    

ولأننا في مصر طفتْ مشكلة (سد النهضة) على معظم أولويات السياسة المصرية؛ نظراً للمخاطر المنتظرة من إتمام تشييده دونما تنسيق بين دولة المنبع (إثيوبيا) ودولتي المصب (السودان ومصر)، وكأن هذا الشريان الجاري المانح الخيرَ لمن يحيا على ضفافه قد يصبح يوماً سبباً رئيساً في صدامٍ لا نتمناه، فقارة أفريقيا لم تعد في حاجةٍ إلى اشتعال جبهةٍ جديدة، ولكن ما رأيكم في أن نتناول زاويةً أخرى مرتبطة بنهر النيل، ماذا نعرف عن وجهة نظر الآخر تجاه هذ النهر، ولا أقصد الرسمية، فدهاليز السياسة لها مبرراتها؛ بل أقصد ماذا يعني نهر النيل للشعر الإثيوبي، لعلنا نقترب من مفاهيم تحكم تصوراتهم، والذي يجب أن يكون محتوماً؛ لهذا المشترك الإنساني بيننا وبينهم؛ ليأتي نهر النيل الذي استضاف أول حضارة عرفتها البشرية في المقدمة، ويأتي الشعر مشتركاً إنسانياً، صحيحٌ أن ديوان الشعر العربي على مر العصور احتفى بالنهر، لكننا مع قصيدة (النيل) للشاعر الأثيوبي (تسيغاي غابري _ميدهين) نقرأ شيئاً مدهشاً قد نتفق أو نختلف؛ لكنها وجهة نظرٍ لشاعرٍ يرونه الشاعر الرائد، فهو أكاديمي يكتب الشعر والرواية والمسرح، حصل على أعلى وسام أدبي لبلاده، جائزة هيلاسيلاسي الأول للأدب الأمهري، بعد الثورة الأثيوبية عام 1974 عُيِّن ميدهين نائباً لوزير الثقافة والرياضة لفترةٍ وجيزةٍ ، كان اهتمامه بقضايا السلام وحقوق الإنسان وكرامة الإنسانية، ونال العديد من الجوائز الدولية، وحتى ندرك تأثيره في الحياة الأدبية، فقد وافته المنيَّةُ في أمريكا وتم نقْل جثمانه ليواري الثرى في أديس أبابا في كاتدرائية الثالوث المقدس حيث يرقد جثمان الإمبراطور هيلاسيلاسي.

يقول الشاعر الإثيوبي (تسيغاي غابري _ ميديهين) في قصيدته (النيل):                                                                                 

أنا الأرض الأولى وأمُّ كلِّ خصوبة.

أنا المنبعُ، أنا النيل، أنا الإفريقيّ، أنا البداية                                                  

* * *     

آه يا جزيرة العرب، كيف نسيتِ بهذه السهولة، بينما لا تزال أنفاسكِ على ضفافِ منابعي؟!

آه يا مصر، الفتاةُ المُذهلة الّتي وُلِدت من حبّي الأول، أنا ملكةُ مياهكِ العذبة اللّانهائية

وضعتُ رأسي في حضن الفرعون مينا.. عندما وحَّدْنا الأراضي العليا والسفلى لنخلقكِ !

أه أيّها السودان، وُلِدتَ من ثدي وجودي

كيف اقتطعتَ لنفسك بسهولة قطراتٍ أبديّة من هذا النيل المنعش

بمليارات بائسة من الأحواض الصغيرة كانت بدايتك جيّدة.. قبل أن تسقط الأرضُ من مدار السماوات                                                                                                                     * * *

يا أيّها النيل، الّذي تدفَّق من أنفاسِ حياتي

على وديانٍ لا حصر لها من حشودِ عطشَى الأرض 

* * *

آه أيّها العالم، كيف نسيتَ بسهولة أنّني نافورتكَ الأولى، أنا، وحبَشَتُك الأبديّة

أنا حياتكَ الأولى الّتي ما تزال على قيد الحياة من أجلك ..

أنهضُ مثل شمسٍ من أعماقِ الأرض.

أنا فاتحُ أوبئةِ الجفاف.

أنا الحبَشة الّتي «تمدُّ يدها المتضرِّعة إلى الله».

أنا أمُّ المسافر الأعظم الّذي خرج في أطول رحلةٍ على الأرض

* * *

بنظرةٍ متأنيةٍ نستطيع تقسيم النص إلى أربع دفقاتٍ، يغلب عليها ويصير الرابط بين أبياتها الشعور بالفخر المتعاظم، حيث يتكرر لفظ (أنا) خمس مرات، وفي الختام أربع مرات، لكنه في المطلع تتوالى الـ(أنا) ليس بينها فاصل سوى كلمة واحدة تقع خبراً في تركيب الجملة الإسمية القصيرة بحيث لا تعطي مسافةً للتفكير أو للرد ممن يخاطبه الشاعر، واستخدامه هذا الأسلوب دونما أداة توكيد؛ لينقل للمخاطَب أن ما يعرضه إنما هو من البدهيات التي لا يشوبها شك، لكنها جاءت مثل توالي القذائف، يتوحد فيها المكان بالنهر بالإنسان.                                                                                                                       

ويأتي استخدام الشاعر الـ(أنا) في الختام مستكملاً فخره في جملٍ طويلة؛ ولكن بعدما التقط أنفاسه، وبعدما خاطب النيل في الدفقة الثالثة مذكِّراً إياه بدور الشعب الإثيوبي في تدفقه الناشئ من أنفاسهم، مذكّراً العالم في نبرة يشوبها الألم من التجاهل، وكيف يتجاهل نافورته وأم المسافر الأعظم ومبدأ الحياة.. كيف يتجاهل اليدين الضارعتين إلى الله ليمنح العالم الخير والسلام، ويا للفخر حين يذكِّره.. كيف ينسى حبشته جميلٌ هذا التركيب البارع. 

يخاطب الشاعر في الدفقة الثانية وهي أطول الدفقات نَفَساً جزيرة العرب ومصر والسودان، مكرراً شعوره بالألم من تجاهل أفضاله الواضحة باستخدام لفظة (آه) المكتظة بالحزن، متحدثًا عن العلائق الرابطة بينها وبين الحبشة، وكأنه يشير إلى هذا التنقُّل العربي الذي تحتفظ الحبشة بأنفاسه، ويذكِّر مصر بهذا التوحُّد في العصر الفرعوني معترفاً بفضل الملك (مينا) الذي وحَّد بين الجنوب والشمال؛ لكن فكرة التوحيد حملها ملك الجنوب؛ ليعطي بُعداً جديدًا في اتفاق المشارب والمصائر من الأزل، لكنه حينما يخاطب السودان تستشعر معي لغةً تشبه لغة الأمومة لتذكيره بفضل الحبشة الأم المرضع في طفولة السودان، لكنه في خطاب مصر تصير ملكة قلبه الباذل في سبيل نَيْل حُبِّها أغلى المهور؛ لنردد قولة المؤرخ الإغريقي العظيم (مصر هبة النيل).