الجمعة 29 سبتمبر 2023

محمد الشربيني

متى تدفنون القضية؟!

'متى تدفنون القضية؟! '

'لم أكن أُدرك كلما أنهي البرنامج الإذاعي صباح كل يومٍ دراسيٍّ-أن هتافنا اليومي (تحيا الجمهورية العربية المتحدة'

'عِرَاكُ الجَمَلَيْنِ في السماء..!! '

'وفي أشهر الصيف الملتهبة يدفعني وهجُ الشمس الحارقُ إلى ارتقاب خطى الخريف الخجولة كعاشقٍ واعدتْه فتاتُه ... وتدلَّلتْ ، هي لم تنس موعده .. كلاَّ لكنها أرادت أن ترى أماراتِ الشوق تكاد تصيح'

'سنرحل.. فماذا تريدون؟ '

'يظل الاغتراب الساحةَ الرحبةَ التي ترى فيها خيولُ الشعرِ العربيِّ مضمارَها الفسيح؛ لما يثيره من مشاعرَ محترقةٍ أضناها مفارقةُ الأهل والأحباب، وأجَّج نيرانها'

'هل يجب أنْ تَتْركِيني..! '

'أقول إن شعراءَ الحب المبدعين -الكثرةُ الكاثرةُ منهم - نتاجُ تجاربَ حبٍّ فاشلة ؛ إذ أنهم لم يستطيعوا الفوز بمرادهم أو تحقيق مبتغاهم ... جاعوا ولم يستطيعوا الاقتراب من مائدة الحب .. عطشوا وتشقَّقتْ شفاههم وحينما لاحت لهم عيون الحب جاريةً ،'

'وَطَنِي..في حقيبةِ سَفَرِيِ! '

'لم نجد أمةً أكثرَ حنيناً إلى وطنها من أمة العرب لدرجة أن الجاحظ الأديب العربيَّ ذائعَ الصيتِ يقول (كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملاً... ) وماجدوى حفنةِ رملٍ يحملها العربي في ترحاله ؟ لعلك تهمس بها في نفسك وقد علا ملامحَ وجهِكَ الاستغرابُ .. إنها تحمل رائحةً لا يشمُّها غيرُ أنفه .. ويرى فيها بعينه بعض آثار خطى طفولته .. وربما لو أطال الإنصات لسمع '

'حكايا أبينا آدم..!!'

'أيمكنك.. ويمكنني أن نواصل المسير في دروب الحياة؛ حيث تتعثر أقدامنا في صخورها، وتنزف من أشواكها القاسية، وتصطدم عيوننا بوجوه هؤلاء المثبِّطين من بني جلدتنا. '

'دَمِي يُعْلنُ مَنْ أكونْ ..!! '

' مثلما البحر الثائر تضرب أمواجُه الصاخبةُ شطآنَه فيرتفع ضجيجها يلامس حواف الأفق ، كذلك الشعر منذ أن عرفه الإنسان ولمَّا يزلْ يبوح بعواطفه الجيَّاشة وأحاسيسه المتصادمة في كل أوقات نهاره ولياليه '

'وشاحٌ .. من قوس قزح !! '

'مُسنِداً رأسي على حائطٍ شديد البرودة، فلقد تجاوز الوقت منتصف الليل في شتاء بغداد حاضرة الخلافة العباسية وذلك في الثمانينات ؛ وشتاءُ بغدادَ قارص البرد مثلما صيفها حارق القيظ، ولم أبخل على جسدي المُتعَب بالكثير من الأغطية، لعلها تُفلح في قطْع الاتصال المستمر بيني وبين البرودة التي تكتظ بها جوانب غرفتي ... وأنَّى لهذا الجسد الثلج أن يقتنص النوم المستخفي عن عيني.. أكاد أشعر به ساخراً وهو يرى أصابعي تحاصره ، وأجفاني تحاول صيده ... هكذا كانت تمرُّ ليلاتي مرَّةً باردات النبض ... ثقيلات الخطى ... إلا أن الليلة ليست ككل الليالي ؛ إذْ كان الصوت العذب يأتيني عبر إذاعة بغداد لكروان العراق ناظم الغزالي يترنَّم برائعة إيليا أبي ماضي (أيُّ شيءٍ في العيد أُهدي إليكِ ) .. لقد استطاع ناظم الغزالي أن يأخذ بسمعي فلا يدع لي مجالاً للتفكير في النوم ولو لثواني ... صحيحٌ ... (أَيُّ شَيءٍ في العيدِ أُهدي إِلَيكِ يا مَلاكي وَكُلُّ شَيءٍ لَدَيكِ ). '

'غيَّرْتُ جِلْدِي.. وارْتديتُ البدلةْ..!! '

'لم يكن مصطلح الوطن كما نعرفه اليوم من خلال حدوده الجغرافية وأقاليمه الإدارية أو مدلوله السياسي هو ذاته الذي كثيراً ما تردَّد على ألسنة الشعراء ، ومن تبحّر في أشكال التعبير عن الوطن ، والحنين إلى المنازل والديار في الأدب العربيّ القديم شعره ونثره ، سيجد أنه يثير أموراً من قبيل الأهل والقبيلة والعشيرة والخِلّان ، وتلفت الانتباه إلى روابطَ وثيقةِ الصلة تربط الإنسان بوطنه ، فلقد أمضى به ريعان شبابه ، ورضع من حليبه ، وطَعِم من طعامه، وارتوى من مائه ، وامتلأت عينه بمشاهد جماله ... '

'اغْتَرِبْ.. تَتَجدَّدْ!'

'كأنه كان يهتف بما يدور في صدري وصدرك إذا ما أوقفتْنا الحياة في موقفٍ لابد أن تختار فيه ما بين أن تتجرَّع ماء الحياة ممزوجاً بالذل وبين أن تحتسي العز في كأس الحنظل .. هكذا هتف بهذا المعنى عنترة بن شداد ( لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ بل فاسقني بالعز كأس الحنظل) ؛ ليأتي بلغةٍ رشيقةٍ سهلةٍ'

'كوبٌ من الشعْرِ المغليِّ ..!! '

'ألم يكن أبو الفوارس عنترة بن شداد مبالغاً حينما افتتح معلقته الشهيرة بهذا الشطر (هل غادر الشعراء من متردَّم)؟ إذْ يعترف بحيرته ؛ حيث يرى سابقيه من الشعراء لم يتركوا موضعاً للقول إلا وخاضوه ؛ و يرى أنه لن يأتي بجديد ، فمن سبقه من الشعراء لم يتركوا'

'لم يكنْ في ظلامي قمر..!'

'منذ أن هتف الشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن أبي سلمى ببيته الشهير (سـَئِمْـتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشُ ثَمَانِيـنَ حَوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ) متحدثاً عن تجربته الشاقة في دروب الحياة معترفاً بشديد مَلَله من'

'أين زِرُّ النسيان ...؟!! '

'طويلٌ جداً -بالنسبة للكثيرين منا- مشوار الحياة ، وكثيرا ما نتعرَّض في ذلك المشوار - سواء أكان طويلاً أمْ قصيراً - للعديد من المواقف المريرة ، وللكثير من المواقف السيئة ، والتي تجعل المرارة تنضح من منافذ الصدور . ومن المؤكد أن هناك منا من يستطيع تخطيِّها ويتجاوز آثارها'

'أريدُكِ لونَ أغنيتي!!'

'أيمكن أن نتصور ولو من باب الافتراض الجدلي، خلوَّ حياة الرجل من المرأة ؟ .. إننا لو عدنا بالذاكرة، واسترجعنا الحياة البدويّة لأجدادنا الأوائل التي بظروفها وأحوالها المضطربة قد فرضت عليهم عدم الاستقرار وأجبرتهم على خوض المغامرات، ولم ترحمهم من نوبات القلق المستمر والخوف من مطاردة أسباب الهلاك التي تتعقَّب مواضع أقدامهم، وتترصد حوافر أفراسهم بفخاخها، هذه الظروف جعلت من المرأة الملاذ الأوحد الذي يُحتمَي به عند مواجهة أسباب الموت'

'أنا.. وشياطين الشعر!! '

'لم يكن من المستغْرَب أن ينسب العرب قديماً إبداع الشعراء إلى قوى خفيَّةٍ وكائناتٍ غير مرئيةٍ توحي به إليهم، وحينما بحثوا عمَّنْ يمكنهم نسبة ذلك الإبداع إليه فلم يجدوا في مخيَّلتهم غيرَ الجنًِّ، وقد اعتقد العرب في قدرات الجن الخارقة على إنجاز الأعمال الغريبة'

'الليلُ.. وأَرَقُ العُشَّاق !! '

'وهكذا ما خلا عصرٌ إلا ووجدنا شكايات الشعراء من طول الليل ومكابدة الأرق ، ولا تظنَّن أن الشكوى قاصرةٌ على الشعراء ، بدعوى أنهم يُقِيمون الدنيا ولا يُقْعدونها لشدة حساسيتهم .. كلَّا فهم ألسنة الكون الناطقة إذا عجز الخلْقُ ، وليست الشكوى من الأرق وطول الليل ناشئةً عن ذلك الإيقاع اللاهث الذي وسم حياة الإنسان حديثاً ، فلم يدع له الفرصة '

'حقًا.. هناك بشر!'

'حينما افتتح خطبته -صلى الله عليه وسلم- على جبل الرحمة في عرفات بعدما حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد '

'مثلما تقولون.. نَعَمْ مغرور!'

' هل الشعراء مغرورون.. مثلما يرى الكثير من النقاد غرور الشعر في نصوصه ؟ ربما كان ذلك مرجعه إلى أسبقية وجوده على غيره من الأجناس الأدبية الأخرى مثل الرواية والمسرحية والمقال... وربما بسبب ما يضْفيه عليه مبدعوه وقراؤه من الإلهام والإبداع اللذين يجعلانه يعلو غيره من فنون القول ، لكننا - دونما افتئاتٍ على مكانة بقية الأجناس الأدبية - يمكننا الجزم أن الشعر الحقيقي لا تنْفتح أصدافه ، ولا يمنح أسراره إلا بعد أن نقدِّم القرابين النفيسة وهنا يلحُّ على الخاطر سؤالٌ مباغتٌ.. أليس للعقل دورٌ محوريٌّ في إبداع الشعر والسياحة بين أفلاكه ومداراته ؟ ورغم احتياجنا إلى العقل الذي هو هبةٌ إلهيةٌ أتاحت لنا حسْن استثمار ثروات الأرض ، وبناء الحضارات الإنسانية المتعاقبة '

'قل هو الحب!'

'لكثرة ما نطقتْها الألسنة، أو تلفَّظتْ بها الأفواه ، لم تَعدْ مفردة (الحب) تُدهش رغم تكرار طَرْقِها أبوابَ الآذان ... ولم تعدْ تصل إلى القلوب ، ألفقدانها قوةَ الدفع التي لم تكن تُوقِفُها حواجزُ العمر والفروق الطبقية ؟ أم أن ترديدها دون معرفةِ مسئولياتِ قائلها جعلها لفظةً مُسْتَهلَكةً لا يحفل بها مَنْ تُوجَّه إليه ... كأنها لا تعنيه ؛ فلم يعد يحمرُّ لها الخدَّان ، أو يشتدُّ خفقان القلب ، وتُفسح العينان بتناعسهما المدى لريشة الحلم التي تبرع في استدعاء البساط المخمليِّ ليحلِّق بالروح متخطياً أفلاك السماء .. هكذا شَدَتْ كوكب الشرق (كان قربكْ هنا وحنيَّةْ / وليالي جميلة هنيةْ / طار بيَّ الأملْ بجناحهْ / ولمست النجوم بإيديه ) في رائعة مأمون الشناوي ( كل ليلة وكل يوم ). '

'هذا البياضُ يذكِّرُني بالكَفَنْ!'

' مُبهَمٌ ومحيِّرٌ ذلك الموت وقاهرٌ أيضاً ... لا يمكن لأحدٍ مرواغةُ كمائنه إذا ما اعترضت مسار خطواته ، والإفلاتُ من شِبَاكه إذا ما أُلقيتْ ، ولست أدري هل كانت لفظة ( الموت ) هي السبب الرئيسي في تأخُّر مَلكَةِ النطق لديَّ حيث لم تبدأ بعض الكلمات معرفة الطريق إلى فمي '