الإثنين 5 ديسمبر 2022

«ما دام نجيب بك قال إنك كويس تبقى كويس»

مقالات19-11-2022 | 14:03

على مقهى (بترو) في ليلة صيف سكندرية لبى إبراهيم أصلان طلب نجيب محفوظ إن جاء الإسكندرية فلا بد أن يتصل به، وقدمه نجيب محفوظ إلى توفيق الحكيم: (يا توفيق بك أنت عارف إن فيه جيلاً جديداً من الكتاب فيه كتاب في المقدمة وآخرون في مقدمة هذه المقدمة والأخ إبراهيم من هؤلاء)

وابتسم الحكيم مرحبا (ما دام نجيب بك قال إنك كويس تبقى كويس).

إبراهيم أصلان، المبدع الجميل بلغته الخاصة وتفاصيله الممتعة وتكثيفه الرائع وبساطته  المزعجة، وقصصه (بحيرة المساء -حكايات من فضل الله عثمان -حجرتان وصالة)، ورواياته (مالك الحزين - يوسف والرداء - عصافير النيل - وردية ليل - صديق قديم جدا)، ومقالاته (خلوة الغلبان- شيء من هذا القبيل).

استمتعت بقراءتها وتوقفت عند خصوصية كلماتها:

-عصافير النيل (هيئة قصور الثقافة -2000)

-تدارى جسمها في صدغ الباب

-استدارت بجرمها الصغير

 -مؤخرتها المحبوكة

-تداري ضحكتها في عبها

-أنت مرة دون

-صبية تقرفص على حافة الماء وتفرغ مثاناتها تحت جلبابها القطني المشدود

-استدار وأعطاهم مؤخرته المكشوفة وثني ذراعه تحت رأسه

-الواد لسا خام

-سطح النهر الذي غضنه الهواء الخفيف

-النهر ساكنا وأضواء المصابيح التي انعكست فيه عكرة

-الشمس الحامية

-رفع دماغه الخالية من الشعر

-مصنع من مشمع مقطوع

-بأية طريقة كانت

-في حال من التعاسة

-انقطع وشيش الوابور

-ما بقاش ييجي منه

-خبب الخيل

-الأجراس النحيلة

-حلق العصفور فوقه وحوم مرتين

••

وفي روايته صديق قديم جدا

2019

ويروح بدرج بطيء ويتمايل على قدميه الصغيرين-

-ضحكة نسائية عالية تنتهي بذيل نحيل

-واقفة بذراعين عاريتين وشعر منكوش

-تلبس بنطول محبوك على جسدها إلى هذا الحد

-الدخان يعمل سحابة خفيفة بيضاء تحيط بها وتتوزع في شبه العتمة المحيطة

-انعكس وهج الفحم على وجهه المائل وزاده احمرار

-أمامه الفتاة السمراء التي تلاحقه في كل مكان بعينيها الوديعتين

-أصل دول ما بينكسفوش

-حدث خلل في زاوية الحفر ومع التقدم راح سقف النفق يقترب من قاع المحيط وانهار عند النقطة الأضعف

-ده شاي مستورد مخبيه في النملية وراء اليانسون

-وجبة إفطار من رغيف فينو طويل وكوب كبير من الحليب الساخن وطبق من أصابع ملفوفة من  القشطة الطازجة

-ليس مهما أن يتقدم بك العمر فالدنيا والأماكن والنساء التي أحببت كلها تكبر معك

-الشغالات يتمايلن في فساتين السهرة والواحدة تشد الشال على وسطها وترقص وإذا جاءت عيناك في عين إحداهن وابتسمت فإنها لا تستجيب وتعبر عيناك في جدية واستنكار

-الباشا يمشي متواريا ناظرا أمامه في بدلة كاملة من الصوف الإنجليزي شتاء أو الكتان الأبيض أو السمني صيفا ثيابه محبوكة وفي جيبه العلوي منديل يقف في المصعد وجهه للمدخل سألني -بيدوك  كام، وكنت أتقاضى تسعة جنيهات وقلت خمستاشر، قال (بيكفوك)، قلت يعني

-رجل نحيل يرتدي سترة قديمة يعطي وجهه لجدار داخلي ويتكلم كلاما متواصلا عبارة عن فحيح غير مفهوم، مثل هذا الشخص لا تخلو منه قاعة من قاعات المصلحة

••

وجدت في كتابي مقالاته (خلوة الغلبان وشيء من هذا القبيل)

فن وإبداع ومتعة فاق عندي حلاوة قصصه القصيرة وروايتيه

-سمكري السيارات يكرر النقر على الصاج صانعا لحنه الخاص لا يقطعه إلا إشعال سيجارة أو تناول رشفة شاي وخطرت فتاة حلوة فكسر إيقاعه يعاكسها التفتت بصدرها النافر باستهجان فأدرك أن رسالته قد وصلت، فنقر نقرتين ابتهاجا

 -تجلس على الرصيف وقد ضمت ركبتيها وشدت أطراف جلبابها القديم تحت قدميها وتطوي ذراعيها على صدرها وتخبئ كفيها تحت إبطيها من هواء آخر الليل

- يا حاج نفرض إن واحد وواحدة بيحبوا بعض وربنا رايد لهم يتجوزوا يبقى لازم يتجوزوا ولا ممكن لأ؟

- تقلعي السماعة بالنهار وتلبسيها وتنامي؟!

(علشان إذا الواد جه بالليل وخبط أسمعه)

- يعرفوني في الأحياء الشعبية يظنوني متنفذا وأنا لا أريد أن أخيب ظنهم فأعوم الموضوع

- تصور لو مصر أضربت يوما واحدا عن الكلام هل ممكن للمجتمع أن يستمر؟!

-امتلاك  الكتب لا يعكس ولعا بالقراءة فقط لكنه يمنحنا الونسة

-بيني وبين نفسي لم أثق في رغبة زوجتي فض خناقة الجيران قدر ما تريد معرفة الحكاية بالضبط

-فهمت أن د. مشرفة عاش عمره يتمنى سماع هذا الرأي في روايته (قنطرة الذي كفر)، إلا أنه مات وتقال الآن كما أراد بالضبط

- (صحيح ما فيش حاجة بتضيع في البلد دي)

-كلاوس عبر طريق العربات المسرعة ورأى سيدة تفعل مثله لكنها فقدت فردة حذائها في نهر الشارع وقضت بقية الليل لكي تستعيدها ولم يمنحها أحد الفرصة فتأكد إننا شعب لا يقرأ

-اعتدنا صور الممارسات الوحشية في أجهزة الإعلام فافتقدنا الدهشة وخبت ضمائرنا

-تطلع طفل لطعام في يد الغير تعبير عن محنة عظيمة وارتجافه خوف أمام قسم شرطة اختزال لتاريخ القهر

-لا يوجد شيء أمتع من اللعب

-ذلك المستلقي وحيدا بكتاب مفتوح لا يغيب عن خاطري، وكان طريقي للقراءة

-الأهم مما تركه نجيب محفوظ من إبداع هو ما نفذه طوال حياته لتحقيق مشروعه الروائي من (النظام- العكوف- الجدية- الدأب- الصبر- الهدوء- الدقة- التأني- الاستغناء- المثابرة-والإيمان بالقراءة وقيمتهم كبشر).