السبت 13 ابريل 2024

«تاريخ إهانة الغرب للمرأة!»

مقالات19-11-2022 | 18:08

الغرب مُدعي ويكيل بمكيالين، ويصيبه مرض الزهايمر كلما تراءى أمامه ما اقترفه في حق المرأة في عصوره السابقة، يظهر ذلك جلياً لمن يقرأ التاريخ ويدقق فيه؛ فلن يجد من الغرب سوى ازدراء فج في حقها؛ لكونه لم يُنظر لها من منظور إنساني سواء من العوام أو من فلاسفتهم ومفكريهم؛ وهؤلاء من يتم تبجيلهم ليومنا هذا.

تعامل كبار الفلاسفة مع المرأة معاملة ضد الفطرة الصحيحة؛ فكانت بالنسبة لهم منبع الشر ومَعون الآثام، لا يرون فيها إلا المتعة؛ فطوال القرون الوسطى كان هناك مُعضلة جدلية داخل أروقة الأديرة والكنائس تنصب كلها في سؤال واحد؛ حول بشرية المرأة من عدمها وحول كونها من ذوات الأرواح أم لا؟!.

في العهد اليونانيّ؛ نجد عالمه وعلامته الفيلسوف (أرسط)  يُقر أن المرأة لا تصلح إلا للإنجاب، وأنه لا يمكنها أن تمارس الفضائل الأخلاقية مثل الرجل؛ فهي مجرد مخلوق مشوه أنتجته الطبيعة!.

أما القانون الإنجليزي عام 1805، فقد أباح للرجل أن يبيع زوجته، بالتوازي مع ما ذُكِر في كتب التاريخ؛ أن الكنيسة نفسها كانت تبيع النساء، بل إحدى الكنائس البريطانية باعت امرأة لأنها كانت تعيش عالة في بيت الرب.

ونأتي لواضع كتاب "الجمهورية"؛ (أفلاطون) صاحب  اليوتوبيا؛ فيرى أن المرأة أدنى من الرجل في العقل والفضيلة، وكان يأسف أنه ابن امرأة، ويزدري أُمّه لأنها أنثى!.

غلبت النظرة اليونانية القديمة على العهد المسيحي، حتى أنها أصبحت عقيدة مُقدسة؛ وليس أدل على هذا من إتهام سفر التكوين للمرأة أنها منبع الشر وأصل الغواية وأساس الوسوسة لآدم: "وكانت الحية أحْيَل جميع حيوانات البَرِّيَّة التي عملها الرب الإله،  فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت أيضًا رَجُلَها معها، فأكل فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان" سفر التكوين. 

في القرن الخامس الميلادي اجتمع مؤتمر (ماكون) للبحث في مسألة هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه، أم لها روح؟ ؛ وخرج بنتيجة أن جميع النساء سوف يدخلن جهنم! ، بقوله "أنها خالية من الروح الناجية من عذاب جهنم، ما عدا أم المسيح .." .

وفي عام 568 م عَقد الفرنسيون مجمعًا لدراسة ما إذا كانت المرأة إنسانًا أو غير إنسان، وخرجوا بنتيجة مفادها "أنها إنسان خُلِق لخدمة الرجل"!!!.   يرى "إيمانويل كانط" أن عقل المرأة لا يرقى إلى عقل الرجل،وينافسه "نيتشه" في الغُبن ؛ فيرى أن المرأة لا تزال في أفضل الأحوال حيوانًا كالقطط والكلاب والأبقار، وأنها تتآمر مع كل أشكال الانحلال ضد الرجال.

وحتى الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر لم تتخلص من إرث ازدراء المرأة؛  فمع أنها أعلنت تحرير الإنسان من العبودية، إلا إنها لم تشمل المرأة، حيث نص القانون الفرنسي على أن المرأة ليست أهلاً للتعاقد، دون رضا وليها إن لم تكن متزوجة. 

وفي إنجلترا حرّم هنري الثامن على المرأة الإنجليزية قراءة الكتاب المقدس، وظلت النساء حتى عام 1850م غيرَ معدوداتٍ من المواطنين، وظللن حتى عام 1882م لا حقوقَ شخصيةً لهن. 

تلك كانت النظرة للمرأة في أوروبا في العهد السابق كما لخصها (ترتوليان) -أحد قادة الفكر الأوروبي في القرون الأوروبية الوسطى-"أنها مدخل الشيطان إلى الإنسان نفسه، وأنها ناقضةٌ لقانون الله، مشوِّهةٌ لصورة الله". وبين كونها حيوانا أو جماداً يُباع ويُشترى ،أو سبية - عبدة- ،أو كائن فاقد الأهلية خُلق لخدمة معشر الرجال، جاء عهد التنوير؛ والذي لم يختلف فيه الأمر كثيرًا، بل استمرت النظرة ذاتها، مع عدد من التحويرات في كتابات عددٍ من الفلاسفة ،فنحد  "جان جاك روسو" يحاكي أرسطو قديمًا، قائلاً "أن المرأة لم تُخلق لا للعلم ولا للحكمة".

أما "شوبنهاور"، والذي جاء لاحقًا، فقد أتت فلسفته مترجمةً لحياة البؤس التي عاشها، فقد كان مُعاديًا للمرأة بسبب موقفه من فجور والدته، واشتُهر بكونه أكثر الفلاسفة بُغضًا للجنس الناعم ؛ فهو يراها عيبًا من عيوب المجتمعات، وأنها لم يسبق أن أنتجت فنًا عظيمًا أو أي عمل ذي قيمة.

وينقل لنا الفرنسي "جوستاف لوبون" موقف المجتمع العلمي في عصره بعبارات قمة  في الانحطاط : (في أكثر العرقيات الذكية -كما في الباريسيين- هناك عدد كبير من النساء اللواتي حجم أدمغتهن أقرب إلى الغوريلات من الرجال الأكثر تطورًا، وهذه دونية واضحة جدًا، كل علماء النفس الذين درسوا ذكاء النساء يدركون اليوم أنهن يمثلن الأشكال الأكثر تدنيًا من تطور الإنسان وأنهن أقرب للأطفال منهن للرجال البالغين المتحضرين، لا شك هناك نساء متميزات أرقى بكثير من الرجل المتوسط، لكنهن استثناء، كولادة أي مخلوق مشوه على سبيل المثال : غوريلا برأسين وبالتالي فيمكننا أن نهمل وجود هؤلاء النساء تمامًا!).

هكذا كانت صورة المرأة في الغرب بداية من الحضارة اليونانية والرومانية ثم القرون الوسطى ؛حيث سيطرت الكنيسة وكانت وضعية المرأة خلال تلك المرحلة من أسوأ ما مر بتاريخ المرأة ،ثم مرحلة التنوير ؛وما فيها من  ازدراء فكري وسياسي واجتماعي ،وانتقاص كامل  من حقوقها ،ووضعها  في مكانة أدنى من العبيد ،بل تم تحميلها أوزار البشرية وجعلها مصدر الشرور.

أما في العصر الحديث نستمع يومياً إلى صياغات حديثة عن حقوق وتحرير المرأة ،ويخاطب الغرب الشرق مستنكراً شاجبًا تاهماً الشرق الأوسط بأنه يجور على حقوق المرأة متسربلاً -الغرب- بعباءة النصح والإرشاد، بينما يتناسى تاريخه في أزمنة عُدت المرأة فيها حيوان على أراضيه بينما كانت تُكرم في الشرق.

ويأتي السؤال والذي ننتظر إجابته؛  هل خطاب النصح الغربي  بالفعل ثورة حقيقية على الظلم الذي طال المرأة خلال تلك العصور  تكفيرًا عن جُرمه بحقها ،أم أنها محاولات حديثة لاستعباد المرأة تحت مسميات ومفاهيم وشعارات عصرية تغازل  مقتضيات العصر الحديث؟! .