الإثنين 5 ديسمبر 2022

شيخ الطريقة الذي لا يصلي..!

مقالات22-11-2022 | 14:23

دعونا نتفق أن الدنيا لا تخلو من الصالح والطالح، الصادق والكاذب، الحبيب والعدو، الناجح والفاشل، الدنيا دائما تجمع النقيضين، وكما يقولون بالضد تتضح الأشياء، لكن الغريب في هذه الدنيا أن تكون الغلبة لأصحاب الصوت العالي ومن يعرفون دائما من أين تؤكل الكتف، فتراهم يتصدرون المشهد رغم كذبهم ودجلهم، يقنعون أنفسهم وغيرهم بأنهم المؤثرين وأن الدنيا قائمة عليهم.

وحتى لا أطيل عليك في مقدمة يعرفها الكثيرون، والتي أصبحت حقيقة يتعامل معها الجميع مع فشل تغييرها رغم انتقادها، فإني أسوق لك في هذا المقال نموذجا من هؤلاءاستطاعوا بفهلوتهم أن يحجزوا لهم مكانا بين أتباعهم ومريديهم رغم فراغهم الفكري والديني، نموذج لعقلية أوهمت نفسها بالكذب أنها تستطيع أن تجلب الحبيب وفضح الغريب على طريقة السحرة المشعوذين، بل والأدهى من ذلك استطاع إيهام مريديه أنه مرفوع عنه التكليف لأنه وصل إلى درجة من العبودية لم يصلها أحد قبله.

استوقفني الفترة الأخيرة شخص يدعى أنه صوفي ومن محبي آل البيت، يدعي قربهم وحبهم ويداوم على زيارتهم، يحاول دائما أن يظهر في شكل الولي الصوفي الذي يمسك "سبحة" كبيرة، بل ويتفاءل بهذه "السبحة" ويهدي غيره بعض السبح كبركة منه، لكن هذا الشخص لا يصلي على الإطلاق، استعجبت في البداية، قلت ربما لديه عذر اليوم، وغدا ربما يصلي، مرت أشهر من خلال معرفتي به ولم أجده يداوم على أداء صلاة واحدة، وسألت أكثر من شخص أثق به وقريب منه فأكد لي أنه يرى في نفسه وليا غير مأمور بالتكاليف الشرعية ويقتنع فعلا بذلك، لكن الأمر الغريب الذي تفاجئت به أنه شيخ وله أتباع في طريقته الصوفية، يحاورهم دائما ويقابلهم، ويجلسون إليه يسألونه لأخذ البركة منه، يستفتونه في كل شؤون حياتهم، فيفتيهم الرجل بما أُوحي إليه من العلم اللدني الذي لا يعرف أحد مصدره إلا الله.

ينادونه دائما بمولانا العارف، فترتفع رأسه وتغتر نفسه ويفيض بما أعطاه الله له، فيتأثر تلاميذه ويهمون بتقبيل الأيادي ونيل البركات، ويخرجون من عنده يتبادلون أطراف الحديث بينهم عن بركات شيخهم مع دعوات خالصة أن تشملهم رعايته وأن ينفعهم بعلمه في الدارين، وإذا حاولت التقليل منه أو انتقاده انهالوا عليك بالسباب واللعنة وقد يصل الأمر بهم أن يتهموك بالكفر.

هذا النموذج ومن على شاكلته، خطر كبير على الدين، وهذا ليس انتقادا للصوفية والصوفيين على الإطلاق، فالصوفية نكن لها كل احترام وتقدير، ولكن هنا أتحدث عن نموذج خطر في تأثيره على المريدين له، لأنه يحاول أن يظهر في دور المنزه عن الخطأ والمعفي من التكاليف الشرعية، ولكم عانينا من هذه النماذج في الجماعات المتطرفة الذين دائما ما نلوم عليهم أسلوب السمع والطاعة واتباع التعاليم دون فكر وتدبر وتفقه حتى ولو كان شيخهم لا يفقه شيئا ولا يؤدي صلاة لله.

الصوفية التي أعرفها ويعرفها الجميع، هي زهد وفكر وعلم، وكم من نماذج ضربوا أروع الأمثلة بعلم وفكرهم، لهم علاقة خاصة مع الله، يريدون أن تظل خاصة حتى لا ينكشف سترهم، يريدون الآخرة بدلا من الدنيا، يسبحون الله آناء الليل وأطراف النهار، ويذكرون قياما وقعودا، ورغم ذلك لا يدعون أنهم أولياء ولا مفتيين، ولكنهم يخافون من الفتوى دائما، فلا يفتون إلا في أضيق الحدود، أما هذا النموذج فللأسف صار هو العالم الحق والعارف بالله والمفتي الذي يفتي ولكنه لا يصلي بحجة أنه مرفوع عنه التكليف.