الإثنين 5 ديسمبر 2022

الطريق إلى توت عنخ آمون (3).. القدر ينسج الخيوط

مقالات23-11-2022 | 11:53

أحيانا ما تخبئ لنا الحياة هداياها بعد حرمان طويل، ويكون جزاء الصبر بقدر حجم المعاناة وربما أكثر، وعادة ما تصاحب الظلامَ نجومٌ تهدي ويعقبه فجر ينير وشمس تشرق.

هكذا كان الحال مع "هوارد كارتر مكتشف مقبرة الملك "توت عنخ آمون"، فبعدما ضاقت الحياة في وجه، بعد فصله من مصلحة الآثار، وافتقاده لعمل يتكسب منه ويعينه على العيش، كان القدر يرتِّب له لقاء باللورد كارنارفون، الذي كان والده وزيراً للمستعمرات مرتين، فقد تعرض "اللورد كارنارفون" لحادثة سيارة وهو في طريقه إلى الريفيرا بفرنسا، وترك الحادث آثاراً في صدره، ومعدته، وقدميه، فأصبح يتألم بصفة دائمة، فنصحه الأطباء بالابتعاد عن رطوبة إنجلترا، وأشار عليه البعض بالسفر إلى مصر حيث الجو الجاف والأكثر دفئاً.

هكذا جاء اللورد كارنارفون إلى مصر بعد أربع سنوات من حادث السيارة، ونصحه القنصل البريطاني العام في مصر اللورد "كرومر" بتمويل بعض عمليات البحث عن الآثار. أُعجب اللورد بالفكرة، ورأى أن ينقب عن الآثار ليحصل على مزيد منها بطريقة قانونية، فقام بالتنقيب لمدة ستة أسابيع في أحد المواقع الأثرية ولم يعثر سوى على مومياء قطة. وأراد اللورد معاوناً له في حفائره أو من يتولي عنه مهمة التنقيب على أن يكون انجليزياً مثله، فكان أن اختار "هوارد كارتر" لتلك المهمة".

وهكذا ساق القدر اللورد "كارنرفون" في طريق "كارتر" أو أتى بـ "كارتر" في طريق اللورد "كارنارفون"، يخطأ من يقول إن الحياة لا تسير بأقدار.

قام كارتر بالحفائر لصالح كارنارفون، وكانت بداية الحفائر في الضفة الغربية للنيل في الأقصر ولمدة خمس سنوات كاملة في الفترة من 1907-1912م، ونشرا نتائج هذه الحفائر في كتاب حمل عنوان "خمس سنوات من الحفائر في طيبة".

وانتقل كارتر بحفائره بعد ذلك إلى "سخا"، على بعد 2 كم جنوب مدينة كفر الشيخ بين فرعي النيل بالدلتا، وكانت عاصمة للإقليم السادس من أقاليم الوجه البحري، ومقرَّاً وعاصمة للأسرة الرابعة عشرة الفرعونية، التي حكمت شمال مصر في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. واضطرته ثعابين الكوبرا التي ظهرت بكثرة في منطقة الحفائر لمغادرة المكان ليعود مرة أخرى إلى الأقصر.

هكذا أيضاً ساقته الأقدار للعودة إلى الأقصر لتنسج خيوط الأحداث نحو كشف عالمي، ففي هذا التوقيت أيضاً كان الأثري الأمريكي "تيودر دافيز" الذي يقوم بالحفر في منطقة وادي الملوك قد أدركه اليأس منها وانتظر اللورد كارنارفون عامين حتى تنازل "دافيز" عن ترخيص الحفر ليحصل عليه هو.

تقدَّم كارنارفون إلى مدير مصلحة الآثار بطلب ترخيص بالتنقيب عن الآثار في المنطقة التي تنازل عن امتيازها "دافيز". ولم يكن يدرك دافيز أنه كان على مسافة بضعة أمتار من مقبرة توت عنخ آمون، بل إنه قال لكارنارفون مقولته الشهيرة "وادي الملوك خالي من الملوك". وحصل كارنارفون على ترخيص الحفر في 18 أبريل عام 1915م لمدة عام واحد يجدد سنوياً حسبما ترى مصلحة الآثار. وتضمن عقد امتياز الحفر هذه الشروط: أن تكون الحفائر على نفقة اللورد كارنارفون، وأن يتم العمل برعاية أو تحت إشراف "هوارد كارتر". وإبلاغ مفتش الوجه القبلي في الأقصر عند اكتشاف مقبرة أو مبنى أثري، والمكتشف أول من يدخل المدفن أو البناء. وعند فتح المقبرة، وعند ظهور محتوياتها، يضع مفتش الآثار الحراس عليه. وأن تبقى مومياوات الملوك والأمراء وكبار الكهنة وتوابيتهم ونواويسهم ملكاً للمتحف المصري، وكذلك التحف ذات الأهمية التاريخية الكبرى، بينما تُقسَّم باقي التحف مناصفة بين مصلحة الآثار وصاحب الترخيص مكافأة لتعبه، فيحصل على نصف الآثار أو نصف الثمن. والمقبرة التي يعثر عليها سليمة وجميع محتوياتها كاملة تؤول لمصلحة الآثار. وأن كل مخالفة لهذه الشروط تؤدي، بدون إعلان أو إجراءات، لإلغاء الترخيص ولا حق لصاحبه في تعويض أو مكافأة.

وهكذا اقترب كارتر خطوة من حلم يرواده في كشف لم يكتشفه أحد من قبل، وهكذا ساقه القدر لما يخبئه له من مجد، وللآثار المصرية من شهرة وانتشار وولع وشغف.