الإثنين 17 يونيو 2024

دار الهلال.. 130 سنة من الإبداع الصحفي

مقالات20-12-2022 | 15:00

كانت فرصة نادرة أن أرى كل زملائى من أبناء دار الهلال. وأن أفتقد البعض منهم وأبحث عنهم فى الزوايا والأركان ولا أجدهم دعانى المهندس أحمد عمر رئيس مجلس إدارة دار الهلال والزميل أحمد أيوب رئيس تحرير مجلة المصور لحضور احتفالية تُقام بمناسبة مرور 120 عاماً على تأسيس دار الهلال التى أسسها جورجى زيدان فى أواخر القرن التاسع عشر. فى مقرٍ لها بالفجالة. ثم انتقلت منه إلى مكانها الحالى بشارع المبتديان بالسيدة زينب بالقاهرة.

الاحتفالية المهمة أُقيمت فى أحد نوادى قواتنا المسلحة الباسلة والعظيمة فى كوبرى القبة. ولو كنت من الذين أعدوا هذه الاحتفالية لرأيت أنه من الأفضل لها أن تُقام فى دار الهلال الرمز والمعنى والمبنى. فإقامتها داخل المؤسسة أو حتى خارجها فى الشارع الأمامى لها تبقى لها دِلالة ورمزا. وعموماً مجرد أن نجد أنفسنا أمام هذه الاحتفالية المهمة ذات الدلالة التاريخية أمرٌ يُسعد الإنسان كثيراً جداً.

وكانت أول من أبلغتنى خبر التكريم الزميلة سمر الدسوقى رئيس تحرير مجلات: حواء، والكواكب، وطبيبك الخاص. بعد أن توقفت المجلة الثانية والثالثة عن الصدور وأصبحتا ملحقتين بمجلة حواء بسبب أسباب كثيرة لا أريد الخوض فيها الآن. فنحن أمام احتفالية تُسعد القلب وتُبهج النفس وتقول للإنسان أن ما يقوم به المرء فى حياته لا يذهب سُدى أبداً. بل تظل له دلالاته وذكرياته المهمة.

ذهبت إلى مكان الاحتفال ترافقنى ابنتى رباب الفنانة والإعلامية بقناة نايل سينما. وأم حفيدتى أمينة التى تسكن أجمل مكان فى حبة الفؤاد. ومكثت هناك ثلاث أو أربع ساعات لا تُحسب من العمر. بل إنها تُشكِّل محطة مهمة جداً فى مسيرة الحياة. فأجمل ما فى الدنيا أن يكتشف الإنسان أن هناك من يقف للحظة فى زحام ما يمر بنا ليقول لك شكراً على ما قدمت. ويُثنى على اجتهاداتك فى العمل.

عبد الصادق الشوربجى


كان يقف على المسرح زميلنا وقائدنا المهندس عبد الصادق الشوربجى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة. يقف على يمينه ويساره الزميلان أحمد عمر وأحمد أيوب. وهم الذين كرَّموا كل من تم تكريمهم من أبناء المؤسسة. والتكريم فى حد ذاته فكرة جميلة وإنسانية ونادرة فى حياتنا الراهنة. ومازالت ترن فى أذنى كلمة مبروك التكريم التى سمعتها كثيراً فى هذه الليلة الجميلة التى لا حدود لجمالها. وتبقى علامة من علامات العمر البديعة التى لا يستطيع أن ينساها الإنسان. بل يؤرخ بها فى حياته.

ومازلت أذكر الاحتفال الذى أقامته لى دار الهلال بمناسبة بلوغى السبعين من العمر قبل سنوات. وكانت لحظة من الصعب أن تبهت ذكراها فى النفس. بل ظلت يقظة حارة متوهجة فى وجدان الإنسان. وستبقى كذلك حتى آخر بُرهة فى عمرى. يومها جاء الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل من مكتبه ليكون أحد حضور الحدث الذى رآه مهماً وفريداً. وكان فى استقباله مكرم محمد أحمد الكاتب الصحفى ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام فى ذلك الوقت. ومن رحَّب بالجميع كان الزميل غالى محمد المسئول عن الدار وقتها وصاحب فكرة التكريم غير المسبوقة، والتى لم تحدث من قبل. وربما لم تتكرر بعدها.

دار الهلال


تتميز دار الهلال منذ إنشائها فى أواخر القرن التاسع عشر بأنها الدار الصحفية ربما الوحيدة فى الوطن العربى كله التى تخصصت فى إصدار المجلات. بل إن اسم الدار هو نفس اسم المجلة الأقدم فيها وفى الصحافة عموماً: مجلة الهلال. ولا يسبق دار الهلال فى الوجود سوى مؤسسة الأهرام. وبقى لدار الهلال تميزها وتفردها فى إصدار المجلات الصحفية.

وكان من ضمن هذه المجلات التى صدرت ثم توقفت مجلة الإثنين، التى طالما كتبتُ وطالبتُ المسئولين عن دار الهلال بإعادة طبع أعدادها فى مُجلد أو مُجلدات. فقد كانت تشكل صفحة مهمة فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية. وكانت تقدم للقارئ وجبة الصحافة الخفيفة الجميلة التى يسعده أن يتعامل معها. ثم توقفت عن الصدور، وهذا لا يمنع من محاولة إعادة تذكير القُرَّاء بها. وعشاق الصحافة الذين يبحثون عن مثل هذه الجواهر النادرة فى تاريخ صحافتنا.

من المجلات التى طُبعت فى دار الهلال مجلة العصر الحديث التى كانت طبعة مصرية من مطبوعة أجنبية شهيرة تولت رئاسة تحريرها الزميلة سكينة السادات التى غابت عن الحفل ولم تتسلم تكريمها وتسلمته نيابة عنها سمر الدسوقى.

كل هذا الحضور

كانت فرصة نادرة أن أرى كل زملائى من أبناء دار الهلال. وأن أفتقد البعض منهم وأبحث عنهم فى الزوايا والأركان ولا أجدهم. وكان لغيابهم تأثيرٌ نفسى واضح ومهم. ولن أشغل القارئ وأشغل نفسى بالوقوف طويلاً أمامهم. ويكفى أن أذكر البعض منهم فقط لا غير.

افتقدت وجود الزميلة نجوان عبد اللطيف محررة الشئون العربية بمجلة المصور. وإحدى بنات الحلم القومى العربى وما مثله لنا من تحليقٍ فى سماء الله العالية فى سنوات جميلة مضت ولن تعود. أيضاً غاب عن الاحتفال خالد ناجح رئيس تحرير مجلة الهلال التى تُعد أقدم مجلة فى الوطن العربى الآن. ورئيس تحرير وكالة دار الهلال الصحفية.

ولم يكن هناك أيضاً الزميل محمد الشافعى رئيس تحرير مجلة الهلال السابق والكاتب المعنى بالتاريخ الروحى والوطنى للمصريين. وأيضاً بقناة السويس وما جرى فيها ولها وحولها. حيث أنه يحاول الإمساك بلحظات النضال النادرة التى مرت بمصر ووقعت على أرضها ضد الأعداء سواء كانوا إنجليزا أو فرنسيين ومن قبلهم الإسرائيليون. فهذا شعب فرضت عليه ظروفه وموقع مصر ومكانها ومكانتها حروبا لا أول لها ولا آخر.

وكانت مصر دائماً وأبداً منتصرة. كما تنتصر الآن فى معارك يومية يقودها فيها بحكمة واقتدار الرئيس عبد الفتاح السيسى. الذى يُعد من بُناة مصر الحديثة. فقد حاول محمد على باشا تأسيس بلادنا فى القرن التاسع عشر. وعندما تكالب العالم عليه عاود المحاولة الرئيس جمال عبد الناصر فى القرن العشرين. وبنفس الطريقة تصدت له الدنيا كلها. ومع هذا بقيت منه رموزٌ كثيرة نتذكرها ونُطالعها فى كل لحظة تمر.

مركز التراث

وهذا المركز تم استحداثه بعد أن تركت دار الهلال. يتولى أموره الزميل الصحفى أشرف غريب. وقد علمت منه أنهم أصدروا العديد من المطبوعات. منها مجلد مهم عن حرب السادس من أكتوبر التى نحتفل بها فى العام القادم بمرور خمسين عاماً على قيامها. حيث تُشكّل صفحة ناصعة البياض، شديدة الجمال فى تاريخنا الحديث.

ولابد أن نُعلِّم الأجيال الطالعة ماذا يعنى هذا الدرس الوطنى الجميل وغير العادى الذى مرت به أمة العرب والعالم الإسلامى كله فى مواجهة العدو الصهيونى. ومن كتب المركز أيضاً كتاب عن عبد الحليم حافظ أسطورة الغناء فى قرننا العشرين. والذى تجمعنا حوله باعتباره مطرب يوليو وبناء السد العالى وغزو الصحراء وحروبنا ضد الأعداء. إلى جانب أنه كان المُعبِّر عن أحلام ومشاعر جيل الستينيات الذى أنتمى إليه.

وأعتقد أن هذا المركز مهم. ويمكن أن يلعب دوراً أكثر أهمية فى السنوات القادمة عندما يحاول التأريخ لما جرى فى بلادنا من بطولات مهما قُمنا بها وواجبات أديناها وأمجادٍ ستُحسب لنا عندما يُدوَّن ما حدث فى هذه البلاد. سواء فى قرننا العشرين أو القرن الحادى والعشرين.

المُكرمــون


رأيت الزميل عبد القادر شُهيِّب رئيس تحرير المصور يصعد للتكريم. وهو يستحقه بما قدمه للدار من أعمال صحفية مهمة. وأيضاً زميلنا حلمى النمنم وزير الثقافة الأسبق، وأحد أبناء مؤسسة دار الهلال. والذى يحرص على الذهاب إليها بشكل مستمر. والكتابة فى مجلة المصور بدأبٍ يُحسد عليه. وكان من المكرمين أيضاً سمر الدسوقى رئيس تحرير حواء والتى كانت تتجول بيننا وكأن الحفل أمرٌ يخصها ويعنيها.

وكنتُ أتمنى لو تم تكريم الزميل غالى محمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير مجلة المصور فى سنوات من 1912 - 1917، وكانت من فترات المد والعطاء الحقيقى للمؤسسة العريقة والمهمة والتى تحتل مكاناً شديد التميز فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية.

أعترف أننى ورغم كل تقديرى للاحتفال وسعادتى به. فقد كنت أتمنى لو جرى تكريم موظف من موظفى المؤسسة، سواء الأحياء أو الذين رحلوا. فما يقومون به من عمل مهم. ولولاه ما وصلت بين  أيدينا مطبوعات الدار. أيضاً فإننى لا يمكن أن أنسى العُمال. فهم الأساس الذى بُنِيت عليه دار الهلال عبر تاريخها الطويل سواء كانوا من عُمال المطابع أو عمال الإدارة فى المجالات المختلفة أو عمال الأمن. فهم العماد الذى قامت عليه وستقوم عليه دار الهلال.

وزير الأوقاف

صديقى الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف حضر الاحتفال. وألقى كلمة مهمة عن المؤسسة والصحافة عموماً والدورالذى تقوم به فى بناء الوعى الإنسانى فى مصر الراهنة.

وللدكتور جمعة نشاط فكرى مهم يصدره على شكل مطبوعات متميزة. يصلنى البعض منها وأقرأه وأستنير به وأكتب عنه كلما سنحت الظروف. وقد قال لى وهو يصافحنى مودعاً، أن لديهم كُتباً جديدة سيأمر بوصولها إلىَّ. تدور فى نفس الفلك الذى يعملون فيه. فهم خط الدفاع الأول ضد التطرف والإرهاب والفكر الظلامى الذى يُهدد كل ما نبنيه فى مصر الراهنة.

كانت ليلة ولا كل الليالى. من الصعب أن يحسبها الإنسان من عمره الطويل.

نُشر في الأخبار 20 ديسمبر 2022.