الثلاثاء 25 يونيو 2024

عيناكِ .. والوطن!

مقالات28-12-2022 | 21:42

لم يبق إلا أن يلمس قرَّاءُ الشعر العربي أعينَ محبوبات الشعراء، فقد أبدع الشعراء رسْمَها على أوراقهم، فتفننوا في تجسيمها، وحملتْ أشعارهم كل تفاصيلها، وأروع تجلياتها، وباحوا بجمال وقْعها وعظيم أثرها، ترجموا ذلك كله تصويراً ورمزاً حتى لكأنك عزيزي القارئ لا تملك إلا أن تُلقي بنفسك مع الشاعر العربي في إبحاره اللانهائي.!!

ولم يختلف الشعراء في إعجابهم بسحر الأعين ورفْع راياتهم البيضاء استسلاماً، فالمعركة غير متكافئة، وأيُّ قلوب يُمكنها الصمود أمام نظرات الحبيبات الناعسة الساحرة..؟ !! أجل.. كلُّ الشعراء من العصر الجاهلي حتى العصر الحديث شكَّلتْ الأعين نبعاً متدفقاً من ينابيع الوحي، يلهمهم السحر في الوصف، ويدفعهم إلي البوح بالهيام، إلا أن شعراء العصر الحديث تعمقوا أكثر، فلم يقفوا عند سحْر ألوان الأعين أو أسلحة الرموش وسهام الأهداب، بل أصبحت الأعين عالما قائما بذاته، وأصبحت قصائدهم تصوِّر ما لا يراه الناس، وتبوح بما هو أعمق، ومن منا حينما اقتحمت حصونَه عينُ حسناءَ دونما قصدٍ، وكابر فلم يرفع رايته البيضاء..؟، ولم يتمتم بهذين البيتين الرائعين للشاعر الأموي

(جرير): إن العيون التي في طرفها حور قتلننا، ثم لم يحيين قتلانا، يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به، وهن أضعف خلق الله أركانا  أو يرى في عين محبوبته برَّ الأمان مثلما رأى ( نزار قباني).

فقال: في مرفأ عينيك الأزرق أركض كالطفل على الصر أو استولت على قلبه عينٌ عسليةٌ بسحرها الأخَّاذ فتعبَّدَ في محرابها مثلما قال محمود درويش : والذي يعرف ريتا... ينحني ويصلِّي لإلهٍ في العيون العسلية !!.

 وهذا على غير المألوف في الشعر العربي؛ حيث لم تحتل الأعين العسلية رغم سحرها مساحةً مقارنةً بالتي احتلتها الأعين السوداء والحوراء والكحيلة، إلا أن هناك نصاً بديعاً للشاعر السوري ( أدونيس) استطاع أن يتجاوز فيه المظاهر الخارجية ليقدم نظرته الفلسفية التي جعلت عين حبيبته نافذته على الوجود يقول: حين أُغرق في عينيك عيني ألمح الفجر العميق.. وأرى الأمس العتيق.. وأرى ما لست أدري.. وأحس الكون يجري بين عينيك وعيني..!!                                                                                                     

ولعلنا لاحظنا أن (أدونيس) تفادى الوقوع في أسر الإعجاب بظواهر الجمال الحسي ؛ إذ يكفيه أن يُغرق عينه في لجَّة عينيها ، وتستقبل مدركاته ما لا يدريه من أسرار الوجود، لكننا إذا غادرنا هذا التطواف فيما أبدعه الشعراء العرب حول أعين محبوباتهم إلى نافذة أكثر رحابة؛ لوجدنا نصاً فريداً للشاعر الإيفواري ( برنارد دادييه) توافرت فيه عناصر الإدهاش والروعة، والتي تخرج بنا من قوقعة ذاتية الشاعر وفرديته إلى مدارات رحبة؛ تمنح النص مستوياتٍ قرائيةً أكثر عمقاً؛ حيث يبدأ الشاعر (برنارد دادييه) قصيدته بجملة غاية في البساطة والعمق دونما تكلُّف.

"في عينيك.." ليأخذ بأيدينا في رحلته المقدسة بين ربوع وطنه المتخم بألوان الجمال الإلهي من أنهار وجبال تزينت قممها بالجليد، ولا ينسى أن يستعرض الجمال الصوتي من  همسات الكون وثرثرة الماء وسيمفونية ضحكات البشر؛ لتصبح يد المحبوبة يد الفجر والأمل، ويد الأماني البتول بما تثيره من مشاعر دينية مقدسة ، وإذا أمسكها كأنما أمسك يد التاريخ بعراقته وشموخه، ويختم النص بهذي الصفات المتكررة للعينين ( الزرقاوين / البعيدتين / القريبتين ) فهل وقف الشاعر ( برنارد داديه) عند عين المحبوبة بمعناها الضيّق، لقد مزج الشاعر بين محبوبته والوطن بشكل مدهش ؛لتصبح المسافة بين الأنثى والوطن غير محسوسة، إن الشاعر الذي يتجاوز بقصائده الدائرة الضيقة ،ويخرج بتجاربه إلى مناطق أكثر رحابة، يمنح إبداعه أبعاداً إنسانية، وعمقاً فريداً يجعل من شعره صوت الإنسانية المعبر عن القيم المطلقة : الحق والخير والجمال .. فتعالوا بنا لنملأ أرواحنا من هذا السحر وقصيدة (في عينيكِ) و"برنارد دادييه"                                                                                                                                                         

في عينيك الصافيتين .. قرأت أحلام الإنسان .. في عينيك الرقيقتين .. أتأمّل الطبيعة منشرحة مزهرة

في عينيك الشفافتين .. أرى كل العيون ..الزرقاء للأنهار .. البيضاء للجبال

كل العيون الخضراء للمروج.. الحمراء للنيران والنجوم .. عيون العوالم الأخرى.. كل العيون

في همساتك .. أسمع ثرثرة الماء .. سيمفونية ضحكات البشر .. كل همسات الكون اليقظ

في دقات يديك الملاكين ... أسمع كل التمتمات المتناغمة ... كل أغاني الكون

وعندما أمسك يديك .. أمسك كل أيادي الفجر الوردية .. كل أيادي الآمال البتول .. يد القرون المزخرفة ويد الكائنات

في عينيك الصافيتين .. أقرأ كل أحلام البشر .. والخلود المتشبث برموشك .. يعيد لي لحن الكون

في عينيك الزرقاوين، الزرقاوين .. يزهر العشق ..في عينيك البعيدتين، البعيدتين.. يشرق عشقي

في عينيك القريبتين، القريبتين .. يغنّي قلبي .. في عينيك الطفولية .. أتأمّل الطبيعة منشرحة مزهرة.