الثلاثاء 25 يونيو 2024

العبقري المظلوم

مقالات30-1-2023 | 11:51

يستطيع الممثل الموهوب أن يصل إلى مكانة فنية معلومة أو يحصد جائزة في مهرجان ما، أما العبقري فهو يحلق إلى مكان أبعد من أن يراه أحد وتعجز الكلمات عن وصف موهبته وتنحني أمام عظمة وخلود فنه الجوائز.

أجمع الجميع عند ذكر اسم الفنان محمود مرسي بأنه ذلك الفنان الذي تتجلى فيه كل صفات العبقرية، أنه تلك الكتلة المتوهجة بالمشاعر والنقائض في شخص واحد عندما تراه في مشهد، نظرة واحدة من عينيه تكفي ليسطو على تركيزك ويسلب منك حواسك بهيبة ملامحه وقوة أدائه، ويمتلك براعة المايسترو في التحكم بدرجات صوته التي تجبرك على الإنصات رغما عنك ودون أي ملل، يمتلك شخصية وحضور رشحته لكثير من أدوار الشر بالرغم أن المقربين أكدوا أنه كان عكس ذلك الشخص، وأن شخصيته الحقيقية أقرب ما تكون إلى شخصية أبو العلا البشري التي صاغها المبدع أسامة أنور عكاشة والتي تأثرنا جميعا بها وساهمت في بناء وتشكيل شخصية كثير من شباب ذلك الوقت وحتى الآن، هو ذلك الشخص الذي يحمل هموم عائلته وأصدقائه حتى التفاني وهو المتمسك بمنظومة الأخلاق حد الإيمان، اهتزت قلوبنا حين تحدث عن الحب الحقيقي ونقائه وكيف نعيشه ونحافظ عليه، وحتمية أن نصارع التغيرات الدخيلة من أجل الحفاظ على أخلاقنا وتراثنا الذي هو سر تميزنا، وكيف نتمسك بأحلامنا ونتعاون على تحقيقها ونترك الأنانية وحب الذات التي تدمر أقوى العلاقات.

إعجابي بهذه العبقرية ووصفه بكلمة أنه العبقري كان طبيعيا بالنسبة لي وللجميع  لكن أن يكون مظلوما! كيف؟ ولما؟  كل من عرفه عن قرب أو عمل معه نعته بتلك الكلمة وهو وصف لا يليق بعبقرية مثله وهذا ما أثار فضولي ودفعني لأبحث وأقرأ معظم ما كتب عنه؛ بدأت من مولده في الإسكندرية سنة ١٩٢٣لأسرة ميسورة الحال ووالده كان نقيبا للمحامين، ودرس في مدرسة إيطالية ليتخرج ويلتحق بكلية الآداب قسم فلسفة التي بدورها أطلعته عن شغفه وحبه للسينما فسافر فرنسا لدراسة الإخراج السينمائي التي دامت ٥ سنوات وتم طرده مع كل المصريين من فرنسا لأسباب سياسية وردة فعل من فرنسا لجمال عبد الناصر على تأميم القناة فسافر لندن وعمل في إذاعة الـ BBC البريطانية والتي استقال منها على الهواء دون تردد بعد إعلان رفضه العمل والإقامة في بلد تقذف أهله وبلده بالقنابل.

حزم حقيبته عائدا إلى مصر ليعيش ويشارك في هموم وطنه وأهله، لتبدأ رحلة محمود مرسي في مصر فعمل في الإذاعة المصرية ومخرجا في التليفزيون، بالإضافة إلى تدريسه في المعهد العالي للفنون المسرحية، وكان أول دور أسند له في فيلم أنا الهارب ١٩٦٢، واستشعر الوسط الفني موهبته فتهافت عليه العروض فمثل ٣٠٠ فيلم، ٦ منهم دخلت قائمة أفضل ١٠٠ فيلم في تاريخ السينما المصرية من شدة حرصه في اختيار أدواره من أبرزها عتريس في (شيء من الخوف) وعيسى الدباغ في (السمان والخريف) والشاويش محمد في فيلم (أغنيه على الممر)، والكثير من الأدوار فأصبح من أبرز نجوم السينما في الستينيات والسبعينيات وفارس أحلام الكثير من فتيات جيله لكنه كان ذلك الشاب الخجول المحترم المثقف الطموح ابن الناس العازف عن الارتباط والحب.

ظل هكذا حتى وقع في الحب وكانت في البداية كرويات الحب العالمية التي كنا نقرأها في الأدب الإنجليزي ولكنها للأسف انتهت بمأساه خرج منها كفارس مطعون بخنجر مسموم بعد أن سلم كل أسلحته مطمئنا جاءه الخذلان من المرأة الوحيدة التي أحبها، تستطيع رؤية شظايا قلبه المكسور بوضوح عائمة في بحر عينيه الزرقاوين تستطيع أن تسمع صوت الارتطام بالأرض بعد أن كان محلقا في السماء جليا في صوته عندما يتحدث، وفي عصبتيه تجاه أي تصرف خاطئ ولا مبالي من أي فنان غير مكترث يعمل معه، تشعر أن هناك صرخة غضب داخله مختفية خلف هدوئه وصمته تارة وضغطه على الكلمات والحروف تارة أخرى، نعم لقد ظلم وخذل هذا الفارس النبيل في حبه، وهو الفنان الذي يضج رجولة وكبرياء مما جعله يختفي بمجرد انتهائه من عمله ويميل إلى العزلة ويرفض حتى الظهور والتكريم من أي جهة ويكتفي بدخان سيجارته التي أصبحت جليسه الوحيد، ولم يحصل على التقدير الذي يستحقه فكان ظلما مضاعفا ولأن الظواهر الكونية النادرة تحدث بعد ارتطام قوي، أضاءت عبقرتيه أكثر عندما اتجه للدراما التليفزيونية وأغرق نفسه في العمل ومثل عشرات المسلسلات الدرامية الناجحة منها زينب والعرش والرجل والحصان ورحلة أبو العلا البشري.

عبقري مثله لا يستطيع أن يقتنع بأن يكون ضيف شرف في عمل وأن يقبل بأي دور دون المستوى، وأن يعمل مع أنصاف الفنانين من أجل المال. فكان يمثل ما يقتنع به فقط وكالأشجار العظيمة تظل شامخه وتنشر الظل على من يمر بجوارها وإن ماتت.

رحل العبقري سنة 2004 عن عمر ناهز 80 عاما  بعد أن كتب نعيه بيديه ووصى أصدقائه بأن ينزل بنفس الصيغة التي كتبها، كلمات قليلة ودع بها أصدقائه القليلين والدنيا تاركا لنا أعمالا احتلت ذاكرتنا واستعمرت قلوبنا.. رحم الله العبقري المظلوم.