الجمعة 24 مايو 2024

خواطر حول الرمال السوداء

مقالات19-2-2023 | 13:01

الرمال السوداء هى رواسب شاطئية من معادن ثقيلة، وهذه المعادن لها أهمية اقتصادية، حيث أنها تدخل فى صناعات استراتيجية كثيرة.

النوع الأكثر انتشارا من الرمال السوداء يأتى من المعادن البركانية المتآكلة مثل شظايا الحمم البركانية وصخور البازلت وغيرها من الصخور والمعادن البركانية الثقيلة ذات الألوان الداكنة. وتنتشر هذه الرمال بشكل خاص على شواطئ الجزر البركانية مثل هاواى، وجزر الكنارى، وأيسلندا.

الرمال السوداء سوداء اللون لأن العديد من المعادن والصخور البركانية داكنة اللون، مثل أكاسيد الحديد ومعظمها الماجنتيت وهو أكسيد الحديد الأسود، والإلمنيت وهو أكسيد التيتانيوم والحديد ولونه أسود أو رمادى.

أنواع الرمال السوداء والصخور الشائعة للجزر البركانية هى البازلت، والأنديسايت، والزجاج البركانى، والبيروكسين، والأمفيبولات، وأكاسيد الحديد. قد تحتوى الرمال البركانية السوداء على العديد من الحبوب غير السوداء مثل بلورات الزبرجد الزيتونى الخضراء، والكوارتز ذو اللون الفاتح. كما أنها تحتوى على نسبة عالية بشكل غير عادى من شظايا حجرية (صخرية) لم تتفكك بعد لتشكيل رمال مكونة من حبيبات معدنية فردية.

يوجد نوع آخر من الرمال السوداء غالبا فى الأماكن القارية، وهى رمال من المعادن الثقيلة. والطريقة التى تتشكل بها الشواطئ الرملية السوداء هى من خلال تآكل الصخور البركانية السوداء بواسطة سريان مياه الأنهار من منابع الأنهار الجبلية نحو المصب، والتى تحمل حبيبات الرمال السوداء إلى البحار والمحيطات، وتتراكم على بعض الشواطئ بالقرب من مصبات الأنهار الكبيرة. تتكون الرمال المعدنية الثقيلة عادة من معادن مقاومة نسبيا للعوامل الجوية، هذه المعادن هى التورمالين والماجنتيت والعقيق والروتيل والإلمنيت والزركون، والإيبيدوت، والستوروليت، إلخ.

فى مصر تكونت مناطق غنية بالرمال السوداء، عند مصب نهر النيل على البحرالأبيض المتوسط، ومع التقاء الماء المالح بالعذب وعلى مدى آلاف السنين. هذه المناطق  تمتد على شواطئ الدلتا، فهى تمتد من رشيد وحتى العريش، أى شملت شواطئ دلتا مصر. حتى ستينيات القرن الماضى كانت هذه المناطق تحتوى على كميات كبيرة من الرمال السوداء، فقد كانت أكثر بكثير من الكمية الموجودة حاليا، وتقلصت الكمية بسبب استغلال الرمال السوداء استغلالا سيئا عبر إدخالها فى مواد البناء ومصانع الأسمنت والطوب الرملى، وكذلك استغلال أجزاء من الأراضى التى تحتوى على رمال سوداء.

وبحسب تقديرات هيئة المواد النووية المصرية، تتوفر الرمال السوداء حاليا فى 11 موقعا. هذه الرمال تحتوى على 6 معادن ثقيلة اقتصادية رئيسية (الإلمنيت، والروتيل، والزيركون، والجارنت، والمونازيت، والماجنتيت)، بالإضافة إلى معادن أخرى ثانوية.

الإلمنيت، هو معدن أكسيد التيتانيوم والحديد، والمعروف باسم حديد التيتانيوم (الحديد بنسبة 36.7% والتيتانيوم بنسبة 31.6%)، وهو أهم خام لمادة التيتانيوم. الإلمنيت هو المصدر الرئيسى لثانى أكسيد التيتانيوم الذى يستخدم فى صناعة الصلب وهياكل الطائرات والدهانات وأحبار الطباعة والأقمشة، وفى تغليف وتبطين أنابيب الغاز الطبيعى والبترول، وفى صناعة أسياخ اللحام وفى تبطين الأفران الحرارية، وفى صناعة البلاستيك والورق، وكواقى من أشعة الشمس، وفى الأغذية ومستحضرات التجميل.   

الزركون، معدن يتألف من عناصر السليكون والأكسجين والزركونيوم (سليكات الزركنيون)، وهو المصدر الأساسى لمعدن الزركونيوم، ومعدن الهافنيوم ويوجد دائما بكميات تتراوح من 1 إلى 4٪.

يحتوى معدن الزركون على عناصر مشعة مثل الثوريوم واليورانيوم، ويحتوى على كميات ضئيلة من اليورانيوم والثوريوم (من 10 جزء فى المليون وحتى 1٪ حسب الوزن). كما يحتوى الزركون على كميات قليلة من عناصر أخرى مثل الهافنيوم  وعناصر أرضية نادرة.

ولأن الزركون مقاوم للحرارة وصلب وله مقاومة كيميائية عالية، لذلك فإنه يستخدم فى العديد من التطبيقات التى تحتاج درجات حرارة عالية، مثل قوالب المعادن المنصهرة. يستخدم فى مواد السيراميك، حيث يمنحها مظهرا أبيضا معتما.  

أكسيد الزركونيوم (الزركونيا) يستخدم فى البوتقات المختبرية وفى الأفران المعدنية وكمواد مقاومة للصهر. ونظرا لأنه قوى ومرن ميكانيكيا، يمكن تلبيده فى سكاكين سيراميك وشفرات أخرى. ويعتبر ثانى أكسيد الزركونيوم مكونا فى بعض المواد الكاشطة، مثل عجلات الطحن وورق الصنفرة. الزركونيا فى خليط السيراميك تستخدم لحماية الأجزاء المعرضة لدرجات حرارة مرتفعة، مثل الشفرات والريش فى المحركات النفاثة والتوربينات الغازية.

الزركون والزركونيا يتم تقطيعها إلى أحجار كريمة لاستخدامها فى المجوهرات، لتصنيع أنواع مختلفة من الحلى والإكسسوارات. المواد المصنعة من معدن الزركونيوم والزركونيا تستخدم فى مركبات الفضاء لمقاومتها العالية للحرارة.

الزركونيوم، يستخدم بشكل أساسى فى المفاعلات النووية، حيث يمتلك مساحة مقطع صغيرة للتفاعل مع النيترونات، فهو يعتبر من المواد ضعيفة الامتصاص للنيترونات، لذلك يستخدم الزركونيوم فى صورة معدن فى أعمدة تغليف أقراص وقود المفاعلات النووية وحمايتها من حرارة التفاعلات النووية العالية، حيث نقطة انصهاره عالية تبلغ 1855 درجة مئوية، كما يتمتع بصلابته الشديدة وقلة فاعليته الكيميائية. أحد عيوب سبائك الزركونيوم هو التفاعل مع الماء، وإنتاج الهيدروجين، مما يؤدى إلى تدهور كسوة قضيب الوقود داخل قلب المفاعل.

يضاف معدن الزركونيوم للمعادن الأخرى لصناعة بطانة أفران درجات الحرارة العالية جدا،  والتى تذاب فيها المعادن الأخرى، ويستخدم فى صناعة المقصات والسكاكين وأجزاء من أفران الميكروويف والطوب، ويدخل فى مكونات مستحضرات التجميل ومضادات التعرق، ويستخدم فى صناعة المغناطيس فائق التوصيل، ويدخل فى زجاج شاشات التليفزيون، ومع خلطه مع الفولاذ يستخدم فى صناعة الأدوات الطبية التى تستخدم فى العمليات الجراحية. يستخدم فى طب الأسنان بكثرة، يدخل فى صناعة الضروس والأسنان والتيجان وفى عمل حشوات الضروس. وتستخدم المركبات الحاملة للزركونيوم فى العديد من التطبيقات الطبية الحيوية، مثل الأجهزة التعويضية.

الهافنيوم، يتواجد مع الزركون وبكميات تتراوح من 1 إلى 4٪ حسب الوزن، فهو منتج ثانوى من تنقية الزركونيوم. فى التطبيقات النووية يجب إزالة الهافنيوم من الزركونيوم، لأن امتصاص الهافنيوم للنيوترونات أعلى بـ  600 مرة من الزركونيوم، ولهذا السبب يستخدم الهافنيوم فى قضبان التحكم فى المفاعلات النووية.

الهافنيوم يستخدم فى العديد من السبائك، مثل سبائك الحديد والتيتانيوم والنيوبيوم والتنتالوم ومعادن أخرى، وفى فوهات دفع صواريخ الفضاء السائلة (المحرك الرئيسى لوحدات أبولو)، تستخدم سبيكة تتكون من 89%  نيوبيوم، 10% هافنيوم و 1% تيتانيوم. كما يستخدم كمحفز، هناك مجموعة محفزات من مركبات الهافنيوم ميتالوسين، وهى تستخدم فى إنتاج راتنجات البولى أوليفين مثل البولى إيثيلين والبولى بروبيلين.

الثوريوم، فلز له نشاط إشعاعى طفيف، ويوجد بصورة طبيعية وبكميات ضئيلة في التربة (بمتوسط 6 أجزاء فى المليون) وفى معظم الصخور، وهو متوفر نسبيا ومنتشر أكثر من اليورانيوم بثلاث مرات. ويتواجد الثوريوم فى عدة معادن، وأكثرها شهرة المونازيت (معدن للفوسفات) والذى يحتوى على 12% تقريبا من أكسيد الثوريوم. يشتعل مسحوق فلز الثوريوم تلقائيا فى الهواء، ولذا يجب التعامل معه بحرص شديد.

الثوريوم يستخدم فى صناعات كثيرة، فهو يضاف بكميات صغيرة إلى كاثودات التنجستن الحرارية، ويستخدم لتغطية أسلاك التنجستن المستخدمة فى المعدات الإلكترونية، ويستخدم الثوريوم في إلكترودات لحام القوس التنجستن الغازى، وفي الخزفيات المقاومة للحرارة.

الثوريوم لا ينشطر، لكن يمكن استخدامه كوقود فى المفاعلات النووية وخاصة فى مفاعلات الملح المنصهر، فمن خلال امتصاصه للنيوترونات البطيئة داخل المفاعل النووى، يتحول إلى يورانيوم-233، والذى يحدث له انشطار، وينتج عن ذلك طاقة تستخدم فى توليد الكهرباء. اليورانيوم-233 الناتج من الثوريوم يعد وقودا أكثر فعالية من اليورانيوم-235 أو البلوتونيوم، نظرا لإنتاجه العالى من النيترونات لكل نيترون ممتص. ونظرا لأنه ينصهر عند درجات حرارة عالية، فهذا يقلل من احتمال انصهار قلب المفاعل. كما أن عملية فصل اليورانيوم-233 عن النفايات النووية لتلك المفاعلات لصناعة القنابل النووية تتطلب تكنولوجيا معقدة، وهذا يحد من انتشار الأسلحة النووية.

ونظرا لارتفاع درجة انصهار ثانى أكسيد الثوريوم "الثوريا" (3300 درجة مئوية) فهى تستخدم فى تطبيقات كثيرة، مثل صناعة السيراميك المقاوم للحرارة، والبوتقات المختبرية عالية الحرارة. وتضاف "الثوريا" إلى الزجاج للعمل على زيادة معامل انكساره وتقليل التشتت، هذا الزجاج يستخدم فى العدسات عالية الجودة للكاميرات والأدوات العلمية. كما تستخدم الثوريا كحافز فى تحويل الأمونيا إلى حمض نيتريك، وفى عمليات تكسير البترول، وإنتاج حمض الكبريتيك.

الجارنت، هو من الأحجار الصلبة، وهناك عائلة الجارنت والتى يدخل تحتها العديد من أحجار الجارنت ذات التراكيب الكيميائية المختلفة، ومن بينها أحجار نقية وشفافة تستعمل كأحجار كريمة، والأحجار الكريمة تختلف فى تدرج الألوان، أما الأحجار الغير شفافة فهى تستخدم فى مواد الصنفرة فهى مادة كاشطة ممتازة. عائلة الجارنت تتميز باختلاف الوان أحجارها.

عائلة الجارنت هى: البيروب ويتركب من سيليكات المغنسيوم، والألومنيوم؛ والماندين ويتركب من سيليكات الحديد والألومنيوم؛ الاسبسرتين ويتركب من سيليكات المنجنيز والألومنيوم؛ والجروسيولار ويتركب من سيليكات الكالسيوم والألومنيوم؛ والأندراديت ويتركب من سيليكات الكالسيوم والحديد؛ والأوفاروفيت ويتركب من سيليكات الكالسيوم والكروم.

الروتيل، هو أكسيد معدن يتكون من ثانى أكسيد التيتانيوم، وهو الشكل الطبيعى الأكثر شيوعا لثانى أكسيد التيتانيوم. الروتيل الطبيعى قد يحتوى على ما يصل إلى 10% من الحديد وكميات كبيرة من النيوبيوم والتنتاليوم.

معامل الانكسار للأطوال الموجية المرئية فى الروتيل هو الأعلى لأى بلورة معروفة، كما أن التشتت عالى. لذلك فهو يستخدم فى تصنيع عناصر بصرية معينة، وخاصة بصريات الاستقطاب، لأطوال موجية مرئية وأشعة تحت حمراء.

 الروتيل هو معدن هام لاستخلاص التيتانيوم و له أهميته التجارية، على الرغم من أن معظم ثانى أكسيد التيتانيوم ينتج من الإلمنيت. صبغة ثانى أكسيد التيتانيوم هى أكبر استخدام منفرد للتيتانيوم فى جميع أنحاء العالم. مسحوق الروتيل الناعم عبارة عن صبغة بيضاء ناصعة وتستخدم في الدهانات والبلاستيك والورق والأطعمة والتطبيقات الأخرى التى تتطلب لونا أبيضا ناصعا. وللروتيل استخدامات أخرى فى صناعة الخزف والزجاج والسيراميك الحرارى وفى صناعة بعض الفولاذ وسبائك النحاس.

المونازيت، عبارة عن معدن فوسفات يحتوى عادة على عناصر أرضية نادرة، وهو مركب من فوسفاتات (فوسفور وأكسجين) وعناصر أرضية نادرة. هناك خمسة أنواع مختلفة من المونازيت، وذلك اعتمادا على الكميات النسبية للعناصر الأرضية النادرة فى المعدن. والأكثر شيوعا هو المونازيت الذى يحتوى على عنصر السيريوم، كعضو مهيمن فى المجموعة، ثم يأتى اللانثانوم، ثم النيوديميوم، ثم عنصر الثوريوم. لم يقتصر الأمر على هذه العناصر فقط، بل نجد أن هناك عناصر مثل السماريوم، والجادولينيوم، والبراسيوديميوم، موجودين فى مجموعات أخرى.

المونازيت مادة مشعة بسبب وجود عنصر الثوريوم، وبشكل أقل وجود عنصر اليورانيوم. المونازيت هو خام مهم للثوريوم واللانثانم والسيريوم، وغالبا ما يوجد فى الرواسب الغرينية.

الماجنتيت، هو أحد أكاسيد الحديد، وهو واحد من اهم الخامات التعدينية التى تدخل بصفة أساسية فى صناعة الحديد والصلب. الماجنتيت يوجد منتشراً كمعدن إضافى فى معظم الصخور النارية، كذلك يوجد فى الصخور المتحولة المتبلورة فى هيئة عدسات أو طبقات واسعة، وفى الرمال السوداء على شواطئ البحار وعند مصبات الأنهار.

تهتم الدول باستخلاص المعادن من الرمال السوداء لاستغلالها إقتصاديا، بالإضافة إلى تطهير الشواطئ من المواد المشعة الضارة بالبيئة.

بحسب تقديرات هيئة المواد النووية المصرية، فمن المتوقع أن تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية لمعدن "الإلمنيت" نحو 298 ألف طن، ولمعدن "الزيركون" نحو 25 ألف طن، ولمعدن "الجارنت" نحو 12 ألف طن، ولمعدن "الروتايل" نحو 11 ألف طن، ولمعدن "المونازيت" نحو 145 طن. ووفقا للمناطق التى تم اكتشافها حتى الآن، وبحسب التقديرات، فمصر تحتوى على 5 مليارات طن رمال سوداء، تكفى لمدة 200 سنة قادمة.