الثلاثاء 25 يونيو 2024

العقوبة وارتباطها بسلوك الجاني

مقالات24-3-2023 | 21:49

العقوبة بين سلوك الجاني الخاطئ الذي يتخذ قرار ارتكابه في حالة إدراك وعلم وتبصر للنتيجة الإجرامية، يطلق عليه في القانون الجنائي القصد الاحتمالي والمفترض في حالة توافره أن تغلظ العقوبة وتوصف بالقتل العمد وأن يطبق على قائدي المركبات بحوادث الطرق، وسلوك مرتكبي الحوادث المرورية تدور العقوبة هنا بين سلوك الجاني وتوقع النتيجة، فيطبق على مرتكبي حوادث الطرق عقوبات جنح الإصابة والقتل الخطأ ما بين الحبس والغرامة.

رغم وجود حالات فجة تكشف مدى الاستهتار والتهاون والعبث بحياة الإنسان وهي أغلي شيء، ولوحظ في الآونة الأخيرة ارتفاع عدد الضحايا نتيجة تلك السلوكيات والأفعال مما يتطلب تدخل تشريعي لتغليظ العقوبة حتى يتحقق الهدف المنشود من القانون والردع العام، وضرورة التفرقة بين من رغب النتيجة عن طواعية واختيار بارتكاب سلوك وهو متأكد أنه خاطئ ومن المحتمل حدوث أن ينتج عن ذلك خسائر في الأرواح والأموال، ومن خطأ يسير نتيجة مخالفة لم يتوقع أن تنتج عنها الحادث المروري ولم يتخذ قرار عن تروي أو نهج مسبق لسلوك الخاطئ وحساب نتائجه، بين السلوك المفاجئ وارتكاب الخطأ نتيجة قوى قهرية ليست عن علم وإرادة.

تتعدد أسباب وقوع الحوادث في الطرق بمصر منها ما هو مرتبط بعدم التزام بعض السائقين بالسرعات المقررة وعدم مراعاة السير داخل المناطق السكنية، وما هو ناتج من حمولات لسيارات النقل الثقيل وأخرى لمخالفة الأمن والمتانة للسيارة وأيضا لعدم اتباع وسائل الأمن والسلامه وكذلك من غافلة النوم.

كل ما يرتكب من جراء تلك الأفعال يكون تكييفه القانوني إصابة وقتل خطأ ونص المادة 238 من قانون العقوبات المعدل بالقانون رقم 120 لسنة 1962 ونصها «كل من تسبب خطأ في موت شخص آخر بأن كان ذلك ناشئا عن إهمال أو رعونة أو عدم احترازه أو عدم مراعاة للقوانين واللوائح والأنظمة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز  مائتي جنيه؟».

وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن خمس سنوات وغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تتجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا وقعت النتيجة نتيجة إخلال الجاني إخلالا جسيما بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان متعاطيا مسكرا أو مخدرا عند ارتكاب الخطأ الذي نجم عنه الحادث أو نكل وقت وقوع الحادث عن مساعدة من وقعت عليه الجريمة أو عن طلب المساعدة له مع تمكنه من ذلك.

تلك المادة عددت صور الخطأ وهي الإهمال، أو الرعونه، أو عدم الاحتياط أو مخالفة القوانين واللوائح والأنظمة، وكل ذلك باعتبار أن الخطأ كما هو معروف وشائع يشكل إخلالا بوجبات الحيطة والحذر التي يقررها، وفي تلك الصور يكون المفترض أن يكون الجاني في استطاعته توقع النتيجة الإجرامية وكان من واجبه أن يتفاداها.

أما الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة هي الواقعة التي لا يكون في طاقة الشخص أن يدفعها أو يمنع أثرها، والحادث المفاجئ هو الواقعة التي لا يمكن توقعها وهي التي تؤدي إلى قطع علاقة السببية بين الخطأ والضرر، والمقصود بالحادث المفاجئ هو الواقعة التي يتعذر على الإنسان دفعها، والتي يمكن إسناد الضرر الحادث للغير إليها، رغم ما يمكن نسبته من خطأ إلى شخص ما، والقوة القاهرة والحادث المفاجئ يعد كلا منها سببا الإعفاء من المسئولية.

وعلي ذلك فالخطأ في جريمة القتل الغير العمدي هو الركن المادي للجريمة وبدونه تنهار الجريمة وتضحي منعدمة لا يستساغ وجود جريمة قتل خطأ دون وقوع خطأ من المتهم وهو الركن المميز لهذه الجرائم، كما شدد القانون العقوبة بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على سبع سنوات إذا نشأ عن الفعل وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص، فإذا توافر ظرف آخر من الظروف الواردة في الفقرة السابقة كانت العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن عشر سنوات.

التطبيق الحالي لعقوبات مرتكبي الجريمة هي عقوبة تخيريه جوازيه، ونشير هنا من الواقع العملي ومعايشة وقائع كثيرة على أرض الواقع إلى أن تلك العقوبات لا تتناسب مع الوقت الحالي وخاصة في حوادث السيارات، ونطالب المشرع بتشديد العقوبة وزيادة مدة الحبس في الحد الأدنى للعقوبة مع إلغاء عقوبة الغرامة الجوادية، خاصة للمتعاطي عن إرادة حرة لمواد مخدرة أو مسكرة قبل أو وقت ارتكاب الجريمة، كذلك من يرتكب أفعالا خاطئة وهو مدرك ومتبصر للنتيجة الإجرامية التي قد تحدث أو حدثت، وهو ما يطلق عليه القصد الاحتمالي، مثل ما قام به (مشلول) معاق بشلل أطفال وساقيه بهم وهن وضعف شديد بقيادة جرار زراعي،  وهو يعلم تماما أنه سيحدث كارثة من جراء قيادته الجرار الزراعي واحتياجه في القيادة. لاستخدام الدبرياج والفرامل بالساقين وهو يمزح مع آخرين وفي رهان بمبلغ مالي ليثبت أنه شخص غير عادي
فصدم رجل ودابته واردهما قتيلا وإصابة آخرين، تلك وقعة حقيقية وقعت أحدثها بإحدى قرى إيتاي البارود البحيرة.

والنتيجة هنا حتمية لتوقعه مسبقا قبل أن تحدث پاعتبار أن ذلك القدر من التوقع يدخل في إطار القصد المباشر فعندما يكون اليقين ولا يدور في الذهن غير احتمال واحد يكون القصد مباشرا وهو ما يتأكد في تلك الحالة أننا بصدد جريمة قتل عمدا وليس قتل خطأ ويتحقق أيضا القصد الاحتمالي للمتهم وهو اتجاه إرادة الجاني نحو السلوك والمخاطرة به مع توقع النتيجة التي حدثت كمن أعطى سلاح ناري لأعمي وطلب منه إطلاق النار على الهدف وهو لمايري فتكون النتيجة حصد أرواح ما يصادف وقوفه أو مروره في مرمى إطلاق النيران، أو كمن يلهو ويلعب ويقود السيارة بسرعة جنونية في طريق واحد ذو اتجاهين ويستخدم فرامل اليد فيحدث دوران للسيارة في الاتجاه المعاكس فيصدم آخرين وينتج عن ذلك موتهم من سلوك المتهم الخاطئ.

ونقترح أن تشدد عقوبة تلك الصور من الجريمة التي تؤدي إلى فقدان الإنسان وتزيد من الضحايا وارتفاع عدد المصابين ونسب العجز والأضرار بالممتلكات بزيادة الحد الأدنى للحبس في العقوبة وإلغاء الغرامة، ويلغي التخيير في تطبيق العقوبة، إما أن تخرج صور القصد الاحتمالي من القتل الخطأ وتنضم إلى مصاف القتل العمد وتصنف تلك الصور من الجريمة جنايات وتشدد العقوبة حتى يتم كبح جماح المستهترين والعابثين بحق الإنسان في الحياة والحفاظ على حياة الفرد عماد التنمية في المجتمع.