الأربعاء 24 ابريل 2024

‎الإنسان ومعجزات الطاقات الكامنة

مقالات26-3-2023 | 12:15

قبل مغادرتي القاهرة إلى عمان سارعت لتوديع أصدقائي وصديقاتي مهنئة إياهم بحلول شهر رمضان الكريم، ومنهم إحدى الصديقات سألتها عن أحوال ابنها بالمرحلة الإعدادية فقالت بخير وبدأ أول ماتش في الدورة الرمضانية قبل حلول الشهر الكريم، ودخل في شباكه عشرة أهداف وصد عنها  ثمانية أخرى 
‎فقلت لها كيف كان رد فعلك على هزيمة فريق ابنك، قالت رأيتها طبيعية لأنه لا يزال يتعلم وكما قلت لابني إن الفشل بداية طريق التعلم من الأخطاء، وكل ماتش تلعبه ستتعلم كيف تستفيد من أخطائك وتصوبها وتستفيد من الطاقة الداخلية الكامنة فيك والتي تساعدك على التركيز واستخراج طاقات خطوط الدفاع الجيد، وكل خطأ ستتعلم منه الصح.

استوقفتني عبارة صديقتي التعلم من الأخطاء مع الاستفادة من كوامن الطاقة الداخلية لدى الإنسان هي القوة النفسية التي يستدعيها الإنسان في أوقات الصعاب والأزمات.

وقفزت في مخيلتي صور للعديد من الفرق الرياضية المهزومة ومع ذلك سعت بجهد ومثابرة لتحقيق التعادل أو الفوز في الدقائق الأخيرة من المباراة وحتى في الوقت بدل الضائع وكثيرا ما يحققون الفوز المدهش. 

‎والسر يكمن هنا في الحماس النابع من الطاقة الداخلية الروحية والمخزنة بداخل الإنسان، لكنها غالبا لا تظهر إلا وقت الشدة أو الخطر. وكل إنسان منا يتمتع بهذه الطاقة الكامنة في الروح إشعاعاتها وهي من أسرار الله وتعظم  في خلقه مصداقا لقوله: "ونفخنا فيه من روحنا" ولذلك فأن هذه الطاقة تفعل الأعاجيب.

فهي قوة لا يمكن لمسها أو مشاهدتها عن طريق حواسنا العادية ولكن نشعر بالأثر الذي تحدثه فينا، والفعل الذي نقوم به في الاشخاص المحيطين بنا. 

وقد وصفها بعض العلماء بأنها طاقة كهرومغناطيسية مختلفة التردد والذبذبات والطول الموجي ومتشابهة في السرعة، أما هذه الطاقة من المنظور النفسي فتعني النشاط النفسي أو الذهني الذي يدفع كل من النفس والعقل للقيام بالاعمال بكل جدية وحيوية.

وكل إنسان منا يختزن بداخله قوة لا تظهر إلا حين يحتاج إليها الإنسان في أصعب المواقف، والمهم أن يكتشفها بداخله ويسعى لمعرفتها وتطويرها، وهي لا تحقق إلا بإقامة الصلة بالخالق والصفاء النفسي بعيدا عن الأحقاد بحق الآخرين، وبعيدا عن تلمس الأعذار للنفس في فشلها في تحقيق طموحها بإرجاعه إلى الظروف والتحديات والعراقيل التي يضعه البشر أمامنا.

‎فالدنيا كلها مجبولة على هذه التحديات، ومهمة الإنسان أن يجتاز هذه العراقيل بصبر وبروح عالية وثابة وواثقة بربها حتى يحقق طموحاته، وهذه القدرة على تحدي العقبات في حياتنا لا تتحقق في إنسان أهمل في نفسه ورضى الاتكال على الآخرين أو سلم نفسه للعزلة والانطواء أو الإنسان الأناني.

‎إنما تنطلق هذه الطاقة الروحية في مناخ صحي يسعى الفرد إلى تهيئته لنفسه من حيث الهدوء والاسترخاء لبعض الوقت والتأمل وتصفية النفس من الشوائب والتعلق بالآخرين أو الحقد على ما أنعم الله عليهم من نعم.

‎قد لا أنكر أن المناخ في عالمنا العربي لا يحفز كثيرا على توليد طاقة الإنسان الداخلية رغم تمسكنا بأدياننا، إلا أننا تمسكنا بشكل الدين وليس جوهره، فغابت عنا إشراقاته الروحية التي هي مبعث كل طاقة كامنة فينا، ولكن هذا لا يعني الاستسلام لهذا الواقع، وإنما السعي لخلق بيئة مفجرة للطاقات على مستوى الفرد ثم على مستوى الأسرة ثم التجمعات ومن ثم المجتمع ككل.

‎فعندما يجد الشاب أن التعليم الذي تلقاه لا يساهم في دعم توجهاته العلمية نحو الابتكار والإبداع، فعليه أن يشق لنفسه طريقا آخر من حيث التعلم الذاتي الذي يمكنه من الإبداع والابتكار في المجال الذي يستهويه، ولا يركن للتعليم الأكاديمي الذي تلقاه ولم يلبي طموحاته.

‎فاصنع نفسك بنفسك ولا تنتظر الكرامات أو حدوث معجزة، وفجر الطاقات العظيمة الكامنة بداخلك والخارقة فوق العادة أيضا حتى تنتقل من حالة الخمول إلى النشاط والحيوية، فالإنسان الناجح هو من يكتشف مواطن قوته وقدراته ويوظفها لصالح أحلامه المشروعة، ويتقن فن خلق المناخ الملائم لتفجير طاقاته الإبداعية الكامنة فيه.

هذه الطاقة الكامنة فينا هي التي تنبع من داخلنا وتمكنا من القيام باشياء لا يمكن للآخرين تصديقها بسبب عظمتها، وهي تظهر فينا بشكل عشوائي عندما نتصالح مع  أنفسنا ونتيجة لظروف وامتحانات الحياة المختلفة، تظهر أقوى لدى المتصوفة الصادقين الذين تمكنوا من تطوير قدراتهم الروحية وتجددها بإشعاعات الإيمان الداخلي فيهم.

‎فهذه الطاقة الجبارة تتعلق كثيرا بالروح، ومن أفكار الإنسان الشخصية السلبية أو الإيجابية، والنجاح هنا يكمن في حفاظ الإنسان على روحه من الطاقة السلبية المحيطة. إذ أن سلامة الروح يحقق لنا السلام النفسي والذي بدوره يساعدنا على الشعور بالطاقة الإيجابية المحركة للعقل والقلب والتفكير السليم، وكل هذه المواهب الطاقية مصدرها الخالق العظيم، ولذلك لا بد وأن نتعلق بخالقنا والثقة بقدرته في تحويل ضعفنا إلى قوة.

علينا التنقيب داخلنا عن مصادر قوتنا الداخلية واكتشاف الكنوز التي أودعها الله بقلوبنا وأرواحنا. وكما قال الشاعر "أنا البحر في أحشائه الدر كامن.. فهل سألوا  الغواص عن صدفاتي". 

‎فلنغص في أعماقنا مستغلين الصفاء الروحي والقلبي المتحقق  لنا خلال شهر الصيام، ونستخرج من بحور ذواتنا لآلي الإبداع والابتكار والقوة الذاتية، ولنشعر بقيمتنا النابعة من تكريم الله لنا نحن البشر مصداقا لقوله "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر".  
‎وليبحث كل منا عن كنوزه الخاصة به، يزيل ما عليها من غبار الأيام كي تلمع ويشع ضوئها، وليشتغل كل منا على  نفسه ويصنع رؤيته للحياة ويعمل على تغيير حياته للأفضل بتنمية مهاراته ولغته وتعديل سلوكه اليومي وتصحيح علاقته.  

‎وكفى لكل مستسلم للفشل لعب دور الضحية والتماس الأعذار الواهية لنفسه، فهي لن تفيده في أي وقت، وليبدأ مستغلا نفحات  شهر الصيام في لعب دور البطولة في أية مهمة يمكنه القيام بها، ويستخرج الهمة الداخلية من بواطن قلبه وروحه لإنجاز ما يتوق اليه عمله او يطلب اليه انجازه بهمة ونشاط عاليين.

لعلي أدعو لكل محزون أو مكتئب أن يخرج فورا من عباءة الاكتئاب ويحارب ظلمات نفسه، ويبدأ تغيير حياته ويخوض تجارب تحقيق ذاته عمليا دون خشية من الفشل وأن صادفك الفشل فقم وانهض سريعا وابدأ من جديد كمحارب قوي لا يهزم، وإنما يشع من عينيه معاني الحماسة والتحدي تحقيقا للنصر
‎ودعك فورا من أي شخص يثبطك أو ينقل إليك الطاقة السلبية، وتقبل نفسك وقدراتك كما أراداها الله لك دون تقليل منها أو تضخيم أو غضب من واقع صعب  
‎وحقق لنفسك السعادة التي تراها دون السماح للآخرين للعب بطموحك أو مشاعرك  كن أنت كما تحب، وليس كما يحب الآخرين تجد راحة البال والهمة في تحقيق منجزاتك ومعجزاتك.

Dr.Randa
Dr.Radwa