الإثنين 20 مايو 2024

رمضان شهر الطاعات والانتصارات

مقالات31-3-2023 | 17:23

شهر رمضان هو شهر الأخلاق ومدرستها، وشهر المجاهدة مع النفس، ودفعها إلى الطاعات دفعًا، فالنفس نزاعةٌ إلى اللهو والكسل، والانسياق مع الملذات التي تقلل من شأن الصيام، ومن مكانته وعظمته، خاصة في زمننا هذا مع كثرة الملهيات ليلًا ونهارًا، ومن استسلم لهذه الملهيات، تسرب الشهر من بين يديه، ولا يفيق إلا على تكبيرات العيد، وقد سبق من سبق، وفاز من فاز بطاعات وفضائل رمضان، وقال ابن القيم: «جهاد النّفس على أربع مراتب؛ الأولى مجاهدتها على تعلم الهدى ودين الحق، والثانية مجاهدتها على العمل به، والثالثة مجاهدتها على الدعوة إلى الحق، والرابعة مجاهدتها على الصبر على مشاق الدعوة إلى اللَّه، وأذى الخلق، ويتحمّل ذلك كلّه للَّه»، وهذه المراتب تكاد تجتمع لكثير من الصائمين في رمضان.

إنَّ الصراع بين الإسلام وخصومه صراع قديم ولن ينتهي إلا بانتهاء وجود الإسلام على ظهر هذه الأرض وذلك في آخر الزمان وقبيل قيام الساعة فهذه سنة اللَّه في كونه، وشهر رمضان ليس شهر صيام وقراءة قرآن ومجاهدة للنفس فحسب، بل هو أيضًا شهر الفتوحات والانتصارات في كل معركة خاضتها أمتنا الإسلامية قديمًا وحديثًا، منذ عصر النبوة وإلى عصرنا الحاضر؛ ففي رمضان كانت غزوة بدرٍ الكبرى أولى المعارك المهمة في التاريخ الإسلامي، التي فرق اللَّه بها بين الحق والباطل؛ كما قال اللَّه تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]، حيث كان عدد المسلمين فيها 313 رجلًا، وعدد المشركين 950 رجلًا، ووقع أول لقاء مسلح بين الرسول والمشركين في بدر، وفيها انتصر المؤمنين على المشركين، لتبقى أول ملحمة وانتصار تاريخي في سجل الدولة الإسلامية، وكان فتح مكة في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة؛ بعشرة آلاف مقاتل من المسلمين، وكان هذا الفتح من أعظم الفتوحات الإسلامية التى أعز اللَّه بها الإسلام والمسلمين ودخل الناس في دين اللَّه أَفواجًا وعادت للبيت الحرام مكانته وطهارته.

وفي الثامن والعشرين من رمضان عام 92 هجرية فتحت جيوش المسلمين الأندلس بقيادة طارق بن زياد، وأصبحت الأندلس بعدها مصدرًا للعلم والحضارة، ومنها أشرق نور العلم الإسلامي على أوروبا كلها، وفي يوم 26 من شهر رمضان سنة 583 هجرية دخل الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بجيوشه فاتحًا مُنتصرًا وطرد منه الصليبيين بموقعة حطين، والتي أنهت الوجود الصليبي في المشرق، وأسفرت عن تحرير القدس، ومعظم الأراضي التي احتلها الصليبيون، بعد أن مكثوا فيه قرابة الثمانين عامًا، وفى الخامس والعشرين من رمضان عام 658 هجرية، كانت هزيمة التتار في معركة عين جالوت، بقيادة السلطان سيف الدين قطز، بعدما اجتاحت جيوش التتار كثيرًا من دول العالم الإسلامي.

معركة العاشر من رمضان أعظم الانتصارات التي حدثت للعرب في عصرنا الحديث، وردت هذه الحرب الاعتبار للأمة العربية والإسلامية؛ فكان انتصار يوم السادس من أكتوبر، عام 1973م، الموافق العاشر من رمضان عام 1393هـ، في الحرب التي استعادت مصر فيها عزتها وكرامتها وهيبتها العسكرية، واعترفت القيادات الإسرائيلية بالإخفاق في حرب أكتوبر، وكانت بداية الانكسار للعسكرية الإسرائيلية، وتحطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، حيث كان توفيق اللَّه سبحانه وتعالى لقواتنا المسلحة في قهر الصعاب و تحطيم آمال كل معتدى على صخرة العزة والكرامة، وكانت صيحات «اللَّه أكبر» التي انطلقت من أفواه الجنود كانت المُحفز لهم على العبور والنصر، فاستشعروا بعزة اللَّه وقوته وكبريائه ومعيته، لأن الجندي باسم اللَّه يتحرك، وعلى اللَّه يتوكل، ومن اللَّه يستمد عونه وانتصاره؛ فكان توفيق اللَّه سبحانه وتعالى لقواتنا المسلحة في تتويج بلادنا بتاج النصر، وبعد مفاوضات طويلة استعادت مصر أرضها كاملة.. حفظ اللَّه مصر وجيشها.