الجمعة 14 يونيو 2024

تمخض الجهل فولد فقرًا أشد بأسًا

مقالات30-5-2023 | 19:18

قد يبدو الأمر منطقياً حين تقوم بالربط بين قِدَم الدولة المصرية منذ عمر الحضارة المصرية القديمة وحتى اليوم، وبين عدد سكانها الحالي الذي تخطى المئة مليون ببضعِ ملايين، فتفسر بذلك منطقية العدد المهول للسكان على مساحة جغرافية تخطت أخيراً الـ 3% بقليل، بعد إضافة ظهير أخضر وعمران ممتد لبعض محافظات الدلتا والوجه البحري والصعيد يتسع للزيادة السكانية المطردة، ويعطي المتنفس للأجيال الجديدة الناشئة أن ترى بصيصاً من النور وشيئاً من حدود البراح.


إلا أنه ومع حجم معدلات المواليد المرعب التي تجعل من مواليدنا في الأسبوع الواحد قد تصنع مجتمعات لدولٍ أخرى بأكملها، فالأرقام العشرية التي تخطت رقم المئة مليون نسمة قد تخطت بالفعل تعداداً يخص دولاً قائمة بذاتها ونظامها، بل والمضحك في الأمر أن الدولة المصرية تمتلك أحياءً داخل محافظات يزيد عدد سكانها على تلك الدول، فلك أن تتخيل فاتورة إفطارهم اليومية فقط، وبالتالي حجم إنفاق الدولة عليهم.     


ذلك بالرغم من فقدان العديد من الأرواح والشهداء على مر السنين بسبب الحروب والاستعمارات وانتشار الأوبئة والأمراض المستعصية والكوارث الطبيعية، وعلى النقيض من ذلك توافد العديد من المجموعات مختلفة الأعراق والأجناس التي استوطنت مصر واتخدتها موطناً بديلاً، وأصبح لها أجيالاً ثانية وثالثة بل وعاشرة وعشرون.


القضية شديدة التعقيد متكررة السبب -برغم تواتر السنين واختلاف الأزمان وتوغل الجذور- هو عدوى الإنجاب وشهوة العزوة، تلك النظريات والأعراف البالية المتوارثة والمتنقلة عبر الجو كعدوى كورونا التي تصيب الحواس في مقتل، فتعطل خاصية العقل وإعماله، وتجعل من وازع الأنانية المطلقة صفة السيد المسيطر على المشهد دون مراجعة من أحد.


فليس مفهوماً كيف يتأتى لفطرة العقل أن ترى في كثرة الإنجاب دون رابط والإتيان بالمزيد من الأرواح، في ظل تواضع الدخل وبساطة العيش أن تصنع واقعاً مختلفاً، أو أن تحدث الفارق الذي يصنع المعجزات، فالفقر وكثرة الإنجاب لا يصنعا إلا مزيداً من الفقر، بل ومزيجاً من الفقر والجهل، وهما التربتين الخصبتين لصناعة أجيالاً من الإرهاب والعنف وكل ذي مُخدِر ومُذهِب للعقل.


وليس الأمر قاصراً على الفئات الأشد فقراً فقط، وليس مفتوحاً على إطلاقه لكل مقتدر أن يدخل في سباق الإنجاب وكأن الأمر مقرون بالجائزة الكبرى بقدر العدد، ففي النهاية سنظل نتشارك نفس السماء ونفس الأرض ونفس الشوارع ونفس الأماكن المشتركة بيننا كمواطنين، وتظل فوضى الزحام هي الحاكمة.


آفة حارتنا الجهل يا سادة، وليس المقصود بالجهل عدم التعليم عن إهمال أو إجبار، بل المقصود هو إنكار وتعطيل نعمة الفطرة التي خُلِقنا عليها، الجهل عن عمد، تجهيل العقل بقصد المراوغة لتحقيق مطامع شخصية، قد تكون في صورة دافع لتكوين أسرة كبيرة العدد والتباهي بها، دون التفكير في التأهيل لتحقيق هذا المطمع والتأهب له، وفي المقابل، مع الكثير من التواكل والاعتماد على الآخر سواء من أرباب العمل أو الأهل أو التسول عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مرات عبر البرامج الدينية، ومرات عبر برامج التوك شو، ومرات ومرات في الحياة اليومية.


يتزايد الأمر والأسباب باقية، تتفاقم المخاطر والمصائب والردود واهية، ربنا اللي بيرزق هو انت اللي بترزق!! العيل بييجي برزقه!! هَتْحرّموا اللي ربنا حلله!! العيال عزوة!! إحنا بنحب العيال!! الشيئ الداعي للتأمل أن مؤيدي نظرية كثرة الإنجاب هم أول المتباكين، وأول المتسولين، وآخر التائبين، وآخر النادمين، ومع ذلك لا يحرك المجتمع ساكناً، بل يتفاعل ويتعاطف معهم، ويوجد لهم المبرر والحُجة أنهم المساكين البائسين "اللي عندهم قرطة عيال"!! ومن ثم تشرع النفس البشرية المزيفة بزيف الكذب والنفاق والمواراة في التمادي واستكمال مهمة الابتزاز العاطفي بدعوى ضيق العيش، ومحدودية الدخل!!!


الأمل في العمل، في الحساب قبل البحث عن الإنجاب، في معدلات الإنتاج مقابل معدلات المواليد، في إقرار الواجب قبل البحث عن الحقوق، والمسؤولية مشتركة على الجميع والكل يتساوى في تحملها، فجميع جهات الدولة المعنية مسؤولة عن اتخاذ كل الإجراءات اللازمة والفورية لتنظيم العملية الإنجابية بقوة القانون سواء بالردع أو بالغرامة أو بأي طريقة كانت.


فلا مزيداً من إهدار الوقت في إطلاق استجداءات وتوسلات موجهة لأنصاف عقول تتناقل حمى التقليد ولا ترى إلا تحقيق صالحها الخاص، وليذهب الجميع إلى جحيم ندرة الموارد والزحام والتزاحم في كل بقعة تخطوها قدمك، سكن، مستشفيات، مدارس، شوارع، محال، مصالح حكومية، حتى دور العبادة أصبحت مكتظة إلى درجة مزعجة، ناهيك عن حقوق الأجيال القادمة في الموارد في ظل مجتمع دولي يدعوك ويجبرك على العمل بكل السبل في إطار التنمية المستدامة.


 كل الأماكن تشكونا للخالق، فالخلاص يبدأ من إيقاف العدوى ثم التدخل بمشرط الجراح لفتح الجرح القديم والتعامل مع كل الأجيال التي انسلخت من الأرحام في غفلة من الزمن دون تعليم ينفع ودون نفع يذكر.