الثلاثاء 25 يونيو 2024

عاصمة المتفائلين (كيميت الجديدة)

مقالات12-6-2023 | 01:33

أخيراً فعلتها، لملمت محتويات حقيبتي الخلفية وقمت بالاتفاق مع بعض الأصدقاء لزيارة عاصمة مصر الإدارية الجديدة في منتصف الأسبوع الماضي بعد طول انتظار واتفاقات سابقة لم تتم، فكلما أنتويها كنت أجد من يحبط من عزيمتي أو يحط من قدر توقعي، وعليه قررت أن أحيط نفسي بشعب المتفائلين من أمثالي المحسنين الظن بالله مهما اشتدت قسوة الظروف والأحداث المحيطة، فهي كلما ضاقت حلقاتها فرجت وكنا نظنها لا تفرج.
   على أية حال، أعدت حالي وملأت صدري بأوكجسين الأمل والتفاؤل أثناء تحركي متوجهة للعاصمة، حتى أن اقتربت وهممت بالتصوير من على مشارفها (وأنا العاشقة لفكرة التوثيق المصور)، حتى أن أخبرني تليفوني المحمول بامتلاء ذاكرته، وكاد الإحباط أن يتسلل إلى قلبي، فبادرت بالتصوير بتليفون آخر لمدخل البوابات المهيبة للعاصمة الحبيبة.
   وبدأت بالمرور، عبر شوارع متعددة الحارات، منظمة، لفت أنظاري أن العديد من "الأبنية السكنية" تم بناؤها على مسافة من حرم الطريق يميناً ويساراً، فأخبرني رفيق الرحلة أنه من المقرر بناء ناطحات سحاب على جانبي الطريق بحيث تكون بمثابة عازل للصوت وأتربة الطريق عن الأبنية السكنية، وبما يمثل تطبيقاً لقواعد إبعاد أية إنشاءات سكنية عن قارعة الطريق لعدة أسباب.
   وهنا بدأت أدرك معالم البرج الشاهق المنفرد بمشهد الوقوف الفاخر المعتز بالذات، تماماً كما وقفات جميع مسلاتنا للزمن وهي التي تزين ميادين وعواصم العالم، إنه "البرج الأيقوني" أكبر برج في أفريقيا، البرج الذي لاقى قدراً هائلاً من الهجوم وهو مجرد خطة على ورق، فقط لأن عناصر التحدي والتفوق في (أكبر وأطول وأعرض) تثير حفيظتهم بعكس ما يبدونه من سعادة بالغة وانبهار حينما تقوم بذلك دولاً مجاورة أو بعيدة بقليل، وهو أمر -بكل صدق- محل تعجب وتحليل، فالأمر يتخطى مجرد أرقاماً قياسية في موسوعات عالمية، لأن مجرد حصولك على تلك الأرقام يضعك في مصاف الدول صاحبة الإنجازات ويجعلك في أولويات القِبِل السياحية، كما أنه يعكس قدراتك كدولة على التنظيم والتخطيط والإدارة والتطوير وحسن إدارة واستغلال القدرات المحلية الصناعية والبشرية.
   على كلٍ، بدأنا في التوغل إلى العمق أكثر فأكثر حتى أن رأيت "مساجد الشهداء" المتعددة على الضفة الأخرى واحداً تلو الآخر، وفي نهاية الطريق كانت الكاتدرائية المصرية (أكبر كاتدرئيات الشرق الأوسط) تزين الميدان، وبدأت في التعمق في الشوارع الموازية والمحيطة حتى بلغت "حي المال والأعمال"، وهو الأكثر شبهاً بشارع وول ستريت الشهير الذي يغطي ثمانية مربعات سكنية في المنطقة المالية بمنهاتن (شديدة الثراء) في نيويورك، ويشير اسمه دائماً إلى كونه مركزاً هاماً للأسواق المالية أو قطاع الخدمات المصرفية التي يسيطر عليها اليهود كما يسيطرون على باقي المدينة المكتظة، ولك أن تعرف –على هامش الأمر- أن شارع وول ستريت كان خلال القرن السابع عشر منطقة مخصصة لبيع وشراء العبيد والأوراق المالية، حتى صار مع الوقت المركز المالي الخاص بمدينة نيويورك بأكلمها إن لم يكن أكثر من هذا بكثير.
    كنت أتوق أيضاً إلى رؤية كل من "مدينة الفنون" و "المدينة الأوليمبية الرياضية"، فمررت من الخارج ورأيت عبر أسوار مدينة الفنون حجم الإمتداد العمراني لها و كَم المباني بداخلها ومنها دار الأوبرا الجديدة، ثم توجهنا بعد ذلك وفقاً لتوجيهات رفقائي في الطريق إلى "الحي الحكومي" الذي يتزين بساحة الشعب والبرلمان وأعلى ساري علم في العالم، بما يعطي الانطباع واضحاً والرسالة صريحة بإيلاء كامل الأولوية للوطن وللشعب، وازداد فضولي للاطلاع على مكان عملي في مقره وثوبه الجديد، فبادرت بالدخول والتجول بداخل المبنى بصحبة أحد زملائي المسؤولين عن المشروع الذي تواجد هناك لمتابعة التجهيزات الأخيرة قبيل النقل التدريجي للعاملين.
   خرجت في نهاية الزيارة الثرية ممتلئة العين والروح بحجم الإنجاز والإعجاز الحادث في بقعة كانت توصف بالصحراوية والوعرة، إلى أن صارت بفضل عزيمة وإصرار الرجال "ميدان علم وعمل" يضاهي كبرى مدن العالم الحديث والمتطور، وهي بأمر من الله في الريادة بعد سنوات بسيطة من الآن، فأنا التي قفزت الذكريات إلى ذهني وأنا أمر بشوارع العاصمة، لأتذكر لإرادياً رحلتي إلى ماليزيا عام 2007 في منحة دراسية، قاموا خلالها باصطحابنا في رحلة بنهاية الأسبوع من العاصمة السياسية كولالمبور إلى عاصمتهم الجديدة وقتها (بوترا جايا)، وهالني ما رأيت من إنجازات وصروح ومبانٍ شاهقة اكتسى بعضها بمياه الذهب والفضة، كما هو الحال مع البرجين التوأمين (باتروناس) في العاصمة كوالالمبور، فهم يميلون إلى إبراز قدر هائل من الإبهار البصري بطبيعة حال شعوب دول آسيا.
    وكنت أقول في نفسي وقتها، إن بيننا وبينهم سنوات ضوئية حتى نصل إلى نسبة ضئيلة من تلك الإنجازات، كان الإحباط يتملك العديد من أبناء جيلي الذي لم يرى في المستقبل أي بارقة أمل، ورغماً عن مرور العديد من السنوات إلا أنني بيقين كامل أرى أن الانتظار كان مجدياً لأن الخطوات واثقة والعمل جاد والعزيمة راكضة لا تسير.
   على كلٍ، كان ثراء التجربة كفيلاً وحافزاً لي لتتابع وتوالي الزيارت، فدائماً ما يحدثني قلبي وعقلي أن لكل بداية أعداء، ولكل تغيير رافضين، ولكل بادرة مشككين، ولكل مصدر ضوء دُعاة ظلام، لذلك فإنني أستدعي بداخلي روح المغامرة والإقبال على الشيء مع الاحتفاظ بحق التعليق والتحليل بعد تمام رؤية العين وإدراك الأمور على أرض الواقع، فإعمال العين والعقل والبصيرة هما حلفائي في كل دروبي، ولتكن " كيميـــت" هي عاصمة مصر الحديثة.