الجمعة 24 مايو 2024

بداية نووي إيران

مقالات1-7-2023 | 14:35

التكنولوجيا النووية أصبحت إحدى مقومات السيادة الوطنية الإيرانية، لذلك فقد تخصص يوم من كل عام للاحتفال بالنووي الإيراني "9 أبريل"، وسمى اليوم الوطنى للتكنولوجيا النووية الإيرانية.

إيران تؤكد دائما أن رقى البلاد لن يتحقق بدون العلم والتكنولوجيا، لذلك فهى عازمة على ضرورة استثمار كل الطاقات الكامنة فى الطاقة النووية، باعتبار أن توطين التكنولوجيا النووية هى أساس صيانة استقلال البلاد ونهضتها، لذلك نجدها قطعت أشواطا كبيرة فى مجال التكنولوجيا النووية.

كانت البداية في فترة حكم الشاه، أمريكا هي أول من ساعد إيران في تطوير برنامجها النووي، وإسرائيل لم تعارض هذا العمل. فى 5 مارس 1957، وقع شاه إيران والرئيس الأمريكى "ايزنهاور" اتفاقية مدتها10 سنوات، يتم بموجبها مساعدة إيران في الحصول على الطاقة النووية السلمية، وقد حصلت إيران بموجب هذه الاتفاقية على مساعدات نووية كبيرة، منها على سبيل المثال، حصلت إيران على عدة كيلوجرامات من اليورانيوم المخصب للأغراض البحثية، ومفاعل أبحاث.

أول مفاعل أبحاث نووى قدمته أمريكا لإيران كان فى عام 1960، كانت قدرته 5 ميجاوات (يستخدم اليورانيوم المخصب بنسبة 93%)، والذى بدأ تشغيله سنة 1967. صفقة المفاعل تضمنت العديد من "الخلايا الحارة" للتعامل مع المواد المشعة. مفاعل الأبحاث النووي، كان النواة التي تأسس عليها مركز طهران للبحوث النوويةTNRC .

 بغرض الأبحاث النووية، زودت أمريكا إيران بكمية من اليورانيوم المخصب مقدارها 5.5 كيلوجرام، وكان ذلك فى سبتمبر من عام 1967. وبغرض تشغيل مفاعل الأبحاث فى مركز طهران للبحوث النووية، زودتها أيضا بحوالى 104 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب.

اهتمام أمريكا بتطوير منظومة إيرانية للأبحاث النووية، دفع إيران فى يوليو من عام 1968، للتوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويةNPT ، ثم صدقت عليها فى 2 فبراير من عام 1970، ولكى تكتمل الصورة السلمية لأبحاث إيران النووية، قامت إيران بالتوقيع على اتفاقية الضمانات، والتى دخلت حيز التنفيذ فى 15 مايو 1974.

للتوسع في مجال الأبحاث النووية وتوليد الطاقة الكهربائية، وخاصة بعد حرب 1973، وقعت إيران اتفاقيات ثنائية مع أمريكا وروسيا وألمانيا لبناء مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء.

تأسست منظمة الطاقة الذرية الإيرانية Atomic Energy Organization of Iran AEOI عام 1974. وفى نفس العام، ومن خلال توقيع عقد مع معهد ستانفورد للبحوثStanford Research Institute-SRI  الأمريكى، تم إعداد دراسات متوسطة الأمد حول الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والصناعية للتنمية فى إيران. خلصت الدراسات (20 مجلد) إلى أن التطور الصناعى والاقتصادى فى إيران يتطلب طاقة كهربائية مقدراها 20 جيجاوات حتى عام 1995، وأن السبيل الوحيد لإنتاج هذا الحجم من الطاقة يتطلب انشاء مفاعلات نووية. وبناء على الدراسات المقدمة، وفى عام 1975، تم توقيع عقد مع شركة "كا-في-أو" KWU الألمانية لبناء مفاعلين نوويين بموقع بوشهر. المفاعل من النوع الماء الخفيف المضغوط PWR، وبقدرة 1196 ميجاوات، على أن يبدأ تشغيل المفاعل الأول عام .1981

لتطوير قدراتها النووية، قامت إيران فى عام1975 ، بشراء حصة السويد فى شركة "يوروديف" EURODIF لتخصيب اليورانيوم، ومقدارها 10%، الشركة فى فرنسا وتأسست عام 1973. الشركة مساهمة بين "فرنسا، إسبانيا، بلجيكا، والسويد"، ونشاط الشركة ينحصر في تخصيب اليورانيوم، ويحق بمقتضى ذلك أن تحصل إيران على حصة من إنتاج الشركة من الوقود النووي المخصب، وكذلك تشارك إيران فى تطوير التكنولوجيا الخاصة بتخصيب اليورانيوم.

كان لدورة الوقود النووي أهمية خاصة في تطوير برنامج إيران النووي، ففى عام 1976، وقعت إيران عقدا مع بريطانيا وفرنسا، لتقديم دراسات لبناء منشآت نووية فى أصفهان لدورة الوقود النووى.

وحبا وثقة في إيران الشاهيّة، وافق الرئيس الأمريكى "جيرالد فورد" فى عام 1976، على تزويد إيران بمنظومة أمريكية لإعادة معالجة الوقود النووى المحترق الخارج من المفاعل، لاستخراج البلوتونيوم، وكان الاتفاق يتضمن فى الأصل، امتلاك إيران دورة وقود نووى كاملة من أمريكا، بمعنى أن إيران كانت ستمتلك مصنعا لتخصيب اليورانيوم ضمن هذه المنظومة. إذاً ستكون مواد صناعة القنبلة النووية "بلوتونيوم ويورانيوم مخصب" فى حوزة إيران، وبدون اعتراض من إسرائيل. وفى نفس العام، وافق الرئيس الأمريكى "جيرالد فورد" على تزويد إيران باليورانيوم عالى التخصيب كوقود لمركز أبحاث طهران النووى.

الغرب يتعامل مع شاه إيران بكل أريحية، ففى عام 1976، وفى مقابل قيام إيران بتمويل عملية بناء محطة لتخصيب اليورانيوم فى جنوب أفريقيا، وافقت دولة جنوب أفريقيا على تزويد إيران بـ "كعكة اليورانيوم الصفراء" Yellow Cake. كما وافقت فرنسا فى 13 مايو 1977، على بناء مفاعلين نوويين لإنتاج الكهرباء، قدرة المفاعل الواحد 900 ميجاوات، فى "دار خوين" بالقرب من مدينة الأهواز. وبناء على ذلك، وفى 16 يونيو 1977، قامت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بصرف مبلغ يقدر بـ 2 مليار دولار للشركات المشاركة فى المشروع، للبدء فى إنشاء المفاعلين.

بالطبع أمريكا قررت ألا تفوت الفرصة الثمينة على الشركات الأمريكية المتخصصة في بناء المحطات النووية، وقررت أن تشارك، ففى 10 يوليو من عام 1978، وافق الرئيس الأمريكى "جيمى كارتر" على بناء 8 محطات للطاقة النووية فى إيران بتكلفة إجمالية 10 مليارات دولار.

كل هذه الأنشطة كانت قبل الثورة الإسلامية "1979"، وكانت نتيجة الثقة التامة في ولاء شاه إيران للمعسكر الغربى. لكن بعد الثورة الإيرانية. وإذا كانت الدول الغربية وأمريكا قد قدموا يد العون والمساعدة لإيران فى مجال التكنولوجيا النووية طوال 22 عاما، إلا أنهم بعد قيام الثورة الإيرانية، انسحبوا ورفضوا استكمال ما بدأوه وتخلوا عن تعاقداتهم. تبدلت الأحوال وعُزلت إيران عن التكنولوجيا النووية الغربية، وامتنع الغرب عن تقديم يد العون والمساعدة لإيران نحو مساعيها الرامية إلى امتلاك التكنولوجيا النووية، وهو حق مشروع.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد سلطانهم نحو ضغوط قوية على روسيا والصين وباكستان لوقف تعاونهم النووى مع إيران، وفرضت على إيران عقوبات وأصبحت الدول التى كانت تساعد إيران فى المجال النووي، ألد الأعداء، وأصبحت تعارض إيران حاليا فى الحصول على التكنولوجيا النووية السلمية.

تحت الضغط الأمريكى وضغط اللوبى الصهيونى، شركة "يوروديف" EURODIF لتخصيب اليورانيوم لم تعترف بإيران كشريك، وكذا لم تسترد إيران قرض المليار دولار الذى منح للشركة، ولم تحصل إيران على حصة من إنتاج الشركة من الوقود النووى، وهو50 طن من اليورانيوم التى تعهدت بها فرنسا، وكذلك لم يسمحوا لإيران بأن تشارك فى تطوير التكنولوجيا الخاصة بتخصيب اليورانيوم.

انسحبت فرنسا من تنفيذ مشروع مفاعلين نوويين لإنتاج الكهرباء، قدرة المفاعل الواحد 900 ميجاوات، فى "دار خوين"، وتم مصادرة مكونات المحطتين.

بسبب الضغوط الأمريكية، انسحبت شركة "كا-في-أو" KWU الألمانية من استكمال مشروع "بوشهر" النووي، بعد أن كانت نسبة تنفيذ الأعمال فى مفاعل بوشهر-1 قد وصلت إلى أكثر من 80%، ونسبة تنفيذ الأعمال فى مفاعل بوشهر-2 كانت قد وصلت إلى أكثر من 50%.

كما أدت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على روسيا إلى عدم توسع نطاق التعاون مع إيران، وخاصة في مجال تصنيع الوقود النووى وعمليات تخصيب اليورانيوم، وأدت هذه الضغوط إلى تأخر روسيا فى تنفيذ مفاعل "بوشهر" لمدة زادت عن سبع سنوات.

إسرائيل تعارض بكل قوتها تطوير الصناعة النووية الإيرانية. كما عارضت إبرام ما يسمى بـ "الاتفاق النووي" بين مجموعة "5 + 1" مع إيران عام 2015، مما أدى إلى انسحاب "ترامب" عام 2018 من الاتفاقية، وفرض عقوبات على إيران. الآن إيران تعتزم النظر في خيار العودة إلى الاتفاقية إذا رفعت الولايات المتحدة جميع عقوباتها، وتخلت عن الإجراءات الجديدة المناهضة لإيران.