الثلاثاء 25 يونيو 2024

حَيْرة مطر.. وشاعرة من سوريا

مقالات17-7-2023 | 14:50

على خُطى قصيدة النثر تُعَبِّد الشاعرةُ السورية دارين زكريا طريقها نحو هدفٍ حقيقي يحتفي بمفردات الواقع ويحتفل بالخيال الراقي؛ وذلك عبر ديوانها الأول الماتع "حيرة مطر". وهي في كل نصوصها تصوغ همسًا يُداعب القلبَ ويحاور العقل ويسبر أغوار المشاعر، إنها تُبحر بنا فوق ثبج أبحرٍ مائجة لا تبوح بالكثير من أسرارها.

تستهلُّ شاعرتنا ديوانها بإهداءٍ ذي مغزى:
ـــ إلى أبي الذي أورثني الحياةَ
واستسلمَ لحقيقةِ الموت
ـــ إلى أمّي التي زرعتْ قلبي عصفورًا صغيرًا
كبرتُ أنا...وهو مازالَ يتعلّم الطيرانَ
.
إنه إهداء يمزج الواقعي بالفني، ويرهص لما يضمّهُ الديوان من معانٍ وأفكارٍ ورؤى. ولعلّ أهمّ ما نرصدهُ لدى الشاعرة هو تأثرها بالإسلام ونصوصهِ وشعائره، واستلهامها للغة التصوّف ومفرداتها، تقول في قصيدتها "الشعر مائي":

وقِبْلَتُكَ ما ارتضتْ

إلا أن تسكنَ في كلّ الجهاتِ

فأينما ولّيتُ وجهي

كنتَ لأنفاسِ صلاتي لُقيا
كما تعنون إحدى قصائدها باسم " الوَجُد":
الوجد... أن تنسى
على أصابعك.. كيفَ تَعُدّ
أن يتعثّر على لسانِكَ النطقُ

ومن الملحوظ أن ما خطّته مبدعتنا ينمُّ عن ثقافة كبيرة تعانق آفاق الإبداع الحقيقي، فنراها تسترجع شخصية "ولَّادة بنت المستكفي" تلك ال
أميرة الأندلسية والشاعرة العربية، وتوظفها في نَصٍ يحمل نفس الاسم، بهدف الكشف عن اضطراب العلاقة بين الجمال والقوة, فتقول:

أندلُسيّة الزّجلِ كولّادة

إن نهَلَ هرقلُ من زيرها

نسى العدّةَ و العتادَ....
كما تستدعي شخصية "بلقيس" (ملكة سبأ) كي تُبَين مساحات التناحر بين وطن وأفراده افتقدوا لمشاعر الألفة والانسجام فيما بينهم.
ونختار اسم "ابنة العنقاء" كعنوان لقصيدة لها ، والعنقاء ـــ كما هو معروف ـــ طائرٌ أسطوري ذكرتْهُ الأساطيرُ العربية القديمة، يمتاز بالقوة والجمال، والمعروف أن العنقاءَ أحد المستحيلات الثلاثة عند العرب (الغول والعنقاء والخِلّ الوفي). تقول دارين في هذه القصيدة:
ابنة العنقاء.. أنا
ما لي في الدّيار
من سُكْنى
وكلّ شاربٍ للشِّعرِ
ما لهُ من خافقٍ
بل خافقين
وما تظنّ بأني
ما فيها من بعضِ مني
أنا نبرةُ خرائب الشام
ونبوّة بياض
ياسمينها مني.

وكأن شاعرتنا أرادتْ تبيان تفرّدها في الكتابة وأن لنبرتها خصوصيّة ولخافقيها ـــ أيضًا ـــ خصوصية لا تتوفر في غيرها.
ربما كتبتْ زكريا هذه القصيدة تحت وقع الانفجارات والدمار الذي لحقَ بوطنها (سوريا) وأنها ـــ برغم ذلك ـــ مازال يحدوها الأمل في غدٍ أفضل ومستقبلٍ مشرق.

وتختتم مُبدعتنا ديوانها بقصيدة "يادهر" في محاولةٍ منها لكشف واقع ملتبس، وحقائق غائمة:

هُزّني يا دهرُ بيديكَ أكثرَ..فأكثر

ماغدرَ بيّ الزمانُ و كنتُ بهِ أغدَر..
وكأنها نخلة تطلب من زارعها أن يهزها كي تسَّاقط على وطنها رطبًا جنيًا. إنها محاولاتٍ حثيثة من جانب الشاعرة كي تؤكد أن طول الليل لابدّ أن يعقبه نهارٌ، وأن انحسار التفاؤل سيعقبه مدُّ غير قابلٍ للجَذْر.
كما أن اختيار الكاتبة عنوان (حيرة مطر) يضفي لونًا من ألوان القداسة المتمثلة في ماء المطر، فالعنوان مكوّن من حروفٍ سبعة، وكما يقول علماء الأعداد: الرقم 7 هو عدد يُمثل الروحانية والتصوّف، والتنوير,الحكمة والقوة، والقدرات النفسية والفردية، والحظ السعيد، والبحث عن المعرفة والكمال. وكأن الشاعرة تدعو كل متذوقي العربية إلى الاعتصام بكل ما سَبق ذِكْره حتى تنجلي الغُمّةُ الجاثمةُ فوق صدور الأوطان
.