الثلاثاء 16 ابريل 2024

الطهطاوى .. بين بين

مقالات10-8-2023 | 17:14

● كان الطهطاوى الجسر الذى عبرت من خلاله مفاهيم غربية رائقة بعضها كان له جذور مطموسة لدينا وبعضها كان وليد حراك عقلى مجتمعى افتقدناه
● لم يكن الطهطاوى يرى عيباً فى أن يستبد محمد عَلىّ وورثته مادام استبدادهم يهدف لإقامة العدل، لذا فقد وصف محمد على بأوصاف يصعب التسليم بها أو التماهى معها
● موقف الطهطاوى ينطلق من إدراكه بأن عليه توعية الشعب بحقوقه عن طريق التعليم ونشر المعارف وتوعية الحاكم بواجباته بالحكمة والموعظة الحسنة دون أن يصطدم به
● كان الطهطاوى هو المبشر النظرى بالفكر الحر الديموقراطى بربوع الشرق وليس بمصر وحدها على نحو يمكننا ملامسته فى  كثير من العبارات التى كتبها 
● من الذى ينكر أن الطهطاوى قاد الاحتكاك الحضارى بين الشرق والغرب بوعى يميز بين الاستفادة المطلقة من فكر أوربا وتقدمها وبين رفض مواقفها الاستعمارية 
● لم يكن الطهطاوى مجرد ناقل لفكر الغرب أو مثقف موسوعى استوعب أكثر حضارات عصره تقدماً ووعى حقيقة واقعه المصرى، وإنما كان صاحب رسالة فهدفه كان إيقاظ أمته ووطنه

لست ممن يرون أن مصر كانت تعيش ظلاماً دامساً بكل أيام الحكم العثمانى ، فذاك تعميمٌ لا يستقيم مع سنن الحياة، فالحديث هنا عن عصرٍ دام قرون وشهد تقلبات ما بين صعود وهبوط كشأن كل العهود ، فكيف يمكن وصمه بحكم عام كهذا ، لكن هذا لا ينفى بالطبع ما كان ببعض أيامه سواء أكانت كَثرة أم قِلة من تراجع أو هبوط.
تبرير مُصطنع
فكثير من الأبحاث الحديثة أظهرت كما يقول الدكتور محمد عفيفى بمؤلفه (عرب وعثمانيون – رؤى مغايرة) أن ما ترسخ بأذهاننا من تردى أوضاع ما قبل قدوم الحملة الفرنسية كان أسطورة، اخترعها من صاحبها من العلماء والمستشرقين من بعدهم ليبرروا غزو نابليون لمصر. 
فصورة العصر العثمانى لدينا محملة دائماً بقناعات أيديولوجية مسبقه لخصها الدكتور رضوان السيد بقوله (لقد بدا العثمانيون فى الكتابات القومية العربية علة العلل فى الانحطاط العربى، كما بدوا فرسان الجهاد ورمز قوة الإسلام ومجده فى كتابات الإسلاميين) والأمر لا هو هذا أو ذاك وإنما بين الاثنين تقع الحقيقة.
فالفكر المصرى بالقرن الثامن عشر عموماً لم يكن مشوباً كله بالتخلف والجمود ، فقد كان فيه نهوض بالعلوم النقلية والعقلية وإن كان على حساب العلوم التطبيقية على نحو ما أفرد الدكتور عبدالله العزباوى بكتابه (الفكر المصرى فى القرن الثامن عشر بين الجمود والتجديد) وإلا على ماذا أقام محمد عَلىّ نهضته مع إقرارنا بأن أساسها يختلف عن الذى كان بمصر، فهو اعتمد على العلوم التطبيقية. 
لكن لا شك أن الاتصال بالغرب الذى بدأ مع الغزو الفرنسى لمصر وعززه محمد عَلىّ بالبعثات التى أوفدها إلى إيطاليا وفرنسا  كان عاملاً مهماً فى تطور حياة المصريين وتحديثها بأكثر من اتجاه تماماً كما كان له آثار سلبية عكسها لاحقاً ما جرى من سواد لنموذج الحياة الغربى بكل ما فيه من تمايز أو تعارض مع نموذجنا الشرقى.
جسر الطهطاوى
وهنا يبرز الدور الذى لعبه رفاعة الطهطاوى فى تاريخنا ، فقد كان الجسر الذى عبرت من خلاله مفاهيم غربية علمية واجتماعية وسياسية واقتصادية رائقة، بعضها كان له جذور مطموسة لدينا وبعضها كان وليد حراك عقلى مجتمعى افتقدناه لأسباب كُثر، على رأسها طول عهود الاستبداد، فالطهطاوى كان أول عين عربية تأملت فى وعى عميق حضارة الغرب الحديثة ممثلة فى حضارة الفرنسيين.
ومن المؤكد أن لمحمد عَلىّ فضلاً فى تحقيق الاتصال بحداثة الغرب بما أوفده له من بعثات تعليمية، لكن ينبغى الالتفات لأن مهمة تلك البعثات فى نظره لم تكن تتجاوز ترجمة المؤلفات العلمية التى درسوها ليقيموا تعليماً يحصل من خلاله على ضباط وإداريين وأطباء ، فلم يكن من أهدافه أبداً تنوير المصريين أو إزالة الجهل عنهم. 
فمحمد عَلىّ لم يكن يريد أن يهتم مبعوثيه بالشئون العامة السائدة آنذاك بالغرب أو بفرنسا تحديداً، فهو لم يكن يريد أن يتعرفوا على الحياة بأكثر مما ينبغى لهم باعتبارهم موفدين لتعلم ما يفيد الجيش من علوم ومهن، لذا فعندما قال له أحد مبعوثية بعد عودته من باريس أنه درس بها علوم الإدارة المدنية رد عليه بحده قائلاً " أنا الحاكم .. أما أنت فأذهب وترجم المؤلفات العسكرية". 
فاهتمام الطهطاوى بمناحى الحياة الفرنسية كان خروجاً عن حدود وظيفته كمرشد دينى للمبعوثين أو كدارس لاحقاً، فالذى حثه على فعل ما فعل  كان الشيخ حسن العطار  (1180-1250هـ - 1766-1825م ) وفى هذا يقول الطهطاوى (فلما رُسم اسمى فى حملة المسافرين وعزمت على التوجه اشار علىَّ بعض الأقارب والمحبين لا سيما شيخنا العطار فإنه مولع بسماع عجائب الأخبار والإطلاع عل غرائب الآثار، أن نبه على ما يقع فى هذه السفرة وعلى ما آراه وما صادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة  وأن امتده ليكون نافعاً).
عطار الأزهر
فالشيخ حسن العطار (عمل مدرساً لعلماء الحملة الفرنسية فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة فى بلادهم ويفيدهم اللغة العربية على حد تعبيرعلى مبارك) واحد ممن لم ينالوا ما يستحقون فى تاريخنا  فهو لم يكن عالماً دينياً له ماله من مؤلفات شرعية أوشيخاً للأزهر فقط، وإنما كان صاحب اتجاهاً تطويرياً برز فى اهتمامه بالعلوم العقلية والتاريخ والجغرافيا والأدب والشعر فى وقت كان الجمود يغلف حياة الأزهر تجاه تلك النوعية من العلوم، وفى حرصه أيضاً على تربية جيل من المجددين، وبرؤيته  كذلك لمستقبل مصر التى عبر عنها بقوله " إن بلادنا لابد أن تتغير احوالها، ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها". 
لذا فإن ما نقله لنا الطهطاوى من مفاهيم متطورة لا يعد إنجازاً خالصاً لمحمد على، بقدر ماهو إنجازٌ لتيارٍ فكرى مصرى مثله جيل من علماء الأزهر تجسد أخيراً فى شخص الشيخ حسن العطار، فمحمد على لم يكن سوى حاكم مستبد فعل كل ما فعل ليصنع لنفسه وعائلته من بعده مجداً شخصياً ، فعلى الرغم مما شهده عصره من مظاهر تحديث إلا إنه كان بمثابة نكسة اجتماعية عادت بمصر إلى الدولة المركزية الاستبدادية، فمشروعه أثمرعلى المستوى التقنى جيشاً وتسليحاً واقتصاداً لكنه لم يصنع حراكاً يتغلغل داخل المجتمع المصرى. 
هكذا المستبدون
فكما يقول الإمام محمد عبده .. ما الذى صنعه محمد على؟ لم يستطع أن يحيا ولكنه استطاع أن يميت ! المثقفون الذين أرسلهم الى أوربا ليتعلموا، تحولوا إلى آلات تصنع له مايريد وليس لها إرادات فيما تصنع، يقولون أنه أنشأ جيشاً كبيراً فتح به الممالك ودوخ به الملوك وأنشأ أسطولاً ضخماً تُثقل به ظهور البحار وتَفخر به مصر على سائر الأمصار، فهل عَلم المصريون حب التجنيد ؟ هل شعر المصرى بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه؟ وهل خطر ببال أحد منهم أن يضيف ذلك إليه بأن يقول هذا جيشى وأسطولى أو جيش بلدى أوأسطوله؟ كلا لم يكن شيئا من ذلك، فقد كان المصرى يعد ذلك الجيش وتلك القوة عوناً لظالمه، فهى قوة خصمه كذلك كان يعدها كل عثمانى فى مصر أو بغير مصر !!
فمقتل مشروع محمد على النهضوى ليس فقط فى تكالب القوى العظمى بزمانه عليه، وإنما أيضاً فى ديكتاتوريته وعسفه بحقوق شعبه, فقد حقق على المستوى التعليمى والاقتصادى والعسكرى والوحدة السياسية مالم يكن حققته دول أوربية صار لها وزنها العالمى فيما بعد لكن الثغرة الأساسية التى أجهضت تطلعاته تركزت فى غياب الديموقراطية عن نظامه السياسى، وهو ما عبر عنه الجبرتى عند حديثه عن محمد عَلىّ بقوله " كانت له مندوحة لم تكن لغيره من ملوك هذا الزمان، ولو وفقه الله إلى شئ من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير والمطاوله لكان أعجوبة زمانه وفريد أقرانه".
تماهى غير مقبول
بالطبع لم يكن موقف الطهطاوى من محمد عَلىّ هكذا رغم كل ما تعلمه من الليبرالية الفرنسية ، فهو لم يعارضه أو يقاومه على الرغم من وضوح استبداده إلا نادراً وغالباً بعد رحيله كنقده لغياب التخطيط الشامل عن الزراعة بأيام حكمه الأولى، فلم يكن ينظر له أو لورثته كحكام يقهرون المصريون بالعنف بل كان يعتبرهم الورثة الشرعيين للفراعنة والإسكندر والبطالمة والقياصرة الرومان ، فالرجل على ما يبدو كان مدينا له بوضعه الجديد فقد كتب عنه يقول :-
  " لو لم يكن لمحمد عَلىّ من المحاسن إلا تجديد المخالطات المصرية مع الدول الأجنبية بعد أن ضعفت الأمة المصرية بانقطاعها المدد المديدة والسنن العديدة ، لكفاه ذلك، فلقد أذهب عنها داء الوحشة والانفراد، وآنسها بوصال أبناء الممالك الأخرى والبلاد لنشر المنافع العمومية واكتساب السبق فى ميدان التقدمية " 
فموقف الطهطاوى من الحكم الاستبدادى الذى عاشته مصر بزمانه يمكن قراءته بأكثر من قراءة، فهو أما يؤشر لموقف المثقف الوظيفى الذى يساند فى الواقع السلطة الغاشمة أو يتماهى معها على الرغم مما يشيع نظرياً من مفاهيم مُرسلة تدور حول الحريات والحكم الديموقراطى.
وأما يعبر عن جزء من قناعاته الشخصية التى لاشك تمثل تراجعاً فكرياً يصعب تبريره لشخص يعلم الطبيعة الأصيلة لنظام الحكم الإسلامى المناهضة لكل معانى التسلط، ويملك اطلاعاً واسعاً بالتجربة الديموقراطية الفرنسية نظرياً وعملياً حيث عايش ثورة الفرنسيين على الملك شارل العاشر والقوى الإقطاعية والاستبدادية المؤيدة له. 
مفاهيم مُتأخرة
وقد عبر عن بعض تلك القناعات المتراجعة فى كتابه مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية بقولة " إن ولى الأمر هو رئيس أمته، وصاحب النفوذ الأولى فى دولته " وأنه " من مزايا ولى الأمر أنه خليفة الله فى أرضه, وإن حسابه على ربه فليس عليه فى فعله مسئولية لأحد من رعاياه "وأنه " من مزايا ولاة الأمور أيضاً أن النفوذ المملوكى بيدهم خاصة، ولا يشاركهم فيه مشارك، وهذه المزية العظمى تعود على الرعية بالفوائد الجسيمة حيث إن إجراء المصالح العمومية بهذه المثابه ينتهى بالسرعة، لكونه منوطاً بإرادة واحدة، بخلاف ما إذا نيط بإرادات متعددة بيد كثيرين فإنه يكون بطيئاً". 
مفاهيم تكرس الاستبداد دون سند من شرع أو عقل، فكيف يكون مثلاً الحاكم " حسابه على ربه " فقط والخليفة أبوبكر الصديق يقول " أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى " وخليفته عمر بن الخطاب يخطب فى الناس قائلاً " إن رأيتم فىٌ إعوجاجاً فقومونى " فيرد عليه صحابى قائلاً " لو رأينا فيك لقومناك بسيوفنا" ناهيك عما أنتجته العقول البشرية من أمثال مونتسيكو وروسو وغيرهما من دساتير وقوانين تسائل الحكام وترد جورهم وظلمهم .
ولا يخفف من وقع تلك المفاهيم آراء بدت مرتبكة أو متعارضة حاول من خلالها الطهطاوى التخفيف من حدة تأخرها، كتمييزه بين الحاكم الأعلى الذى له اتخاذ القرار بتفرد وبين الحكومة التى يرى الصلاح فى عدم انفرادها بسلطانها، أو تقديمه لتحفظ على قوله بأن الحاكم حسابه على ربه يُفهم منه أن مُراده الحساب المادى وليس المعنوى كتذكيره بخطأه من أرباب الشرعيات والسياسات برفق ولين حتى تنتبه ذمته لأنها " تتأثر بالانبساط من الخير والانقباض من الشر ، فالذمة حَكم عدل تحمل الملوك على العدل "أو بوجود رأى عام يقظ" فالرأى العام سلطان قاهر على قلوب الملوك والأكابر لا يتساهل فى حكمه ولا يهزل فى قضائه فويل لمن نفرت منه القلوب واشتهر بين العموم بما يفضحه من العيوب " أو بما يسجله التاريخ فعنده " أن مما يحاسب الملوك أيضاً على العدل والإحسان التاريخ أى حكايته وقائعهم لمن بعدهم ".
لا يجتمعان
وربما جاء موقف الطهطاوى هذا مشايعاً لفكره المستبد المستنير أو العادل التى روج لها الفيلسوف الفرنسى فولتير وظل لها أثرها لزمن على نحو جسده لاحقاً الإمام محمد عبده ببعض كتاباته كمقاله  الذى نشره بمايو 1899بمجلة الجامعة العثمانية تحت عنوان " إنما ينهض بالشرق مستبد العادل "وإن كان الراجح عندى أنه كان يقصد بالمستبد هنا الحاكم الحازم العادل، فالاستبداد لا يجتمع مع العدل منطقياً وعقلياً.
وهنا يبدو أن الطهطاوى لم يكن يرى عيباً فى أن يستبد محمد عَلىّ وورثته مادام أن استبدادهم يهدف لإقامة العدل، لذا فقد وصف محمد على فى مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية بأوصاف يصعب إن لم يكن يستحيل  التسليم بها أو التماهى معها حيث قال ( كان محمد على سليم القلب صادق اللهجة حكيماً فى أعماله !!, حريصاً على عمار البلاد!! , سريع الإدراك , عجيب البداهة). 
توعية إصلاحية
وربما كان موقف الطهطاوى ينطلق من إدراكه بأن عليه توعية الشعب بحقوقه عن طريق التعليم ونشر المعارف وتوعية الحاكم بواجباته بالحكمة والموعظة الحسنة دون أن يصطدم به أو يجاهر بمعارضته أو مقاومته ، ومن أجل هذا ضمن مؤلفاته خاصة تخليص الإبريز- تنقية الذهب – فى تلخيص باريس ، ومناهج الألباب ، والمرشد الأمين مفاهيم سياسية تقدمية يمكن تصنيفها فى اطارات ثلاثة هى النظرية السياسية العامة ، وقضية السلطات العامة ، وقضية الحقوق المدنية .
فلقد كان الطهطاوى هو المبشر النظرى بالفكر الحر الديموقراطى بربوع الشرق وليس بمصر وحدها على نحو يمكننا ملامسته فى  بعض عباراته مثل :-
أن " الحرية هى الوسيلة العظمى لإسعاد أهالى الممالك ، فإذا كانت مبنية على قوانين حسنة وعدلية، كانت واسطة عظمى فى راحة الأهالى وإسعادهم وسبباً فى حبهم لأوطانهم، ولقد تأسست الممالك لحفظ حقوق الرعايا والحرية وصيانة النفس والمال والعرض، على موجب أحكام شرعية وأصول مضبوطة مرعية، فالملك يتقلد الحكومة لسياسة رعاياه على موجب القوانين".
"والحرية هى التى تمكن الجمهور أو الرأى العمومى من الحد من طغيان الحكام " "وبالجملة، فحرية أهالى كل مملكة متحضرة  فى كونهم لهم الحق فى أن يفعلوا المأذون شرعاً وأن لا يُكرهوا على فعل المحظور فى مملكتهم، فكل عضو من أعضاء جمعية المملكة يرخص له أن ينتفع بجميع ساحات المملكة، فالتضييق عليه فيما يجوز له فعله بدون وجه مرعى، يعد حرماناً له من  حقه".
"ذلك من كمال العدل عندهم، فهو المعمول عليه فى أصول سياساتهم، فلا تطول عندهم ولاية ملك جبار أو وزير اشتهر بينهم أنه تعدى وجار".
" فإن الوزير مثلاً، إذا مشى فى الطريق لا تعرفه عن غيره فإنه يقلل أتباعه ما أمكنه، داخل داره وخارجه، فأنظر الفرق بين باريس ومصر حيث إن العسكرى بمصر له عدة خدم ؟! "
" فهى – حرية الرأى والتعبير – تقوى كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لا يضرغيره ، فيعلم الإنسان سائر ما فى نفس صاحبه".
" فلقد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من اسباب تعمير الممالك وراحة العباد ، وأنقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم ، وكثرت معارفهم ، وتراكم غناهم ، وارتاحت قلوبهم ، والعدل اساس العمران "
" إن على ولى الأمر العادل أن يرشد بأفعاله السنية رعيته  إلى سبيل الرشاد السنية وأن يعينهم على ذلك بالحصول على كمال الحرية ", " فإن من ملك أحراراً طائعين خيراً ممن  ملك عبيداً مروعين ". 
إن" دأب الملك العاقل أن يتبصر فى العواقب، وأن يستحضر فى دائم أوقاته وفى حركاته وسكناته أن الله سبحانه وتعالى ، اختاره لرعاية الرعية، وجعله ملكاً عليهم لا ملكا لهم، وراعياً لهم، يعنى ضامناً لحسن غذائهم ، حساً ومعنى، لا آكلاً لهم "
" وأما التسوية بين أهالى الجمعية – المجتمع – فهى صفة طبيعية فى الإنسان تجعله فى جميع الحقوق البلدية كإخوانه وهى جامعة للحرية المدنية والحرية الملكية، ذلك لأن جميع الناس مشتركون فى ذواتهم وصفاتهم فكل منهم ذو عينين وأذنين ويدين وذوق ولمس، وكل منهم محتاج إلى المعاش، فبهذا كانوا جميعاً فى مادة الحياة الدنيا على حد سواء، ولهم حق واحد فى استعمال المواد التى تصون حياتهم فهم مستوون فى ذلك لارجحان لبعضم على بعض فى ميزان العيشة "
" ما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوى فى الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان بل القوانين هى المُحكمة والمُعتبره "
" ما المانع أن يكون فى كل دائرة بلدية معلم يقرأ للصبيان بعد تمام القرآن الشريف والعقائد ومبادئ العربية، مبادئ الأمور السياسية والإدارية ويوقفهم على نتائجها". 
التنظير والواقع
بكل الأحوال وأيما كان انحيازنا لتفسير من تلك التفسيرات ، فسيظل هناك فاصل ما بين ماعبر عنه الطهطاوى نظرياً من مفاهيم سياسية تقدمية فى غالبها وموقفه المؤيد أو المتماهى مع استبداد محمد على وورثته وجنوحه لعدم التصادم معهم أو معارضتهم على نحو جسده  مثلاً تراجعه عن الحديث بإعجاب عن قوة مجلس النواب الفرنسى التشريعية الذى سجله فى " تخليص الأبريز "لتفادى الصدام مع الخديو إسماعيل الذى كان لا يرى فى مجلس النواب أكثر من هيئة استشارية لا يلزمه اتجاهاتها.
وأيضاً عندما تعرض لما يشبه النفى إلى الخرطوم فى عهد عباس الأول فى موقف لم يكن يستهدف فى الغالب شخصه بأكثر مما كان يستهدف التجربة التقدمية التى يمثلها كما يرى الدكتور محمد عمارة بمؤلفه رفاعة الطهطاوى رائد التنوير فى العصر الحديث، فعباس أخذ موقفا ارتداديا من مشروع جده التحديثى، كانت ردة  فعله فى مقاومة ما تعرض له ترجمته لرواية " مواقع الأفلاك فى وقائع تليماك " التى أراد مؤلفها القسيس الفرنسى فنلون من وراءها أن يرسل برسالة رمزية لحفيد لويس الرابع عشر ليربيه من خلالها على المبادئ السياسية الراشدة، كنوع من الاحتجاج على حكم عباس غير المستنير مع محاولات حثيثه من جانبه للهروب من منفاه لم ترق لمستوى التفعيل.
فالطهطاوى المنظر السياسى المبشر بكثير من المفاهيم التقدمية التحررية بخلاف الطهطاوى الذى يمثل ركنا من أركان نظام  حكم محمد على وورثته الاستبدادى بشكل عكسه صعوده لطبقة الأرستقراط  بعد أن كون ثروة كبيرة بلغت حين وفاته جملة من العقارات بالقاهرة وطهطا ، بالإضافة ل 1600 فدان كان أغلبهم هدايا منهم فوفقاً لعلى مبارك " بالخطط الجديدة " فإن إبراهيم باشا أهدى له حديقة نادرة مساحتها 36 فدانا بالخانقاه بينما أهداه محمد على 250 فدانا بطهطا وأهداه سعيد 200 فدان واسماعيل 250 فدانا.
 وذاك لا ينفى أو يتعارض مع ما أُثر عنه من الانصراف عن حياة الأثرياء وقيامه بوقف 833 فدانا من أطيانه منهم 63 فداناً خصصهم للإنفاق على الأرقاء الذين حررهم، فهو كما قال تلميذه ومعاصره صالح مجدى  الذى ترجم لحياته بكتاب حلية الزمان بذكر مناقب خادم الوطن " كان فيه زيادة كرم وسماحة، كثير التواضع، جم الأدب، محباً للخير، وكان كلما ارتقى الى أسن المناصب  وجلس على أسما المراتب، أزداد تواضعه للرفيع والوضيع وتضاعف سعيه فى قضاء حوائج الجميع ولم يغتر بزينة الدنيا وزخرفتها، وكان حسن السريرة حميد السيرة ".
صاحب البواكير
بالطبع لايقلل هذا أبداً من إنجازات الطهطاوى الفكرية والعلمية والتثقيفية، فهو كما يقول عنه صالح مجدى " أول مترجم نشأ بالديارالمصرية من أبنائها ، وأول منشئ لصحيفة أخبار فى الديار المصرية، وأول من وقف على التواريخ القديمة والحديثة والأنساب بلا خرافة أو أساطير حتى لم يكد يلحقه فيه غيره، وأول من نجح فى تعليمه لأبناء الوطن اللغات الأجنبية " .
فمن ينكر أنه من قاد الاحتكاك الحضارى بين الشرق والغرب بوعى يميز بين الإستفادة المطلقه من فكر أوربا وتقدمها وبين رفض مواقفها الإستعمارية ، وأنه أول من سن الترجمة بروح النص، وأنه من أصبح التسجيل التاريخى بفضله تأريخاً علمياً على نحو ماجاء بمؤلفه أنوار توفيق الجليل فى أخبار مصر وتوثيق بنى إسماعيل، فقد كان محققاً بالمعنى العلمى عندما يستشهد بكلام الآخرين أو يقتبس منهم العبارات، بل لعله أول عربى تخلص من معالجة التاريخ باعتباره تاريخ ملوك وعظماء وأرخ للحضارة بظواهرها وإنجازاتها .
وأنه مؤسس أول هيئة علمية مدنية "مدرسة الألسن"وأول من أنشأ متحفاً للآثار المصرية وخطط لجمعها وصيانتها بعد أن قدم لمحمد على مشروعاً لحمايتها ، وأول من أنشأ صحيفة عربية بمصر بعد أن عرب جريدة الوقائع المصرية بعد أن كانت تصدر بالتركية منذ أنشأها عام 1824م, وحرر أكثر من صحيفة عربية كالمجلة العسكرية المتخصصة بعلوم الحرب، وصحيفة روضة المدارس التى أنشأها على مبارك عام 1870م لدعم جهوده التعليمية فكان لها مكانة خاصة فمنها تشكلت نواة متينة من كَتبة المقالات والصحفيين. 
بل إنه أول من عالج موضوع قيام الدولة المركزية على أساس بيئى من خلال صياغته فى كتابه مناهج الألباب لنظرية مفادها أن الدولة المركزية هى وليدة نظام الرى الموحد قبل حديث كارل فيتفوجل عنها بكتابه " الاستبداد الشرقى – دراسة مقارنة للسلطة المطلقة " الذى ظهر بأمريكا عام 1957 وقبل إبراهيم عامر وجمال حمدان بالطبع.
كما كان له السبق فى الحديث عن استغلال الفلاحين بواسطة ارستقراطية الأرض من أرباب العمل والأملاك لدرجة أن البعض يراه الرائد المؤسس للإشتراكية المصرية على نحو ماذهب الدكتور أنور عبد الملك بمؤلفه " نهضة مصر – تكوين الفكر والأيديولوجية فى نهضة مصر الوطنية ".
كذلك فأنه من أوائل من وهجوا مشاعر الوطنية المصرية وتحدثوا عنها بشكل مُكثف لا يتماهى أحياناً مع مفهوم الأمة الإسلامية حتى عده البعض أبو الفكر الوطنى فى العالم العربى، وإن كان ما فعله يمكن فهمه  فى إطار ما كان بمصر من أوضاع داخلية وخارجية فى ظل الدولة العثمانية وما كانت تمارسه تجاه العرب عموماً من محاولات لتتريكهم.  
عقلانية متزنة
أما موقفه من العقل فكان واضحاً، فهو يعلن ثقته فيه وقدرته على " التحسين والتقبيح" لكنه لاينتصر له بشكل مطلق كما يذهب النموذج العلمانى فهو ينتصر له فى ميدان العلوم العلمية والإنسانية ويتحفظ على قدراته عندما يكون الحديث متعلقاً بالعلوم الإلهية والقضايا الدينية ، فـ "ليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أويقبحه إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه", كما أنه ليس " للأمراء والولاة الاجتهاد فى التحريم والتحليل لأن دين الإسلام كامل لايقبل الزيادة والنقص بالآراء العقلية".
 فتكوينه الإسلامى لم يغادره بشكل بدا جلياً فى حرصه بترجماته على رد سهام بعض المؤلفين ممن دفعهم التعصب الى الإفتراء على الإسلام ، وفى موقفه من النظام الغربى الفرنسى الربوى الذى عبر عنه بقوله " ولولا أن كسبهم مشوب فى الغالب بالربا لكانوا أطيب الأمم كسباً " وايضا ً فى إدانته لفلسفتهم الوضعية بقوله بأن " لهم فى العلوم الحكمية حشوات ضلالية مخالفة لكل الكتب السماوية " .

رفضه لعلمنة الشرائع
 و  كذلك فى رفضه لأن تكون العلمانية والقوانين الوضعية بديلاً عن الإسلامية على الرغم من ترجمته لدستور فرنسا لعام  1814ولقوانين نابليون، فحينما رأى بواكير تسللها إلى القضاء التجارى كتب مزكياً القوانين الإسلامية قائلاً " إن المعاملات الفقهية لو انتظمت وجرى عليها العمل لما أخلت بالحقوق بتوفيقها على الوقت والحالة، ومن أمعن النظر فى كتب الفقه الإسلامية ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية، إن بحر الشريعة الغراء على تفرع مشارعه ، لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها بالسقى والرى، ولم تخرج الأحكام السياسية عن المذاهب الشرعية، لأنها أصل، وجميع مذاهب السياسات عنها بمنزلة الفرع".  
فهو يرى فى الشريعة الإسلامية الكمال وانها لا تناقض الراشد من القوانين الغربية " فمن زاول علم أصول الفقه، فقه ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد وجذم بأن جميع الاستنتاجات العقلية التى وصلت إليها باقى عقول الدول المتقدمه وجعلوها أساساً لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم، قليل أن تخرج عن تلك الأصول التى بنيت الفروع الفقهية عليها".
أيضاً فى تملصه من إجابة رغبة الخديوى إسماعيل فى التدخل لإقناع علماء الأزهر بالأخذ بالقوانين الوضعية الفرنسية, فعندما استدعاه وقال له .. انك منهم " علماء الأزهر " نشأت معهم وأنت أقدر على إقناعهم ، أخبرهم أن أوربا تضطرب إذا لم يستجيبوا لحكم شريعة نابليون .. أجابه قائلاً .. إننى يا مولاى قد شخت ولم يُطعن فى دينى، فلا تعرضنى لتكفير مشايخ الأزهر أياى فى آخر حياتى.

رسالة الطهطاوى
فالطهطاوى لم يكن مجرد ناقل لفكر الغرب أو مثقف موسوعى أستوعب أكثر حضارات عصره تقدماً وهى الحضارة الفرنسية ووعى حقيقة واقعه المصرى بدهاليزه واحتياجاته وعقباته، وإنما كان صاحب رسالة فهدفه كان إيقاظ أمته ووطنه، ففى تخليص الأبريز نبه على أن قصده من ورائه "حث  ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع، فإن كمال ذلك ببلاد الأفرنج أمر ثابت شائع والحق أحق أن يتبع " كما يسأل الله " ان يوقظ به من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام  من عرب وعجم " .

ونفس الوضع عندما أرخ لسيرة نبينا محمد  (ﷺ) فى آخر مؤلفاته " نهاية الإيجاز فى سيرة ساكن الحجاز " حيث نوه لأنه يكتب هذا التاريخ ليتعلم منه الذين يبنون الدولة العصرية  فى زمنه ولكى " يعلم الذين يتولون الوظائف المعاصرة أن عملهم هذا عمل شريف سبق للرسول والصحابه أن مارسوا مثيله أو شبيهه فيجب أن ينظروا إليه بقدسية ويحسنوا له الأداء ".

الجدل حوله لكن ذاك لن يمنع من الجدل حوله فأثره فى تاريخنا أعمق من أن ينظر له نظرة المرور الكرام ، لذا سيظل الخلاف حوله قائماً فهو أما كما خاطب أحمد شوقى نجله " على فهمى رفاعة " بحفل تأبينه عام 1903بقوله " يابن الذى أيقظت مصرا معارفه .. أبوك كان لأبناء البلاد أباً " ، وأما صيد ثمين تلقفه المسيو كومار " كان من علماء الحملة الفرنسية وساهم فى توجيه محمد على لإرسال مبعوثين ليدرسوا بفرنسا وهو من أشرف عليهم " بخبرته وحنكته وسلمه إلى المستشرق الداهية سلفستر دى ساسى" يهودى  ماسونى" الذى علم رفاعه وأطلقه يفعل الأفاعيل كما قال الدكتور محمود شاكر بمؤلفه " رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا", وبين هذا وذاك فليتنافس المتنافسون، وإن كان الأمر يكمن حله فى أن الرجل كغيره يأخذ منه ويرد، فالكل يظل دائماً بين بين .