الإثنين 17 يونيو 2024

سفاح الجيزة يذبح الزيف

مقالات4-9-2023 | 01:06

الميزة الأساسية للدراما المستوحاة من قصص حقيقية إنها تسد طريق الذرائع على المشاهدين الذين يتبنون وجهات نظر متشدقة بأن الواقع ليس كذلك، وأن هذا لا يحدث سوى في الدراما، لكن في سفاح الجيزة ما تراه لم يحدث سوى في الواقع، وكل دور الدراما إنها خففت من قسوته لتصنع منه دراما قابلة للمشاهدة مع ان ما حدث في الحقيقة غير قابل للمشاهدة ولا التصديق.
ما أعجبني في مسلسل سفاح الجيزة هو تبني المؤلف المميز محمد صلاح العزب لكسر الثوابت التي اعتاد عليها الناس او كما يقول هو بطريقته الساخرة ليس بالضرورة كل من يشرب شاي بحليب او يحب الحيوانات أو يقبل يد أمه أن يكون شخص طيب، والمعنى الأخطر ليس كل من يدعي الصلاح فهو صالح، لذلك أرى أن دراما سفاح الجيزة هي دراما تجعل الناس تنتبه لكم المخادعين الذين يعيشون بينهم وعن الذئب الذي يرتدي ثوب الحمل حتى ينقض على فريسته
أوجه التشابه بين القصة الحقيقية والقصة الدرامية كبيرة فالقاتل الحقيقي قذافي الذي يمثله باقتدار أحمد فهمي تحت اسم جابر قتل الكثير منهم صديقه وزوجتين وعشيقة وكذلك فعل جابر غير إن القاتل في المسلسل ارتكب جرائم أكثر،وجه تلاقي ثان بين الدراما والحقيقة وهو أن قذافي في القصة الحقيقية زيف هويات كثيرة وتقمصها ومنها شخصية صديقه وكذلك نجد في مسلسل سفاح الحيزة.

فجابر  هو يوسف هو محيي هو حسن نجح فهمي في تقديم شخصية أو شخصيات ان شئت الدقة بعيدة تماما عما قدمه من قبل ليعتمد نفسه في نسيج درامي مغزول بعناية فائقة
الدراما المنطلقة من الواقع  لا تعني أنها  تحاكيه، لكنها تحاول أن تصنع منه توب مختلف من نفس القماشة، كما إنه في الحلقات يحاول الكاتب العزب البحث عن تفسير منطقي لماذا قتل جابر كل هؤلاء والمؤلف محمد صلاح العزب يعزو ذلك لحادثة عنف وقتل قديمة في الطفولة تركت آثرا مروعا في نقسية الطفل جابر الذي تشرب العنف والخوف ابضا ونلاحظ ذلك من خلال علاقته بأمه وكأنه يرتكب جرائم القتل تلك لتحميه من بطش أمه، وفي ظني هذا تفسير نفسي ودرامي جيد وان كان فيه محاولة مرضاة للذائقة السائدة في المشاهدة وهو محاولة ايجاد سبب درامي ومبرر لجرائم القتل تلك
الموسيقى داخل هذا المسلسل هي بطل بالتأكيد وقد نجح الوايلي في خلق شفرة موسيقية للقتل إن صح التعبير كما ساهم موال العدل فوق الجميع في خلق حالة ترقب وتزامن مع القتل، وكانت مشاهد الأكل مدخل جيد للكوارث التي تحدث بعدها وقد نجح باقتدار المخرج هادي الباجوري في شحن طاقة شعورية ورهبة داخل المسلسل بشكل متسلسل واستخدم الزمن كحلقات لهذه السلسلة غير المرتبة فكان اللعب بالزمن سبب رئيسي في خلق تشويق لسلسلة من الجرائم وكأنها متعاقبة مع ان الفازق بينها سنوات فكان هذا الكولاج الزمني الذي كتبه المؤلف باقتدار ونفذه بذكاء شديد هادي الباجوري
نحن امام عمل مختلف بالتأكيد آثار إعجابا وجدلا لا تخطئه عين وجعلنا نتأكد انه مهما بلغت قسوة الدراما فهي تبدو طفل بريء أمام واقع أكثر قساوة وأشد ضراوة، في النهاية مسلسل سفاح الجيزة يسفك دماء الزيف فالأشياء والأشخاص ليس كما تبدو.