الأربعاء 28 فبراير 2024

حسن الوزير: تجربتي مع نصوص من مسرح معالجة القضية

حسن الوزير

فن6-12-2023 | 15:19

حسن الوزير

من الطبيعى أن يتأثر الأديب أو الشاعر أو المخرج أو أى إنسان حباه الله بنعمة "الإحساس وينفعل ضميره بأى حدث في مجتمعه ؛ سواء مجتمعه المحدود ( الاسرة - العائلة - الوطن .). إلخ أو المجتمع الإنسانى بشكل عام ؛ لذا فقد كانت قضية "احتلال فلسطين" بواسطة الحركة الصهيونية محور اهتمام مبكر منذ الصبا؛ لعدة أسباب :
أولا: لأننى ولدت وعشت في مدينة "بورسعيد" التى تأثرت بالعدوان الثلاثي ؛ وهدمت مبانيها وراح الالاف من أهلها بين شهيد وجريح ؛ كما تعرضوا للتهجير طوال ست سنوات ؛ هى سنوات حرب الاستنزاف.
ثانيا: أن احتلال فلسطين يشكل خطرا جسيما على مصر من حدودها الشرقية التى كانت دوما جهة غزو لمصر طوال تاريخها الطويل.
لذلك كان اختيارى لعدة نصوص مسرحية تتناول هذه القضية على مدار ما يقرب من ثلاثين عاما؛ فكلما كان هناك تطورا لمسار هذه القضية ؛ أجدنى مدفوعا للخوض فيها؛ محاولا التعبير عنها على خشبة المسرح؛  لقناعتى بأن فعل " المقاومة " لابد وأن يكون سلوكا مستداما وفعلا واضحا وجليا؛ وليس صراخا أو إدانة فارغة عاجزة  لا تجدى؛ ويمكنني استعراض هذه المحاولات في أربعة عروض مسرحية أوجزها في التالي  :
أولا:  في عام 1987 كانت معالم الطريق لحل القضية الفلسطينية قد بدأت تتبدل؛  بعد معاهدة السلام التى عقدها الرئيس أنور السادات مع العدو الصهيونى؛ فتناولت مسرحية " باب الفتوح " للكاتب الكبير محمود دياب وقدمتها على مسرح السامر بالعجوزة؛ حيث تناول الكاتب الكبير فكرة جوهرية تتضمن الإجابة على استفسار مهم:
-ماذا لو لم يستمع القائد المنتصر الذى استطاع تحرير القدس الشريف إلي هذا الشاب الأندلسي " أسامه بن يعقوب " حين جاء إليه حاملا كتابا يحمل رؤية فكرية لحكم الأمة؛ وترك المنتفعين وتجار الحروب والمنافقين يحولون دون وصول آراء الشعب إليه؟ 
والإجابة واضحة جلية؛ سيذهب النصر هباء؛ وسينتصر العدو ويحتل القدس مرة أخرى؛ لعدم وجود نظام قوى له منهج فكرى يستطيع حماية ذلك النصر .
ثانيا:  في عام  1988 ومن إنتاج مديرية ثقافة القاهره؛ قدمت مسرحية " هاملت يستيقظ متأخرا " للشاعر السورى ممدوح عدوان؛ وقد افترض الكاتب أن " هاملت " في نص شكسبير الشهير ؛ قد علم أن عمه  قام بزيارة عدو المملكة وسيقوم بالصلح معه وسيبرم معه معاهدة سلام   ..
هكذا كان الكاتب يريد ان يعبر عن رأى المعارضين لاتفاقية السلام مع العدو الصهيونى ويرى أن هذه الاتفاقية تُبعد القضية الفلسطينية عن حل يُعيد الأرض المُحتلة لأصحابها ؛ حيث يثور هاملت ضد هذه الزيارة مؤكدا على العداء الأبدي  بين المملكتين واستحالة حل القضية بهذا الأسلوب .
ثالثا: في عام 1996 ومن إنتاج مركز الهناجر للفنون قدمت مسرحية " أرض لا تنبت الزهور " للكاتب الكبير محمود دياب ؛ وفيها استشرف الكاتب - قبيل رحيله-  آفاق عملية السلام بين العرب والكيان الصهيونى؛ مستدعيا قصة الملكة " الزباء " ملكة تدمر ؛ والذى قام ملك الحيرة بقتل ابيها غيلة؛ فقامت بإرسال صورتها إليه وطلبت منه إنهاء العداء بين المملكتين؛ بل وعرضت عليه الزواج عربونا لهذه المُصالحة؛ كى تستدرجه إلى قصرها لتقوم بذبحه انتقاما لدم أبيها؛ وطلبا للثأر الذى نادى به شعب تدمر ليلا ونهارا؛ وهنا يطلب شعب الحيرة القصاص أيضا ؛ ويطالب " عمر بن عدى " الملك الجديد بالثأر من الزباء؛ لكنه يقع في حبها ولا يستطيع  قتلها؛ لكن الزباء تتجرع سما زعافا وتنتحر؛ مرددة عبارتها الشهيرة (إن أرضا ارتوت بالحقد لا تنبت فيها زهرة حب ).                                                  
رابعا: 1997 قدمت للفرقة النموذجية للثقافة الجماهيرية  مسرحية " العدو في غرف النوم" للكاتب والشاعر" د. هشام السلامونى"  حيث كانت محاولات العدو الصهيونى التطبيع الثقافى والإعلامى فى محاولة يائسة منه للغزو الثقافي بديلا عن غزوه العسكرى المباشر ؛ وذلك بعد أن أيقن من عزوف الشعب المصرى عن كل أشكال التطبيع . 
   النص يقدم الدكتور " عاصم " كطبيب  في مستشفى حكومى للأمراض النفسية والعصبية؛ تتعجله زوجته وكذلك إدارة المستشفي والجهات الأمنية في الانتهاء من اعتماد تقرير طبي عن حالة مريض نفسى .. يدخل المريض " فاضل " ويؤكد للطبيب أنه فى كامل قواه العقليه ؛ بل ويأخذ في القاء بعض النكات ليؤكد ذلك؛ فيتاكد الطبيب من سلامته؛ حتى باح بشكوته الوحيدة؛ ألا وهى أنه وأثناء مشاهدته التليفزيون في المساء؛ دخلت عليه في غرفة نومه " دبابات إسرائيلية " . هنا .. بدأ الطبيب فى كتابة تقريره أن المريض يعانى من " شيزوفرينيا"  وعقدة اضطهاد ووسواس قهرى " فيلاحقه المريض بإثبات أقواله بأن يطلب من البواب أن يرفع جلبابه؛ ليرى الطبيب آثار جنازير الدبابات على قدمى البواب؛ الذى يردد بشكل مستمر عبارته :
- انا ماليش دعوة
حاله كحال الكثيرين الذين لا يدركون خطورة العدو ؛ بمواقفهم السلبية ؛ أو الهجرة ومغادرة الأوطان كما فعل الطبيب " عاصم".
خامسا:  في عام  2007  قدمت مسرحية الكاتب الكبير يسرى الجندى " اليهودى التائه " باسم (القضية) وكنت وقتها أتابع أحداث الغزو الإسرائيلى لجنوب لبنان عام 2006 ؛ وشاهدت عبر جهاز التليفزيون مشاهد مروعة للقتلي وكذلك المهجرون من منازلهم وقراهم، تماما مثل ما شاهدته في صباى أثناء وبعد حرب 1967؛ و كان بطل النص المذكور طفلا فلسطينيا؛ هو " سرحان بشاره سرحان" الذى شاهد وهو طفل مأساة احتلال فلسطين عام 1948 وقام باغتيال السيناتور الامريكى " روبرت كيندى " عام  1968 فى ولاية لوس انجيلوس وحُكم عليه بالسجن المؤبد؛ مستعرضا حياة هذا الطفل منذ نشاته؛ وحتى الحادث المذكور، ورغم رفضى المستمر لفكرة الاغتيال؛ إلا أنه تولدت لدى الرغبة المُلحة لاستعراض تاريخ الصراع العربي الصهيونى منذ نشأت فكرته عن طريق " تيودور هرتزل " أواخر القرن التاسع عشر . وقد استبعدت تماما الخط الدرامى الخاص بحادثة الاغتيال؛ مُكتفيا باستعراض تاريخ الصراع؛ ومستعينا بحقائق تاريخية موثقة .
هذا .. وقد كان دافعى الأول لاختيار هذه النصوص؛ هو شعورى بأنها تمسنى وتمس أمن وسلامة مصر لكونها على حدودها الشرقية ؛ وكذلك لأن فلسطين بلد عربي قد احتل من قبل الحركة الصهيونية .