الثلاثاء 25 يونيو 2024

متى يتسيد ألتراس " مصر" المشهد ؟!

مقالات18-12-2023 | 21:50

لست من جمهور الساحرة المستديرة بأية حال، واعتدت هذا منذ الصغر لعدم وجود تحزبات عنصرية كُروية داخل نطاق أسرتنا الصغيرة على مستوى قطبي الكرة في مصر سواء من مشجعي الفانلة الحمراء أو البيضاء، فكبرت وأنا أشاهد والدي يتابع فريقه المفضل دون تطرف ولا تعليقات ساخرة عن الفريق الآخر، بل على العكس فأكثر ما كان يجمعنا كأسرة كبيرة متابعة المباريات الدولية التي يتنافس فيها منتخبنا القومي وتشجيعه ودعمه ضد أي منتخب آخر عربي أو غيره، هذا لأننا في الأساس ننبذ فكرة الانتماء المتطرف لحساب أي فئة أو جماعة أو كيان على إطلاقه.


كبرت وكبر معي شعوري بالانتماء الأقوى للكيان الأكبر الذي يحمل ألوان العَلَم الثلاثة، وهو ذاته الذي رأيته لأول مرة منذ شب عودي في مباريات كأس الأمم الأفريقية عام 2006 والجميع الذي تزين بألوان العَلَم في يده وعلى وجهه، كانت الصحوة حين رأيت الجميع داخل صالة استاد القاهرة وهو يقف احتراماً للنشيد الوطني، لا تخاذلاً وتكاسلاً كما كان في صفوف الثانوي المتمرد، واصطف الجميع منشداً باسم مصر في كل مباراة قبل وأثناء وبعد، حتى أن خبر غرق العبارة السلام 98 لم يثنِ المصريين عن مهتمهم التشجيعية، قد يكون قد ألقى بظلاله على نفوسهم لكنه أبداً لم ينل من عزيمتهم وإصرارهم على الوقوف خلف منتخبهم القومي، وامتلأت وقتها حتى فمي بالروح الوطنية، وملأت بها خزينة صدري وجوارحي لفترة من الزمن أعانتني على تحمل ضريبة الصمت كما ملايين مثلي حتى عادت مشاهد العَلَم إلى الساحة بأشكال أخرى بعد مرور عدة سنوات، فتارة حضر العَلَم وتصبغ بألوان الرماد وسط غيمات الحرائق والدمار، وتارة أخرى حضر وتصبغ بألوان الفرحة التي رسم ملامحها ملايين المصريين في مشهد أسطوري تاريخي حمل توقيع الهوية المصرية ثقيلة الوزن ثمينة القيمة.

وعلى ما يبدو كان لهذا الثقل وقع الضغينة في نفوس البعض الحاقد البغيض، الذي رأى في اتحاد المصريين خطراً داهماً على مطامعه وخططه الخبيثة، فدأب على شق الصف وتأجيج الفجوة بين ذرات جينات المصريين وبعضهم البعض، فذابت المفاهيم واختلطت ثوابت المشاعر الوطنية الفطرية.

فتخلقت جماعات فئوية تمثل في ظاهرها تشجيعًا حميدًا داعمًا لكيانات رياضية بعينها كالوايت نايتس، والحُمر "كناية عن مشجعي القلعة الحمراء"، وفي باطنها الكثير من خطط التسييس وقيادة الجماهير، ولك أن تتخيل أن كلمة "ألتراس" في حد ذاتها انعكاس لمسمى يعني منظمات تشجيع متعصبة، أي أن التعصب الصفة الأساسية اللازمة للالتحاق بتلك الجماعات.

فهو ليس تشجيعاً عادياً ولا مشاعر دعم موجهة لفريقك المفضل فحسب، بل قد يبلغ بك الأمر حد الدخول في صدامات مع النظام العام للدولة، أو العمل على إثبات صدق نيتك بانتمائك لناديك عن طريق كسر هيبة الأمن بها، سواء بإيعاز فردي أو جماعي أو أيا ما يكون المحرك من خلفهم.

ففي الثالث عشر من أبريل لعام 2007 أعلنت مجموعة من مشجعي النادي الأهلي تأسيس ما يسمى بمجموعة "ألتراس أهلاوي"، وهي ذات المجموعة التي باتت تكبر عدداً وتكتسب الثقة والشرعية داخل الملاعب وخارجها، وفقاً للأنشطة التي قاموا بتقسيمها وتوزيعها على أنفسهم، لم يثنهم في هذا حتى صدامهم مع الإعلاميين ومع الأجهزة الفنية والأمنية، حتى بدأت تلك المجموعة في إظهار ميول سياسية وثورية، كانت في أوجها –بتخطيط جهنمي ما زال غير معلوماً- مأساة استاد بورسعيد التي أودت بحياة 72 ضحية، كان ضرورياً وقتها تخليق واقعة تاريخية مريعة وعدداً من الضحايا الذي يبقى عالقاً بالذهن لاستخدامهم والضغط بهم في مناسبات مختلفة.

اللافت للنظر أن تلك الجماعات متى وجدت أوجدت معها حالة من الحماس الشديد وبالأخص داخل الملاعب حتى باتت لهم لغة تواصل موحدة تشبه مصطلحاتهم وأغانيهم وحركاتهم وقفزاتهم، فهم جماعة منظمة متحدة رغم أي اختلافات اجتماعية أو تعليمية، تنبذ أي انتماءات أخرى مقابل الانتماء الأوحد للكيان الذي ينتمون إليه.

وهنا يكمن بيت القصيد، فتلك المجموعات أو الجماعات يحملون كماً هائلاً من الطاقة بداخلهم تعكس حجم عنفوان الشباب، وطاقة جيل النشء والوسط معاً، وحماس المشجع الطامح في النصر الدائم الذي لا يقبل بأقل منه ولا عنه بديلاً، وهو ما أظهر بالتبعية حجم قوتهم خارج البلاد في عدة مواجهات لأنديتهم مقابل أندية أخرى "عربية بالأخص"، والذي جعل من بعض تلك الدول تضن الضغينة وتبيت لهم سواد النوايا والأفعال.

فالملاعب التي امتلأت بآلاف المصريين في غضون أقل من ساعة زمن في أكثر من مناسبة كروية، بأعداد تفوق سكان أحياء ومحافظات بأكملها في تلك الدول، قد شكلت خوفاً وخطراً من فرط مهابة تلك المشاهد التي باتت مكررة مباراة بعد مباراة، ولاسيما كما حدث في مباراة مصر وبلجيكا التي أقيمت في الكويت والتي قاد فيها محمد صلاح المنتخب واستقبلته الجماهير بكل جنسياتها استقبال الفاتحين، ومؤخراً مباراة الأهلي والاتحاد التي أقيمت في جدة، وانتصر فيها قرص الطعمية على صحن الكبسة، ولاقى منها ما لاقاه من توابل حارة وحارقة رداً على مشاغبات ومشاحنات عنيفة وبغيضة من الطرف الآخر، ولما لا وفي الاتحاد قوة، وما أقواها لو كانت بفعل المصريين، حتى وإن كانوا روابط تمثل كيانات رياضية بعينها يقفون فيها خلف أنديتهم المفضلة هاتفين بإسمها وداعمين لها.


الرجاء والأمل في إعلاء ألوان العَلَم المصري على أية لافتات، وتغليب الانتماء للوطن على أي انتماء آخر، وتوجيه الطاقة فيما ينفع ولا يضر، فالرياضة أينما وجدت كانت لتحسين الحالة المزاجية وتهذيب السلوك النفسي، ولنا في أجدادنا القدماء المثل والقدوة، فالذي قادهم إلينا إلى اليوم وعلى الدوام هو الرغبة في التسيد بطيب السلوك في الفنون والآداب والعلوم والرياضة.

يا أيتها الساحرة المستديرة بكل عشاقك وعلى كل انتماءاتك، كوني على قدر المسؤولية، وأظهري طيب النوايا والسلوك، وليكن هتافنا المشترك والدائم "مصراوي علطول".