الثلاثاء 25 يونيو 2024

ذكرى ليلة شتاء

مقالات23-12-2023 | 00:14

فصل الشتاء له علاقة خاصة مع هؤلاء الحالمين الذين يفضلون ما به من هدوء وسكون، الذين يمررون كلماتهم وأحاسيسهم عبر قلوبهم قبل إرسالها للمحيطين، هؤلاء الذين عشقوا التأمل في جنبات هذا الكون الواسع متفائلين بأنوار الله الآتية في القريب، أنوار تعيد الأمل لليائسين وتمطرهم فرحًا وسعادة، أولئك الذين يستمدون الدفء من القلوب، الذين يلتحفون بالحب والحنين إلى زمان كان يجمع في لياليه الدافئة أغلب الأسر، يلملم شتات الذين هاجرت الابتسامة وجوههم؛ فالكلمات هناك خلقت لمنح السعادة للجميع كانت اللقاءات تشبه دعوة مطلقة للحب لا يقاسمها شعور بالخوف من نهاية أو فناء. 

كان هذا عالمنا الجميل الذي عشنا أيامه في فيض من رغد وعطاء، الجميع يعطي الجميع والعطاء دائمًا مصحوب بابتسامات من الرضا تشعرك بأنك أبدًا لم تكن ثقيلًا على أحد، ما زلت أرى نفسي هناك أجلس مع أفراد عائلتي الكبيرة في منزلهم القديم والمتواضع، نتجمع حول مدفأة بدائية يقوم جدي بتجهيزها في أعتى ليالي الشتاء، فيصبح التفافنا حولها وسيلة دفاع نواجه بها البرد القارس بالحب والمرح وتذوب عندها كل لحظات الغربة والانشغال، نتفرغ لحديث طويل نتسامر فيه معًا وتدور وسطنا الضحكات. 

تضع جدتي براد الشاي الممتلئ حتى آخره بالماء فوق هذه الأخشاب المشتعلة؛ فكان اللقاء يجمعنا عادة بعد تناول طعام العشاء، يبادر بعضنا بوضع ما يحب أن يتناوله من طعام بطرف هذا الوعاء، لتباعد بعدها أيدي الكبار أيادينا الصغيرة وتتوالى النصائح لنا دون جدوى فالأمر كان يجذبنا كما تنجذب الفراشات حول الضياء نمتلئ عنادًا وإصرارًا مثلها ثم يستسلم بعضنا وخاصة الفتيات، تأتي أمي بعد قليل مع زوجات أعمامي بما يلزم هذه الجلسات بآنية كبيرة تضع بها بعض الفاكهة والحلويات. 

تتحول ثمار البرتقال واليوسفي إلى كرات للعب تتداولها أيدي محترفي لعب الكرة من بين هؤلاء الصغار، تتكرر نداءات الكبار ونصائحهم بضرورة الجلوس في سكون ولكن هيهات؛ فالصغار لا يؤمنون بعد بالسكون ولا يقنعون إلا بالحركة والنشاط، ذكرياتنا قد تتشابه أو تختلف لكنها تبقى ويبقى فيها حبنا الذي يكبر بداخلنا ويتضاعف في كل يوم لنجد أنفسنا بين لحظة وأخرى نستدعي الماضي ونطلبه بإلحاح، نرجوه أن يحضر بكل تفاصيله يعود وهو يحمل معه أحلى الذكريات.

الاكثر قراءة