الثلاثاء 25 يونيو 2024

نصف بشر.. نصف حالة

مقالات7-1-2024 | 21:14

ولدنا على فطرة النبض بالمشاعر ما بين حب وفرح وسكينة وطمأنينة وبين وقلق وتوتر وغضب وحزن، أحاسيس قد تبدو متناقضة ومتنافرة وفقاً لميزان المرادفات، إلا أنها في مجملها تشكل البنيان البشري بكل ما فيه من تغيرات نفسية وعصبية وفقاً لنشأته واحتكاكته والضغوط التي وضع فيها على مدار عمره في مختلف المواقف والأماكن.

    فتتعرض الأم للعديد من مشاعر القلق والتوتر منذ لحظة دب الحياة في أحشائها ما بين خوف على صحتها وبالتبعية صحة جنينها، وتوتر بسبب تفاصيل الحمل والوضع، وتتعرض لمجمل آلام العالم في عظامها وأوصالها وهي تضع مولودها لوقت قد يتخطى الساعات، ويضع الله في قلبها وروحها في نفس اللحظة مجمل حنان العالم في نظرتها لطفلها لأول مرة.      

    داخل نفس الجسد تولد كل المشاعر، وكأنه رحم خارجي يحتوي كل ابن آدم، يَحمِل إليه الطعام ويُمَرِر منه مشاعره إلى العالم الخارجي، مِنّا من لا يتأثر ويجعل من مشاعره حجر أصم يغض طرفه وبصره عن فطرة ولد عليها، ومِنّا من يتأثر ويئن لأوجاع الآخرين ويفرح لفرحهم.

   فمن منا لا يتأثر بمقاطع مرئية على صفحات السوشيال ميديا قادمة لنا من البقاع الأخرى في كوكب الأرض عن إنقاذ كلب من الغرق جراء السيول، أو فيل من حفرة، أو هريرة وليدة بلا أم، من منا قد لا يتأثر بمشاهد قسوة أبناء على آبائهم أو آباء على أبنائهم، أو قسوة الأمهات البديلات على الأيتام، أو إهمال الطبيب لمرضاه في حالات الخطر بالتحديد، ... وغيرها من الأمثلة التي أصبحت مكررة إلى حد التعود اليومي.

   فيعلق في ذاكرتي مثلاً أحد المواقف وكنت في إحدى الدول الأوروبية مع أسرتي، وأدرس بأحد معاهد اللغات أنا وشقيقي، وكعادة معظم الأوروبيين فمترو الأنفاق يعتبر وسيلة المواصلات العامة الأساسية، لذا فهو الأكثر اكتظاظاً بالركاب في أوقات الذروة بالتحديد، كنت بإحدى العربات وعلى حدود رؤيتي كانت الرؤوس تكاد تلامس بعضها البعض، وفجأة حدث وأن رأيت فجوة حدثت بين تلك الرؤوس وكأن أحدهم أحدث حفرة.

   ثم فتحت الأبواب على المحطة التالية، وإذ بي أُفاجئ بأحدهم مغشى عليه وبعض الركاب قد حملوه ومعهم شقيقي إلى خارج القطار ثم وضعوه إلى جانب أحد الأعمدة، وانصرفوا إلى طريقهم دونما أدنى اهتمام، فنزلت إلى مستواه أنا وشقيقي نحاول التحدث إليه لنرى ما إذا كان مازال مغشياً عليه أم بدأ استرداد توازنه، وبدأت في أن أعرض عليه تناول بعض الحلويات التي أحملها، قلت لنفسي لربما يكون قد تعرض لأزمة تدني مستوى السكر في الدم، وهنا هالني رد فعله في نهري بشك عنيف وأشار برأسه ويده أنه لن يقبل مني ما أعرضه عليه.

    حتى وإن كانت الثقافة الأوروبية في حد ذاتها ترى في كل غريب شبهة خطر، فأنا لم يؤلمني رد فعله بقدر ما آلمني رد فعل الركاب الذين مضوا قي طريقهم دونما أدنى اهتمام لمتابعة حالة المغشى عليه أو طلب النجدة له.

    التعود على أنين الألم يوصد علينا أبواب الرحمة، الرحمة بالآخرين والرأفة بأنفسنا، فلا نحن بشر مكتمل النمو العاطفي، ولا أنصاف بشر بنصف يملأه الخير أو الشر.

    حالة النصف حالة من الإنسانية يفقدنا فطرتنا بل ويعاديها ... والغلبة لمن يعي ويجاهد ويثابر ويطرد أشباح نفسه ومن حوله.

الاكثر قراءة