الخميس 25 يوليو 2024

مستقبل النزاع الروسي الأوكراني في العام الجديد

مقالات8-1-2024 | 18:38

جميع المنخرطين فى النزاع الروسى الأوكرانى أصابهم الإنهاك.

روسيا قد تلجأ إلى تجميد النزاع مع أقتراب الانتخابات الرئاسية

أوكرانيا ستوافق على التجميد الذي هو فى صالح روسيا لحل مشاكل توريد السلاح والذخيرة مع الغرب.

مع حلول العام الجديد بدأ الخبراء يتنبأون بما سيؤل إليه النزاع الروسى الأوكرانى، الرئيس بوتين فى حديث له مع الزعيم الصيني أحد أقرب الحلفاء تحدث عن أن النزاع من الممكن أن يستمر لخمس سنوات أخرى، وهو أمر فى اعتقادى صعب أن تتحمله روسيا وأوكرانيا أو حلفاء الطرفين سواء الغربيين المؤيدين لأوكرانيا أو كوريا الشمالية وإيران وكلنا يشاهد محاولات غربية لاستنزاف إيران من خلال بعض الأعمال التخريبية، أو كوريا الشمالية من خلال إلهائها بمناورات أمريكية ـ كورية جنوبية، والضغط على الصين من خلال تايوان التى من المفترض أن لديها انتخابات وصفت بأنها مهمة ومحورية قد تلعب دوراً هاماً فى تحديد مصير الجزيرة.

لكن هناك بعض الخبراء يتحدثون عن أنه لتجنب حالة الإرهاق التى أصابت أطراف النزاع أن يتم الاتفاق على هدنة مؤقتة "استراحة محارب" وهو ما قد يفتح الطريق أمام مفاوضات كما هو مفترض، من خلال اتفاقية مؤقتة بين الطرفين الأوكرانى والروسى أو وقف مؤقت للعمليات العسكرية، أو كما يعتقد البعض الآخر وقف العمليات العسكرية لفترة محددة، للالتقاط الأنفاس، لا أحد يؤكد ما إذا كان أى من هذه السيناريوهات سيتم تفعيلة وقد لا يجرى تفعيل أى منها، خاصة وأن حرب مدن تجرى بين الطرفين تدور رحاها على أشدها سواء فى المناطق الحدودية الروسية أو فى من خلال هجمات روسيا على العاصمة الأوكرانية وعدد آخر المدن، بأنواع مختلفة من الأسلحة تبدأ من المسيرات وحتى صواريخ "كينجال" الفائقة السرعة ورغم ذلك لم يتحدث الطرفان عن هدنة أو شئ من هذا القبيل.

بعض الخبراء العسكريين ذهب لأبعد من مسألة الهدنة المؤقتة أو الاستراحة، وبدأ تحليل الوضع من خلال إمكانيات الطرفين لاستمرار العمليات العسكرية، وذلك من خلال الدافع للاستمرار فى القتال، فنجد أن الجانب الأوكرانى ألقى له الأوروبيون بورقة التفاوض على الانضمام للاتحاد الأوروبى وهو ما أنعش كييف بدرجة كبيرة وبدا لها الأمر وكأنها بدأت فى تحقيق رغبتها إن لم تكن أحلامها الجيوسياسية، رغم أن هذا لن يتم بأى حال من الأحوال قبل عام 2030 إن لم يكن عام 2035، وهناك عناصر نفسية منها أن الأوكران، وبصرف النظر عن الدعاية الروسية والجذور التاريخية للمناطق التى تسيطر عليها روسيا، يرى البعض أن أوكرانيا فى حدودها ما بعد 1991 هى أراضهم المعترف بها فى المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، كما أن البعض يرى أن عدد كبير من الشعب الأوكرانى لدية نوع من الكره تجاه روسيا بعد العملية العسكرية، وإن كان هناك مواطنين أوكران تعتبر روسيا بالنسبة لهم هى القبلة ولا يرون فى الغرب بديلاً عن روسيا وولائهم الكامل لهذه الأخيرة، كما أن البعض منهم حتى الآن كل أمله فى الحياة هو العيش فى روسيا، وهذا نجاح كبير للإعلام الروسى.

هناك عنصر آخر يتحكم فى استمرارية العملية العسكرية من عدمه وهو القوى البشرية، كلنا يعلم وبلا شك أن كلتا الدولتين تعانيان من أزمة ديموغرافية حادة، فأوكرانيا التى بدأت بعض استقلالها عام 1991 بحوالى 47 مليون تناقص عددها مع حلول عام 2022 إلى ما يقارب 37 مليون نسمة، انخفض عدد سكان أوكرانيا كان بسبب الهجرة ونقص المواليد وهو ما ينطبق على روسيا وإن كانت الأخيرة عدد سكانها حوالى 3 أضعاف عدد سكان أوكرانيا. لكن لا شك أن الطرفين يعانيان من مسألة نقص القوى البشرية ورغم أن روسيا حاولت سد العجز فى القوى البشرية بإعلان تعبئة جزئية، واستقطاب بعض المتطوعين وإغرائهم بالأمول ووصل الأمر لاستقطاب أجانب من بعض دول الجنوب وإغرائهم ماليا وبمنحهم الجنسية الروسية، إلا أن الأمر فى اعتقاد البعض ليس حلاً ناجعاً، بداية من المشكلات التى قد تحدث أثناء العمليات العسكرية بسبب حاجز اللغة، أو حتى بعد انتهاء العملية العسكرية ودمج هؤلاء الغرباء فى المجتمع الروسى. أما أوكرانيا فقد أعلنت منذ البداية عن أنها ستشكل وحدة عسكرية من الأجانب وهناك بعض المقاتلين من جورجيا ومن أمريكا اللاتينية وبعض الدول الأوروبية. ورغم أن عنصر كهذا وتأثيره فى العمليات العسكرية، إلا أن الطرفين مازالا على موقفهم من استمرارها، والجانب الأوكرانى لدية طموح فى أن يبدأ هجوم مضاد بعد انتها الشتاء والشعب الأوكرانى بالإضافة إلى المشكلة الديموجرافية، هجر حوالى 60% منهم البلاد، هل سيكونوا احتياطى لبلادهم أم ستبتلعهم أوروبا التى تعانى من الهجرة الغير شرعية لكوادر غير مؤهلة من آسيا وأفريقيا فتحل القارة العجوز مشكلاتها الديموجرافية على حساب الشعب الأوكرانى؟ سؤال مهم للمستقبل بعد  أنتهاء النزاع.

نأتى الآن إلى جانب فى غاية الأهمية الآن وهو العتاد العسكري والذخيرة ومدى كفايتها، فيما يتعلق بروسيا فهى لدية من السلاح والذخيرة ما يكفى وهى تنتج سلاحها وذخيرتها، وتحصل على قليل من بعض الحلفاء، أما أوكرانيا التى بدأت النزاع بما تبقى لديها من أسلحة سوفيتية، تحولت مع الوقت للاعتماد على السلاح والعتاد الغربى، وهى حالياً تعانى من نقص دانات المدافع خاصة عيار 155 مم، خاصة بعد انداع الحرب فى قطاع غزة وتوجه الولايات المتحدة الضامن لأمن تل أبيب إلى التركيز على مساعدة الأخيرة فى حربها، ناهيك بالطبع عن عرقلة الجمهوريين فى الولايات المتحدة الموافقة على حزمة المعونات المخصصة لأوكرانيا فى انتظار تنازلات من نظرائهم الديموقراطيين لحل مشاكل الهجرة من الجنوب، هذا بالطبع بخلاف احتياج الأوكران للتدريب من جديد على أى سلاح يمنحه الغرب مما يعيق مسألة دخول العتاد الغربى للخدمة بالسرعة المطلوبة ورغم أن بعض الخيراء يتحدثون عن وجود سلاح بشكل كاف لدى أوكرانيا لصد أى هجوم روسي على الأرض إلا أن الأيام الأخيرة أظهرت بعض الضعف فى منظومة الدفاع الجوى الأوكرانى بسبب نقص الذخيرة، حيث تدور حرب استنزاف تخوضها روسيا ضد الغرب من خلال أرسال مسيرات رخيصة الثمن يطلق عليها صواريخ بمئات الآلاف من الدولارات.

أما أستاذ العلوم السياسية فى جامعة شيكاغو جون شيرشايمر لديه تنبؤ غير جيد لأوكرانيا وهو شخص عادة ما تصدق نبؤاته فقد قال إن العملية العسكرية الروسية سيحدث فيها نوع من التجميد لكن على مراحل منها ما سيحدث بعد مرور عامين على بدأها (العملية العسكرية)، أى أول تجميد للعملية سيحدث فى فبراير 2024، عملياً قبل شهر من الانتخابات الرئاسية فى روسيا، ومن وجهة نظره يوجد منطق فى هذا الطرح، والأخذ فى الاعتبار شخصية الرئيس بوتين ورغبة أوكرانيا فى الانتظار للحصول على السلاح والذخيرة اللازمة بعد تعنت الجمهوريين فى واشنطن وتعنت أوربان فى الاتحاد الأوروبى. لكن البروفيسور الأمريكى عاد وأشار إلى أن أوكرانيا ستفقد ما فى مجموعه 43% من مساحتها، وكانت قد فقدت بالفعل 20% من مساحتها، ومنها قطعتين كبيرتين فى ممثلتين فى لوجانسك ودنيتسك هذا بخلاف القرم وزابوروجيا وخيرسون. روسيا أخذت فى الاعتبار ما يحدث فى الوقت الراهن، وهو أن العملية العسكرية الروسية ستنتهى بالتفاوض، المكاسب الروسية الجديدة على الأرض ستجبر الغرب على الذهاب للتفاوض، وكما يقول البروفيسور الأمريكى يقوم الغرب حالياً بالبحث عن مبررات مقنعة أمام الرأى العام للتفاوض، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية على الأبواب، وربما ستكون من المفيد للرئيس بوتين أن تجرى الانتخابات فى حالة سلام.

التنبؤات كثيرة لكن لا أحد حتى الآن يقطع بحل يلوح فى الأفق، روسيا مقبلة على انتخابات رئاسية فى مارس القادم، ويعنيها قبل ذلك تجميد النزاع وتحقيق انتصار واضح يمنح الرئيس بوتين منطق فيما قام به وليقول للناخب الروسى هاهو النجاح أمام الجميع، ولكن ومع الاحترام للسيد شيرشايمر ليست هناك بوادر لتحقيق انتصار حاسم فى الأماكن التى تقاتل فيها روسيا حتى الآن، لذلك على الأرجح ستستمر العملية العسكرية الروسية لفترة وقد تشتد المعارك مع تحسن الظروف المناخية.