الثلاثاء 16 ابريل 2024

قرر أنت.. وليس غيرك!!

مقالات17-1-2024 | 21:28

لا أذكر مَرّةً وقفتُ بين يديها إلا وتنتابني رغبةٌ عارمةٌ في أن أطيل القعود؛حيث تختلط مشاعرُ البوح التي تتبدّى في أحرفي المقطَّعةِ بدموعي المتساقطةِ رغماً عنِّي أحاول الإمساك بأطراف خيوطها قبلما تتراءى لِمَنْ يمرُّون بي.. فلا أجد لذلك سبيلا!!، ولستُ أدري ما سرُّ الراحة التي استشعرها كلما عاودتُ الزيارةَ رغم ما بيننا من جدران الصمتِ وفوارق الحياتين وشدةِ حاجتي كلما تذكرت أصابعها.. أجل.. يا أمي أصابعُكِ الحانية تربِّتُ على كتفي مغموسةً بابتهالك ألا يَحْوَجَني الله إلى مخلوقٍ أيَّاً كانت قرابتُه...!!

لا أعرف أسباب تلك الراحة التي تغمرُني كلما عاودتُ زيارة قبرِكِ يا أُمِّي!!...ألأن هذي الدموع التي أعجز عن السيطرة عليها تُضمِّدُ ماحفرتْه أظافرُ الزمنِ في سطْحِ الروحِ..؟!!أم أنَّ سرَّ تلك الراحةِ يكْمُن في الحنينِ إلى أيام طفولتي التي لا تستطيعُ يدُ النسيانِ طَيَّ صفحاتِها أو طَمْسَ سطورِها؟!!

(أحنُّ إلى خبز أمي..وقهوة أُمي..ولمسة أمي../وتكبر فيَّ الطفولةُ يوماً على صدر يومِ/وأعشَقُ عمرِي لأني إذا مُتُّ..أخجلُ من دمع أُمي!!).. وهكذا تأتي قصيدةُ(إلى أمي) للشاعر"محمود درويش" ليس من قبيل استخدام مفردة"الأم" رمزاً مقتصِراً على مدلولٍ سياسيٍّ...!! يستتبعه استعادةُ رائحة الأرض المقدسةِ والوطن المغتصَب فقط؛ بل الأمر يشملُ الإشباعَ العاطفيَّ الذي لا يمكن للإنسان السويِّ الاستغناءُ عنه،ويعطي صاحبَه سبباً أصيلاً يرسِّخُ رغبتَه في إطالة الحياة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً..!! لذلك ظلَّت"الأم"مفردةّ.. ورمزاً حاضراً حضوراً راسخاً طوال تجربة"محمود درويش" الشعرية، وفي حواراته بعيداً عن الشعر نجده دوماً يردُّ تعلُّقَه بالشعر إلى افتتانه بترنيمات أمه التي ما فتئتْ تصبُّها في أُذُنيه قبيل نومه..!! كان كأيِّ طفلٍ يرتبط نغميَّا بأصوات الحروف ولا يدرك ما للكلمات من دلالاتٍ كامنةٍ؛ ليظلَّ عالَمُ"درويش"الطفوليُّ حاضراً بشخوصه وأحداثه، متحكِّماً في رؤاه،مانحاً إياه مدداً لا ينضب...!! يفيض على ذاكرته وتجربته المتفرِّدة بين شعراء الإنسانية أمثال"لوركا"و"بابلونيرودا"
(خذيني...إذا عدتُ يوماً وشاحاً لهُدْبِكْ/وغطّي عظامي بعشب تعمَّد من طهر كعْبِكْ/وشُدّي وثاقي..
بخصلةِ شِعْرٍ...بخيطٍ يلوَّح في ذيل ثوبكْ/عساني أصيرُ إلهاً...إلهاً أصيرْ..إذا ما لمستُ قرارةَ قلبكْ!!)

لماذا يمتلئ القلب يقيناً لا يشوبه شكٌّ أن انتصار الشعب العربي الفلسطيني قادمٌ لا محالةَ...لا نقول ذلك نتيجةَ فورةٍ عاطفيةٍ يؤججها لافتاتٌ وطنيةٌ،أو اعتمادا على علمٍ بالتاريخ.. بل ينبع هذا اليقين من وجود الأم الفلسطينية، وهي بحقٍّ الظاهرة الحاسمة في الصراع، إن الأم الفلسطينية قد تجاوزت كل التصورات في التضحية من أجل الوطن..لقد رأت المرأة الفلسطينية في التضحية وظيفتها،وجعلتها هدفاً تحيا من أجله...!!إنها تربِّي أولادها وتعدُّهم للتضحية، ولم يسجِّلْ التاريخُ أن هناك من قامت بتربية أبنائها، وإعدادهم للشهادة مثلما قامت به؛لم تركَنْ لحزنٍ يوهن العزم،أو يقصم الظهر؛بل حملتْهم أجنةً وهناً على وهنٍ،وأرضعتهم العزة والشرف،وربتهم أيتاماً بعدما سبقهم الآباء إلى منازل الشهداء...!! حتى إذا ما نال الأبناء الشهادةَ حملتْ نعوشَهم في مقدمةِ مُشيِّعيهم تسبق جثامينهم زغاريدُها فرحاً أن أَقْدَرها اللهُ على أداء الأمانةِ راضيةً محتسبةً الأجر من الله فقط وليس من إعلامٍ أو تكريمٍ رسميٍّ.

إن خلود قصيدة"إلى أمي"نابعٌ من بساطتها وما تثيره مفرداتُها من تداعيات،ورغم أن القصيدة من نتاج"درويش"داخل الأرض المحتلة،لكن يأتي العنوان المُصدًَر بحرف الجرًُ( إلى) يؤكد البعد المفروض على الشاعر من قِبَل الصهاينة؛ فمن يخاطبه الشاعر بعيدٌ وكذلك هديته إليه  من مسافة بينهما تحتاج حرف الجر(إلى)،ويأتي الفعل المضارع(أحنُّ) مثيراً تساؤلاتٍ عديدةً بما تلاه من تراكيب(خبز أمي،قهوة إمي،لمسة أمي)،فالأم وإن كانت قريبةً مكاناً إلا أن إجراءاتِ الصهاينةِ المقيٌّدةِ حرية الشاعر تقف في وجه إشباع حنينه، وتحكم عليه أن يظل متعايشاّ ودوافع حنينه ومبرراته!!...ومن ثَمَّ يمكننا أن نجعل من حنينه إلى الأم باباً خلفياً في مواجهة مصادرة الصهاينة لحقه في التعبير عن الانتماء إلى وطنه المحتل 

(ضعيني ..إذا ما رجعتُ وقوداً بتنور نارِكْ...!!/وحَبْلَ غسيلٍ على سطح دارِكْ..!!/لأني فقدتُ الوقوف بدون صلاة نهارِكْ/هَرِمْتُ...فرُدِّي نجومَ الطفولة حتى أُشاركْ/صغارَ العصافيرِ دربَ الرجوع..لعشِّ انتظارِكْ!!)

ليأتي الختام ممتزجاً بمفردات الحياة اليومية(تنُّور،حبل غسيل)..بهذه المفردات الهامسة وغيرها صارت(إلى أمي)الأكثرَ دويَّاً في إعلانه شدة ارتباطه بالأم/الوطن مثل ارتباط فراخ العصافير بالعش؛ ورغم أن مفردة"الأم"بوَّابةُ"محمود درويش"لولوجه عالَمَه الطفوليَّ الساحرَ،إلا أن مفردة"الأم"جسْرُ عبور الشاعر"سميح القاسم"للتدليل على وحشية الصهاينة،حيث وازن بين إجرامهم وبين براءة وعجز الطفل الرضيع بعدما اغتالوا أمه،وليس في مقدوره سوى الحبو في ساحة البيت والنداء:يا أماه..!!وهي مطروحةٌ مسفوكة الدم ...!! لتستطيع أن تقرر أنت.. وليس سواك !! أتُجدي خطاباتُ الشجب والتنديد في مواجهة وحشية الصهاينة.مثل ما أوردتْه قصيدةٌ(أمَّاه) للشاعر"سميح القاسم"...؟!!

(حَبَا فى ساحة الدارِ..وكَرْكَرَ حين فاجأها جوار السور مطروحةْ/وفاجأ بِضْعَ أزهارٍٍ مبعثرةٍ.. على صدرٍ جميعُ عُرَاه مفتوحةْ/تصيح: تعال يا ولدى...تعال ارضعْ/فخَفَّ لها على أربعْ/وغرّد ثغرُه:أُمّاهْ/وكَرْكَرَ حين لم تسمعْ/وشدَّ رداءها، ورُؤاه دغدغةٌ وأُرجوحةْ/وردَّد عاتبًا: أُمّاهْ!/وظلَّتْ فى جوار السور مطروحةْ/وظلَّتْ بضعُ أزهارٍ تنِزُّ دمًا...على صدرٍ جميعُ عُراه مفتوحةْ/تصيح: تعال يا ولدى!!).