الجمعة 1 مارس 2024

في محبة إدوارد سعيد

مقالات29-1-2024 | 20:20

غادرنا  المفكر الفلسطيني الأصل "إدوارد سعيد"؛ يائسًا من حدوث أي تغيير في الوضع "المأساوي" للفلسطينيين؛ - وهو واقعنا المؤسف للآن -، أعزى حزنه إلى عواقب تنازل قيادتهم عن أي حقوق لهذا الشعب البائس؛ وذلك بخطوة التوقيع  على معاهدة "أوسلو" التي وصفها سعيد بأنها (وثيقة تنازل فلسطيني، "ڤرساي فلسطينية")، في إشارة إلى المعاهدة الشهيرة بين الحلفاء وألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى.

كان إدوارد سعيد متفرداً بوضع  المسألة في نصابها الصحيح ؛ فقد بدأت وسائل الإعلام الأميركية تستوعب مواقفه تلك،بعد سخرية وتسفيه وعناد،و بعد أن كانت تعتبرها رجساً من عمل الشيطان في حينها؛ ربما لمنطقه وأدلّته وتحليلاته الضاربة في عمق التاريخ؛ فقد أجزم أن الصراع في فلسطين هو "حرب تصورات وأفكار" أكثر من كونه  مسألة سياسات.
صُنِف سعيد ولسنوات من الزمان؛ الناطق الأكثر نفوذاً بلسان الفلسطينيين في الولايات المتحدة، في وقت كان فيه مجرد التفوه بكلمة "فلسطين" يُعَد استفزازًا سياسياً، وكُلِل مجهوده بكون لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)،التي تمثل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، حذرت أنصارها من أن المواجهة مع  سعيد غير مُجدية وستشوه صورتهم الملائكية فقط لا غير!!.
ترك لنا سعيد إرثاً كباحث وكاتب مذكرات وناقد أدبي رفيع ومتذوق للموسيقى، هذا الإرث بعموده الأساسي المُتمثل في كتابه 
 "الاستشراق"؛ والذي قدم فيه الأدلة الدامغة عن دور الدراسات الإنسانية الأوروبية لدعم و توطيد جذور مظالم الإمبريالية العالمية.
 استخدم كتابه "الاستشراق" في التصدي للصورة الجائرة الشائعة في الإعلام الأميركي عن فلسطين، وانتهى الأمر بسعيد إلى توظيف الخطاب الأدبي لكشف الفكر الاستعماري الغربي ؛ذلك لأن إدوارد سعيد حلّل وحرّر وساعد في ترجمة العديد من النصوص الخاصة بالحراك الفلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بما في ذلك أول خطاب ألقاه الزعيم ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة.
كان هذا الخطاب نقطة خلاف بين سعيد وعرفات؛ حيث أتهم القيادة الفلسطينية بالتخلى عن أي مكاسب تحققت في القضية الوطنية، نزولاً على الوعود "الواهية" التي قطعتها الحكومة الأميركية بأن تكون "وسيطًا نزيهاً!! ؛ فقد كانت تلك المرة الأولى التي يوافق فيها شعب تحت الاحتلال على التفاوض مع مُحتليه قبل حدوث أي انسحاب أو أي اتفاق عليه.
كان سعيد يعتقد أن الغاية من مفاوضات السلام هي توفير الأمن لإسرائيل، وليس منح الفلسطينيين دولة داخل ما يُسمى الخط الأخضر.
عانى سعيد من حرب الغرب تجاهه بالتوازي مع حرب باردة مع القيادة الفلسطينية، لولا التوازن الذي أحدثه دعم  السياسية البارزة "حنان عشراوي"؛ فعادوا واتفقوا مع كثير من مواقفه. لم يخفي سعيد أمله  في أن يتمكن عرفات من البناء على المعطيات الحاضرة حينئذ في مفاوضات الوضع النهائي "الخرافي" كما وعدت الاتفاقية وبدلا من ذلك، سلكت الولايات المتحدة ما يُعرف بالنهج المتدرج المدفوع إلى حد كبير بمطالب إسرائيلية لمزيد من التنازلات من الجانب الفلسطيني، لكنها لم تفعل شيئا لإيقاف التوسع في بناء المستوطنات الإسرائيلية.
وهو ما دفع سعيد بإطلاق اسم"الأب الأبيض الكبير" على الحكومة الأمريكية ساخراً من طرق  تعاملها مع الفلسطينيين مقارنة بواجبها الأبوي مع الإسرائيليين ، والذي حال 
 دون التوصل إلى أي اتفاق ليومنا هذا؛ وهو ما جعل الحل القائم على إنشاء دولتين يكاد يكون مستحيلاً، ولعل ذلك كان أمراً محتومًا حسبما فهم إدوارد سعيد سياسة القوة التي تقف وراءها.
لم يخطئ سعيد بصب جام غضبه على المُثقفين في الشرق الأوسط؛ حيث لا فعل ولا قول ولا خطط ولا حيلة لدعم الدولة الفلسطينية، وهو ما نتجرعه الآن.
وفي كتابه "نهاية عملية السلام: أوسلو وما بعدها"، كشف إدوارد سعيد الوجه القبيح للتاريخ كونه  لا يرحم؛ فلا  يتضمن قوانين ضد المعاناة والوحشية، ، ولا ينطوي على توازن داخلي يعيد شعبًا وقع عليه أفدح الظلم لمكانه المشروع في العالم"؛ وهو ما تجلى منذ بدء مأساة السابع من أكتوبر.
رحل  سعيد تاركاً  رسالة يأس، ذلك لأنه ليس كاتباً عاطفياً ؛ ولكنه كان واقعياً،عاش رافضاً لفكرة تدليس الحقائق، عازفاً عن تجميل  فُتْات الحقوق التي تدعي أمريكا وإسرائيل أنها تمنحها للشعب الفلسطيني، إنما غادرنا تاركاً بصمته القوية، رافعاً لافتة : "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة"؛ فواجب علينا أن نتذكره ونترحم عليه ونترحم على أنفسنا قبله.