الجمعة 1 مارس 2024

الرحلة 404

مقالات31-1-2024 | 17:07

هذا الرقم يحتمل العديد من التفسيرات، ولكنه هنا يشير إلى رحلة العمر التي ستقل العاصية التائبة منى زكي إلى رحابة العفو والمغفرة، هذه السيدة الصغيرة القادمة من عائلة شعبية تحررت وتحولت إلى أيقونة الجمال في العالم السفلي الذي لا محل فيه لأي قيمة أو مبدأ، وتقرر أيقونتنا أن تخلع ثوب فساد هذا العالم لتتوب إلى الله وترتدي حجابا عصريا لا يصلح لتوبة ولا يصلح أيضا للرذيلة، وهذا هو الصراع الأول الذي تتعرض له فالخيوط داخل نفسها متشابكة ومنذ اللحظة الأولى وضع المخرج هاني خليفة تفسيره من خلال نظراتها وهي تبيع في احدي الشركات العقارية حيث تغيب عن نفسها لحظة وتنظر إلى الرجل الجالس أمامها و تقتحم داخله من خلال قميصه المفتوح الذي يظهر ملامح رقبته و صدره فيظهر ما بداخلها من شبق جنسي لم تتخلص منه تماما و لكنها تفيق و تتذكر الرحلة 404 فتعود من جديد الى لباس التوبة الذي لم تتمكن من خلعه ولا يجب أن ننسي براعة هانى خليفة في إظهار صراعها الداخلي من خلال لمحة بسيطة قد لا يلتفت اليها احد فملابسها التي تغطي كل جسدها وشعرها تنتمى الى العالم الذي تسعي إليه بينما قدميها احتبستا داخل الحذاء ذو الكعب العالي الذي يمثل الماركة المسجلة لفتيات الليل اللاتي كانت تعيش وسطهن فى العالم الثاني الذي غادرته بغير رجعة، وبخروجها بعد المشهد الأول تبدأ صراعها الثاني المحموم من أجل استكمال جوهر توبتها فالأحداث تتلاحق سريعة تنبأ المشاهد بالعلاقة الغريبة بينها و بين اسرتها خاصة امها التي تطاردها بحثا عن نقودها و هنا تفوق المؤلف و المخرج في طرح هذه العلاقة بدون ضغط علي المتلقي و كأنه شخص لا يفهم إلا بالسرد الممل الذي تعودناه في بعض المسلسلات الدرامية و اكتفي الاثنان ببعض جمل قصيرة و لكنها موحية بما مرت به في حياتها الماضية، وتظهر الأم التي تريد فضحها أمام مقر عملها فتهرب منها و تستمر الأم في مطاردتها حتي تتعرض لحادث وهى تعبر الطريق و هنا نعود من جديد الي ٤٠٤ الذي يذكرها بأن الأم هى اصل حياتها و مهما فعلت ستبقي امها حتى و ان توارت في ابعد ركن من أركان قلبها و يفوز الرقم للمرة الثانية في مواجهة خيوط عنكبوت الفساد التي تجذبها نحوها بكل قسوة، المشهد التالي لهذا المشهد هو استلقاء امها علي سرير المستشفى تتأرجح بين الموت و الحياة ، المستشفى باهظة الثمن  و تحتاج المريضة إلى 300 الف جنيه لعلاجها و طالبتها المستشفي بخمسين ألف جنيه تحت الحساب فماذا ستفعل؟ 

تنتقل بنا الأحداث الي طريقين لا ثالث لهما و كلاهما مر فالأول هو إلغاء الرحلة ٤٠٤ و الاكتفاء بأن نية الحج تكفي كما قال لها والدها  خاصة وإذا كانت النقود التي ستستردها هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الأم  و الثاني ان تلجأ الي بعض من ظنتهم أصدقاء العالم السفلي لعلهم ينقذونها من ضائقتها المالية و هنا ينتقل بنا السيناريو الي أربعة مستويات جديدة من الصراع لأربعة نماذج بشرية تكالبوا عليها ليبعدوها عن طريقها الجديد و تتنقل بين هذه النماذج بسرعة إيقاع تحسب للمخرج المبدع هاني خليفة و مع كل نموذج تنفتح أمام أعين المشاهد طاقة جديدة من طاقات الفساد سواءا عن طريق الصداقة المزعومة للسيدة التي تستغل ألأجساد بحثا عن زيادة ثروتها وتوطيد مكانتها في عالمها المظلم أو عن طريق الحب الأول الذي يقتنصها بمعسول الأحلام ليقضي علي كل هذه الأحلام و يتركها لمصيرها مرورا بالصديق الذي قضي معها ساعات من اللذة المحرمة و يحاول العودة لاستغلالها من جديد و الصديق الثاني الذي كان مستعدا لمساعدتها و لكنه يمر بأزمات نفسية مستمرة وانتهاءً بالزوج السابق الذي يعيش منعزلا يطحنه الإدمان وفي هذه الرحلة يزين لها شيطانها سرقة عجوز مسكينة تعيش وحيدة و تضعها الصدفة في مواجهتها، لقد وضعها الله في اختبارات شديدة القسوة و عندما كادت أن تستسلم مد إليها يد العون لينتشلها من جنون العالم المحيط بها  و يعيدها إلى الرقم ٤٠٤ و هو أملها المنشود فقررت في البداية أن تعيد المسروقات  لتلك السيدة و تطلب منها أن تسامحها   و لكن  من من هؤلاء ساعدها ؟ و من هذا الجندي الخفي الذي يسره لها الخالق ليبلغها رسالته الأخيرة لها أنها ليست وحدها ؟ و تتحقق هذه الرسالة عندما نشاهد البطلة و قد خلعت الملابس التي احتارت معها بين العالمين و ارتدت عباءة الرحلة ٤٠٤.
إلى جانب تألق مني زكى في أداء هذه الشخصية بكل صراعاتها المحتدمة يتألق ضيوف الشرف الصديق الأول محمد ممدوح ( تايسون ) ، محمد علاء الذي شاهدناه متألقا من قبل في مسلسل البرنس، القدير خالد الصاوي، و أيقونة النجاح محمد فراج الذي يستحق أن يوضع في اعلي مكانة بين نجوم جيله و هو الجوهرة التي اكتشفها و صقلها جواهرجي النجوم خالد جلال و علي رأس هذه المجموعة كاتب السيناريو محمد رجاء الذي بدأ في كتابة العمل عام ٢٠٠٣ و كان متلازما مع عرض سهر الليالي لنفس مخرج هذا الفيلم هاني خليفة ومنذ ذلك الوقت حلم رجاء بأن يعمل معه و تحقق له الحلم بعد كل هذه السنوات أما هاني خليفة فهو يستحق أن يلقب بملك الإيقاع السينمائي المتميز فقد استطاع أن يلمس المشاعر الإنسانية المتضاربة و يظهر أشكال الصراع المختلفة ببساطة و سلاسة محترما عقل المشاهد الذي لم يكن يحتاج إلى شرح و تطويل فلم يترك له فرصة التقاط الأنفاس فسوف يلتقطها بعد أن يغادر صالة العرض، إنه فيلم يستحق أن تشاهدوه.