الجمعة 1 مارس 2024

نِعْمَ النِعَمْ .. نٍعمة الصحة

مقالات3-2-2024 | 17:30

ليس ثمة دافع عند الكاتب للكتابة غير انفعاله بأمر ما ورغبته في التعبير عنها أو البوح بها ومن ثم الوصول لشعور الارتياح الذي لا يعرفه إلا الكاتب ذاته، حتى وإن لم يقرأه أحد، لكنها قمة السعادة والرضا حينما تصل الرسالة ومعها المردود الذي يعطي الانطباع بتمام نجاح الكاتب في صياغتها وتمرير الفكرة المراد التأثير بها.

    وهنا سأتحدث عن تجربة شخصية لا أزال أحياها وكأنما أراد المولى تذكيري بنعمه علينا من آن لآخر، كي لا ننسى الموجود ونتذكر المفقود كعادة البشر في التبطر والجحود والنقم وهم من مداخل عمل الشيطان ووسوته، رغماً عن اختيار الله لاختبار العديدين في نعمة الصحة، وهو بالطبع ليس من قبيل التعذيب أو عدم الرضا، لكنه من قبيل الاختبار في فضائل الصبر والحمد والشكر التي هي من معززات الإيمان ومن مداخل الجنة.

    فقد أصابتني مؤخراً وأمي عدوى أنفلونزا H1N1 بشكل عنيف إلى الحد الذي جعلني طريحة الفراش لفترة من الزمن، مع زيارات متكررة للمشفى الذي حاولت فيه استنشاق بعض الأوكسجين الذي افتقدته رئتي ولم ألقاه إلا من خلال أنبوب الكمامة اللعينة، وهي الموضع بها العديد من أدوية الشعب الهوائية بهدف التنفس، أدعوها باللعينة لأنها تذكرني بوضع والدي رحمه الله، فهي التي لم تمنحه ما أردناه جميعاً، لم تعده لنا، ولم تأخذ من رئتي وتعطه، بل منحته وقتاً إضافياً فقط تماماً كالوقت الإضافي بالمباريات الرياضية المحسوم أمرها منذ البداية.

   كانت أقسى اللحظات وأنا أرى نفس المشاهد تعاد وأرى نفس الأجهزة وأحيا نفس الظروف من جديد، لم ولن يمكنني أبداً معرفة ما كان يشعر به حبيبي الراحل غفر الله له، لكنه فارق الزمان والمكان، والحالة الصحية، وهي ذاتها نفس الآلام النفسية، لم تشفَ ولم ترحل كما فعل هو، أرادها الله لي ليذكرني باختباري مرتين، مرة في صبري على مصيبة الموت، ومرة في صبري على اختبار المرض "وإن كان مؤقتاً" لا يرقى لمستوى اختبارات الصبر على الأمراض العصيبة عافانا الله وإياكم.

    كنت أدعو في نفسي وقت مرض والدي رحمه الله كما كانت تفعل أمي دوماً في أوجاعنا جميعاً، يا رب خُذ مني واعطه، أو ارفع عنه وأعطني ما هو به، وكنت أتصور هذا من قبيل الدعاء الذي يرفع القضاء ويرده، واكتشفت بمرور الوقت أنه قد يكون درجة من درجات الكُفر برحمة الله –حاشاه- فالله الرحمن الرحيم الذي اختص نفسه بهاتين الصفتين ذاتا صيغة المبالغة في الرحمة، حاشاه أن يعجز عن شفاء كل مريض ومتألم، وفي نفس الوقت أن يُبقي على صحة الآخرين الذين يدعون الله بأن يأخذ منهم ويمنح المرضى صحتهم.

    لكنها هي الحكمة الإلهية الخفية التي لا يمكن لنا كبشر أن نرقى لمستوى خباياها وتفاصيلها، الله وحده الأعلم بالأصلح لنا كبشر، بمن يبتليه بالمرض كي يختبره أو ينقيه من الذنوب، ومن يختاره للموت كي يعفو عنه من عذابات الدنيا ويُرَقِه في الآخرة، من يمنحه من نِعم الدنيا ما لا حدود له كي يطغى أو يبسط يده، كلها غيبيات لا دخل لنا فيها ولا طائل.

   الشيء الأهم في كل ذلك والذي يدخل في إطار الحكمة الإلهية، هو اختيار التوقيت، توقيت المرض والموت، وتوقيت الفرح والميلاد، توقيت الزواج أو الطلاق، توقيت الفشل أو النجاح، فكلٍ مُقَدَّر عنده بحساب وميعاد ولحكمة.

   لكن المقدر والمحتوم هو أنه النعم اللانهائية التي نحياها وننعم بها بلا أدنى حيلة ولا مَقْدِرة مِنّا، وفي كثير من الأحيان بلا أدنى تقدير ولا حمد، ورغماً عن تعدد تلك النعم وأدناهم المال، تظل الصحة على رأسهم يليها الستر كما كان يحدثني والدي دائماً، فإن كنت في صحة فأنت في نعمة وإن كنت في مرض فأنت في اختبار.

    ويظل وعد الله قاطع، إن كفرتم ضجرتم وأمر الله نافذ .. وإن آمنتم رضيتم وأمر الله نافذ، فاظفر بالإيمان وتقدير النعم.