الثلاثاء 16 ابريل 2024

مائدة الوعي

مقالات5-2-2024 | 12:48

معرض الكتاب، مناسبة ثرية، جميلة، مبهرة، فدلالاته أبعد من واقعه المادى المُشاهد، ولما لا ؟! فموضوعه الأساسى ينصبّ على تغذية عقولنا التى سيبقى الرهان عليها قائماً فى صناعة حال أفضل مما يحيط بنا، فتحررنا من قيودنا الراهنة وتقدمنا نحو الأمام مرهون قبل كل شئ بقدرتنا على التفكير العلمى الرشيد.

فلا يمكن لنا أن نتوقع سياسة رشيدة أو اقتصاد منتعش أو إعلام غير منافق أو فن راقى أو رياضة غير موجهه دون عقول واعية مثقفة قادرة على الفرز والتجنيب فى ظل الجهود الشيطانية التى يبذلها الغير لتكريس مفاهيم معكوسة لا تخدم سوى مصالحه وغاياته الذاتية.

تغييبنا ..غاية

من الأهمية بمكان أن ندرك وجود مخططات  جرى ويجرى تمويلها - بعيداً عن الأنظار وأحياناً بوضح النهار - لتزييف وعينا ونزعنا من جذورنا وتمرير أفكار لم نألفها ولا تخدمنا سواءً على الصعيد السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى أو الدينى.

فمثلاً فكرة الخصخصة التى نحلت وبرنا أنفقت هيئة المعونة الأمريكية فى التسعينيات اثنى عشر مليون دولار  للترويج لها بيننا، وكذلك فعلت المجموعة الأوروبية حيث خصصت 50 مليون دولار "لتشجيع عمليات الخصخصة وتوسيع قاعدة الملكية الخاصة " وفقاً لما أورده الدكتور رشدى سعيد بمؤلفة (الحقيقة والوهم فى الواقع المصرى).

والذى أكد فيه أيضاً أن أموالاً ضخمة قدرها الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل بمقال له بالأهرام عام 1994 بمائة مليون دولار تتدفق سنوياً على من يشكلون رأينا العام ممن يملأون إعلامنا ضجيجاً لكى يعملوا على إيصال أى فكرة والدعاية لأى هدف ولأى دولة وأى فرد.

وغير هذا كثير، فمخططات التلاعب بعقولنا ووعينا ماضية منذ زمن بعيد، ولعل فيما تابعناه من مواقف وردود أفعال لم نكن نتخيلها، ممن يُفترض أنهم من بنى وطننا وعروبتنا وإسلامنا، تجاه ما فعلته النازية الصهيونية بغزة مؤخراً، ما يؤشر لطبيعة تلك المخططات وما حققته بكل أسف من نجاحات، توقعها قبل عشرين عاماً الدكتور عبد الوهاب المسيرى.

جهد مطلوب

فليس كل ما نقرأ أو نسمع أو نشاهد بصادق، فتلك ليست سوى وسائل اطلاع تحتاج لعقول تفحص وتمحّص وتدقق لتستخلص الحقيقة بجوانبها المادية والمعنوية، وذلك لن يكون إلا إذا ملكنا معارف لديها القدرة على تحريرعقولنا وأرواحنا وفتح أفاق  واضحة للرؤيا أمامنا، تمكننا من اتخاذ المواقف والقرارت المناسبة لزماننا.

كثيرة هى التحديات التى تواجهنا الآن لكى نتمكن من العيش بفهم لحقيقة ما يدور حولنا بوضوح وشفافية، لكن ما علينا غير هذا من سبيل لنحيا بعيون مدركة وعقول واعية وقلوب ناضجة؛ فالبديل فادح الثمن، وهو أن نتحول لقطعان تسير خلف الركبان، وحينها لا نحتاج سوى لنخاع شوكى وفقط.

من هنا يأتى تثميننا لمعرض الكتاب باعتباره وسيلة لصناعة عقول ممتلئة بالثقافة بمعناها الواسع، الذى يعنى أسلوب الحياة فى المجتمع، بكل ما ينطوى عليه من موروث مادى ومعنوى حى، وليس فقط بمعناها الضيق الذى يعنى الأنشطة الإبداعية المتميزة فى الآداب والفنون الأدائية والتشكيلية، على حد ما ذهب الدكتور عبد الوهاب المسيرى.

مُدركات مُفضّلة

إن التلقى النظرى عبر القراءة أو السماع أو المشاهدة  لكل أشكال الإبداع الإنساني غير كاف بحد ذاته، وإن كان يمثل ضوءًا كاشفاً من شأنه الإعانة على معاركة الحياة بطريقة مستوفية لحدود قدراتنا البشرية، فمطالعة الكتب وخوض التجارب الواقعية متلازمتان لا تغنى إحداهما عن الأخرى لمن يرغب فى العيش  بسداد.

فالكتب لا تغنى كما قال العقاد عن تجارب الحياة، ولا تغنى التجارب عن الكتب، لأننا نحتاج إلى قسط من التجربة لكى نفهم حق الفهم أما أن التجارب لا تغنى عن الكتب، فذلك لأن الكتب هى تجارب آلاف السنين فى مختلف الأمم والعصور، ولا يمكن أن تبلغ تجربة الفرد الواحد أكثر من عشرات السنين.

كذلك فإن الفكر الذى يسبح فى الفضاء دون فعالية ليس له ثقل فى موازين الحياة، فالإنسان بحاجة لما هو أبعد من مجرد القراءة العابرة، بحاجة ليفهم ويطبق، وهنا أتذكر كلمات موشى ديان وزير دفاع الكيان الصهيونى الأسبق التى وصفنا فيها بأننا (لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نفهم، وإذا فهمنا لا نطبّق).

أظن - أو بالأحرى أتمنى - أن يكون رواد المعرض مدركين لتلك المعانى، وألا يتعاملوا مع الكتب على أنها وسيلة فقط لتحقيق اللذة، فمن شر ما ابتليت به الثقافة أن يُقال أنها لذة على حد قول العقاد، خاصةً أن غالبيتهم من الشباب، ممن يمثلون طليعة الأمل فى صناعة مستقبل لم نتركه لهم إلا بعد أن أثقلناه بجهلنا وسوء فهمنا وأخطائنا واستبدادنا.

لكن بكل الأحوال، سيبقى الأمل كل الأمل بالشباب، بمقوماته، برؤيته، بروحه، بتطلعاته، بجسارته، بتحديه لسوءات الواقع ورفضه للانصياع لهزائمنا وانكساراتنا، بقدرته على المقاومة والتحديث والتجديد الذى ينطلق من جذورنا، من تراثنا النقى، من ديننا.

هروب بالرواية

أدرك أن طبيعة ما نحياه الآن يلقى بلا شك بظلاله على نوعية ما يقرأ شبابنا، فهم ليسوا بحاجة لما يضاعف أثقالهم، فمن المعلوم أن زيادة معرفة الإنسان تؤدى لزيادة آلامه، حيث يعى الحقيقة ويدرك بعمق أبعاد ما يدور حوله، وهو بكل أسى غالباً ما يكون غير مُبشر  إن لم يكن كارثى ومُظلم.

فالقراءة أحياناً تتحول للون من العذاب، يضغط على الأعصاب، ويجرح المشاعر، ويثير الغضب، ويجتر المتاعب، ويستدعى ذكريات الأحزان، وذاك حينما تصير الكلمة خنجراً، والعبارة سيف يطعن القلب ويدمى العقل ويريق العواطف ويذبح العمر، لا لشئ غير أنها تكشف المستور، وتُظهر المُغيب والمطموس، وما أكثره بزماننا.

ولعل هذا هو السبب فى الزيادة الواضحة فى إقبال الشباب على الرواية، فمعظم المتاح بدور النشر ينتمى لعالم القصة، فيبدو أنهم وجدوا فيما تحويه من خيال ضالتهم فى الهروب من واقع يرونه منفصلاً عن تكوينهم، وغير قادر على تلبية تطلعاتهم  النفسية والاجتماعية قبل الاقتصادية.

لكن حتى على فرض صحة ما ذهبنا له من تفسير، فذاك هروب يمكن أن يدفع للأمام، وإن كان على نحو غير مباشر، إذا ماكان مضمون الرواية يدق أبواب الواقع، ولو عبر حكاوى التاريخ أو أقاصيص الخيال، فالمشكلة الأخطر هى أن يفتقر المجتمع للقراءة  بالكلية، فحينها ينقص وعيه ويفتقد للرؤيا السديدة، ويرقص بعضاً من أفراده فوق مذابح حياتهم كأنهم يرقصون على مسارح أعراسهم.  

دام لنا معرض الكتاب، ودامت لنا أيامه ولياليه الثقافية، فقد كان دوماً بمثابة المائدة التى نتلقف منها ما يثرى عقولنا ويحفظها وينميها، بعيداً عن ظُلمات الجهل ومخططات تغييب الوعى وخلط الأوراق وتزييف الحقائق، التى صار يتبناها - بكل آسى - من يرتدون ثيابنا ويحيون بيننا.