الجمعة 1 مارس 2024

حكاية وطن.. الذباب الإلكتروني واستهداف مصر

مقالات9-2-2024 | 17:12

في عصر الجهل، وفوضى الفضاء الإلكتروني، وانسياق البعض نحو ما هو مثير وربما كاذب بدلا مما هو دقيق وصحيح، لا يتوانى البعض داخليا وخارجيا، عن رمي سهامهم المسمومة باتجاه هذا البلد، في محاولة للانتقاص من دوره الذي يقوم به إقليميا بل ودوليا خاصة دوره في مواجهة تداعيات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة..

فهناك محتوى كبير ينتشر من قبل جهات بعينها، تسعى جاهدة إلى محاولة تشويه الموقف المصري بكافة الأشكال خاصة من العدوان، ومسح الإنجازات الكبيرة التي حملتها الدبلوماسية المصرية إلى جميع المنابر العالمية..

هذا المحتوى لا يمكن أن يكون من إنتاج أفراد فحسب، بل هو عمل منظم، يمتلك الإمكانيات المالية والتكنولوجية والخبراء، لترويجه على نطاق واسع، حيث تسارع هذه الجهات إلى إنتاج محتوى مغلوط ومسيء، ويتفننون في صناعة الأخبار المضللة، والزج بها في شبكة الإنترنت للاستلام مِن قبل مَن لا يحاولون التثبت منها، لتصبح بعدها معلومات رائجة ترسم صورة قاتمة عن هذا البلد، وكأنها على حافة الهاوية أو أنها ضالع في مؤامرة كونية تستهدف العرب والمسلمين، وتسعى إلى نصرة الاحتلال، أو استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر لشحن المواطنين بشكل سلبي!..

هؤلاء هم الذين يطلق عليهم "الذباب الإلكتروني" أو اللجان الإلكترونية، هم أحد أهم أسلحة الحرب الإلكترونية الحديثة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تحتاج إلى تكاليف مالية كبيرة وترسانة فتاكة من الأسلحة، بل مجرد تليفونات وأجهزة كمبيوتر وروبوتات مبرمجة وفيروسات تكفي لإلحاق أضرار وتأجيج صراعات، فالذباب الإلكتروني هو عبارة عن حسابات وهمية مبرمجة وموجهة باتجاه معين، وبطرق ممنهجة تدار عن طريق برمجيات ومواقع تقوم بكتابة التعليقات والإعجابات وإعادة التغريد تلقائيا، حيث تعمل على إنشاء وسوم (Hashtags) أو  ما يعرف بشكل مبسط تحت مسمى "التريند" واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن وجهة نظر معينة، أو الهجوم على وجهة نظر مخالفة، ضد أشخاص أو دول بهدف التأثير على الرأي العام..

ويتم "التريند" و"الهاشتاج" بطريقتين إما عبر الكتائب الإلكترونية تقوم برفع معدل التفاعل، بالنشر وإعادة النشر وتكرار المحتوى على أوسع نطاق، أما الثانية عن طريق دفع أموال للذباب الإلكتروني مقابل برمجة روبوتات تقوم بالإشهار والترويج..

حيث يقوم الذباب الإلكتروني بتسميم الهاشتاج حيث يتم مهاجمة الهاشتاج النشط وإنشاء آخر معاكس له بعدد من الحسابات التي تقوم بتكرار نشر تغريدات موازية من خلال إغراق مواقع التواصل بمحتوى وأفكار معارضة ليتفوق على الأصلي من حيث النشاط وعدد المنشورات، وشن حملة اشاعات منظمة مع استبدال القضية الرئيسية بإثارة قضايا ثانوية، بمعنى خلق أزمة للقضاء عل أزمة وجعلها تبدو وكأنها قضية رأي عام وتمثل رأي الأغلبية، وأن مطالب القضية الرئيسية هم مجرد ـ أقلية، الى أنه في الحقيقة تم تسميم الهاشتاج الذي بدوره يفقد المستخدمين العاديين القدرة على العثور والتفاعل مع المعلومات المتداولة الحقيقية التي نشرها مستخدمون عاديون..

ويعمل "الذباب الإلكتروني" على الانتشار بقوة في مختلف المواقع الإخبارية، وفي صفحات الشخصيات المؤثرة التي لديها صدى ومنتديات ومنصات التواصل المعادية بانتحال صفات واسماء مرتبطة بالدولة المعادية، كذلك استغلال الكونفورميا الاجتماعية السائدة للدولة المستهدفة (الأعراف ،التقاليد، العقائد والأفكار) والتواصل معهم بلهجتهم المحلية لعدم لفت الانتباه ونشر الإشاعات والتحريض على الأعمال التخريبية لخلق بيئة غير مستقرة وتوسيع فجوة الاغتراب بين الدولة وشعبها..

مع تجنيد أشخاص من ذوي التأثير العالي والصفحات المؤثرة دينيا ورياضيات وفنيا واجتماعية بل وفي بعض الأحيان "الصفحات والحسابات الإباحية والجنسية المنحرفة" التي لديها الآلاف وبعضهم لديه الملايين من المتابعين والزج بهم في حرب التغريدات لأن وجهة نظرهم تحظى بقبول جماهيري ولهم صدى واسع، ومنهم من يتم استيعابه عن طريق التهديد ومنهم بالأموال وتضم هذه الفئة كذلك شبكات دولية منظمة متعددة الجنسيات (لوبيات) تقودها دولة ما (الدولة المشغلة لهؤلاء الشخصيات) لكي تدافع عنها بالوكالة وتروج لتوجهاتها ومصالحها الداخلية والخارجية..

 الكتائب الإلكترونية بدعمه ورفع مستوى التفاعل فيه بإبداء الإعجاب والترويج له في أكبر عدد ممكن من المواقع ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي..

بالتلاعب بالصور والفيديوهات بإظهار صور وفيديوهات مفبركة لأحداث غير حقيقية أو وقعت مثلا في الدولة -أ- والدعاية لها عل أنها ملتقطة في الدولة -ب- خاصة القضايا التي عادة ما تثير تفاعل كبير في الأوساط الإعلامية..

ومهاجمة الرأي أو الجهة المعارضة بالشتم، الابتزاز، و"الشخصنة" بتحويل النقاش من فكري حول قضية سياسية أو اجتماعية الى أمور شخصية متعلقة بصاحب المنشور أو الفئة المخالفة..

مع شن حملات التبليغ بشكل جماعي في نفس الوقت أو عبر دفعات ضد الأشخاص والحسابات ومع كثرة التبليغات يقوم موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" بحظر وإخفاء المنشور المبلغ عنه، الذي هو في الأصل مجرد رأي عادي ولا يحتوي على التجريح وإنما تم التبليغ عنه لكي لا ينتشر ويقوم بالتأثير على الرأي العام والتفافه حولها ما ينتج عنه ظهور هاشتاج غير مرغوب فيه..

وبرمجة منشورات وتعليقات تعمل بشكل آلي هدفها الأساسي هو تكرار الشائعات والتعليقات في نفس القضية، فمن كثرة تكرار المحتوى حتى تدخل في لاوعي المتلقي وتصبح مؤثرة عليه، في هذا الصدد يقول يوزف جوبلز وهو وزير الدعاية في ألمانيا النازية: "الدعاية الناجحة يجب أن تحتوي على نقاط قليلة وتعتمد التكرار"!.

وخلال الأيام الماضية، باتت الهجمة كبيرة جدا، وانتشرت الأخبار المضللة بشكل هستيري من جهات تغذيها على مدار الساعة، والأمثلة كثيرة، مثل التشكيك في الجهود المصرية تجاه غزة، وفيما تسعى مصر إلى بناء جسر من المساعدات للقطاع المنكوب، وهي أول من أطلق هذه المبادرة وضغط على الاحتلال لإدخال هذه المساعدات، ما يزال أصحاب الأجندات المشبوهة يروّجون الأكاذيب للنيل من جهودها، وزرع الفتنة في المجتمع، وهو هدف بعيد عن التحقيق في وطن عنوانه الوحدة والتماسك، وكل أزمات التاريخ لم تستطع النيل منه أو التأثير به..

كنت أستمع لتعليقات لغير المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدا تطبيق "تك توك"، على ما تقوم به مصر للأسف فالمعلومات التي يتم تداولها مغلوطة بحسن نية، أو بخبث كبير، وغالبا ما يتم التفاعل عليها من قبل جماعات "متفاهمة" عليها، لاصطياد المغفلين أو غير المنتبهين إلى مقاصدها الأساسية.
ولكن هل جميع المروّجين هم غير مصريبن؟!..

بالتأكيد لا، فهناك فئة قليلة منا انطلى عليها التضليل، واختارت طريقا مغايرا للأكثرية، واستمرأت النهش بسمعة البلد، والاشتراك مع خصوم خارجيين للترويج للأكاذيب والتضليل، وهي غير مدركة، أو ربما مدركة، لخطورة ما تقوم به..

إن مروجي التضليل الخارجيين يسعون لزرع الانقسام بين أفراد الشعب الواحد، وهم لا يتجرأون على انتقاد الدول المقيمين بها، ولا يستطيعون التعبير عن رأيهم فيما يحدث، فيما المصريين لا يتوانون عن تأكيد موقف مصر الثابت برفض الجرائم الإسرائيلية، وضرورة منح الفلسطينيين دولتهم المستقلة..

وكذلك العمل على استغلال - وكما قلت - الظروف الاقتصادية الحالية لشحن المواطنين بشكل سلبي وبما يضعف الجبهة الداخلية للوطن!..

بصراحة؛ أتفهم أن يتعرض مصر لهجمات ومحاولة اغتيال للمواقف من قبل بعض الأجندات الخارجية، لكن ما لا يمكن تفهمه أن ينبري بعضنا للتشكيك في مصداقية بلده. هذه خيانة لمصر..

وكذلك، لا أتفهم غياب النشطاء المصريين بشكل حقيقي عن مواقع التواصل الاجتماعي، وهم كثر ويمتلكون أدوات جيدة لمواجهة التضليل، وتفنيد الافتراءات..

الحقيقة أن الذباب الإلكترونى، بدأ ينتشر بشكل مخيف، على مواقع التفسخ الاجتماعى "فيس بوك وتويتر وإنستجرام"، متبنيا حملات عنيفة تستهدف العقل الجمعى المصرى، وإصابته بتشويش خطير، والجلوس لمراقبة كل خطأ مهما كان حجمه، ومهما كان مجاله، وتحويله إلى أزمة خطيرة، مع نشر الإحباط والتشكيك والتسخيف، والعمل على تدمير أعمدة الانتماء للوطن، ليصير المواطن أسيرا للإحباط، ومن ثم يصبح رقما مهما فى معادلة الهدم وإثارة الفوضى..
 
حملات صناعة الأزمات، متلاحقة ومكثفة، وضاغطة بشكل مرتب ومغلفة بدهاء وخبث شديدين، ومقدمة فى شكل جرعة الخوف على مصلحة المواطن، ومستقبل أبنائه، وتوعيته من السقوط فى مستنقع الكذب والخداع الذى تمارسه الحكومة، وتصدير أن الدولة تهتم بالأغنياء فقط، وتزيد من أعباء البسطاء والغلابة..

إن الجميع مطالبين الآن عاجلا وليس آجلا..
بأن لا يتركوا الميدان لروايات مضللة كاذبة!..