الثلاثاء 16 ابريل 2024

إن أشعلوها.. فنحن لها!!

مقالات14-2-2024 | 21:06

وما كان "عنترة بن شداد" شيئاً دخيلاً على  الجسد العربي، فلقد وُلِدَ في مجتمعٍ قبَليٍّ يحتفي أشد الاحتفاء بمظاهر القوة وعناصرها التي تضمن السيطرةَ وحِفْظَ الحقوقِ في عصرٍ كثرتْ فيه الأخطار الداخلية من هجمات القبائل واقتتالها على أسباب الحياة وموارد العيْش، أو الأخطارُ الخارجيةُ من محاولات القوتين العظميين-الفرس والروم-آنذاك تطويعَ القبائل المتاخمة لحدودهما؛ استباقاً لهجمات اللصوص،أو تعطيلاً لهجمات إحداهما على الأخرى، لقد كان المجتمع العربي يعتدُّ بميلاد ذَكَرٍ أو شاعرٍ أو فرَسٍ..!! وكلها أهم أدوات القوة، وتحقيق المنعة في المعارك، وذخيرةٌ دائمةٌ تضمن لهم عدم الاستسلام حرباً بمواصلة القتال أيًّا كان السبب والثمن، وتضمن لهم عدم الاستسلام سلْماً وقت المفاخرة ببطولاتهم والتغني بأيامهم؛وإن كان "عنترة بن شداد"فارساً فريداً يصعب مقارنة غيره به،إلا أن هناك نُسَخاً تقاربه من شجعان القبائل وصناديدهم،وحينما يقول:
(بكَرَت تُخَوِّفني الحُتوفَ كَأَنَّني-أَصبَحتُ عَن غَرَضِ الحُتوفِ بِمَعزِلِ/ فَأَجَبتُها إِنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ-لا بُدَّ أَن أُسقى بِكَأسِ المَنهَلِ/فَاِقِني حَياءَكِ لا أَبا لَكِ وَاعلَمي-
أَنّي امرُؤٌ سَأَموتُ إِن لَم أُقتَلِ)
أقول إن"عنترة" يعجب من هذي التي تحاول أن تثنيه عن كثرة مشاركاته في الحروب والتعرُّض لأخطارها.. سواء أكانت التي يخاطبها حبيبته أو نفسه التي بين جنبيه أو حتى أنثى مُخْترَعة وجَّه إليها خطابه؛ فالموت قدرُ كلِّ إنسانٍ يدبُّ على الأرض،والعاقل لا يتصور أن مهادنة الأعداء قد تطيل الأعمار،كما أن قتالهم قد يُنْقص من الأعمار يوماً واحداً، ليأتي الختام يحمل ما نريد تأكيده..فلم يكن باحثاً عن إشعال الحرب لكنها إذا اشتعلت فلن يتردد لحظةً في الإقدام عليها دونما ندمٍ بعد ذلك كما يقول في هذا البيت(إِذا حُمِلتُ عَلى الكَريهَةِ لَم أَقُل-بَعدَ الكَريهَةِ لَيتَني لَم أَفعَلِ!!)
وهكذا كان العرب بعد الإسلام لا يهابون الموت،والتاريخ الإسلامي يحفظ قصصاً باهرةً تدل على الإقبال على أسباب الشهادة برضا وطِيبِ نفسٍ،مثلما حدث من الصحابي الجليل"خُبَيْبٌ بنُ عَدِيٍّ"الأنصاري رضي الله عنه حينما أسره المشركون وأجمعوا على قتٍله قال:(فلستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِماً-على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعي/ولستُ بمبدٍ للعدو تخشُّعاً-ولا جزَعَاً، إنّي إلى الله مَرجِعي!!) فالقضية ليست متى.. ولكن..كيف الختام؛فالكل عائدٌ ومغادِرٌ سواء شارك في القتال أو قعد،لكن أية قضيةٍ عشتَ من أجلها وبذلتَ روحَك في سبيلها واضعاً نصْبَ عينيك قولةَ سيف الله المسلول"خالد بن الوليد"في لحظات احتضاره وهو الذي شارك في ما يزيد عن مائة معركةٍ،وليس في جسده موضعٌ إلا وفيه طعنةٌ برمحٍ أو ضربةٌ بسيفٍ،ويحزن لأنه لم ينلْ الشهادة التي سعى إليها كثيراً..!!
وهكذا كانت"مصر"من قديم الأزل مثلما يقول "عنترة"(إِذا حُمِلتُ عَلى الكَريهَةِ لَم أَقُل-بَعدَ الكَريهَةِ لَيتَني لَم أَفعَلِ!!)؛فلم تكن بادئةً بالعدوان في جميع حروبها،والمتأمل في تاريخها يجدها من فجْر التاريخ تدافع عن أرضها وتدفع الأخطار التي تهدد عمقها الاستراتيجي،إن التاريخ ليحتفظُ بكفاحنا ضد الهكسوس والحيثيين ومملكة قادش والفرس والروم،لم نكن البادئين في الصراع مع صليبي أوروبا أو المغول..!! أجل...نحن لا نشعلها لكننا لا نهابُها، وترخُص أرواحُنا في الدفاع عن وطننا وأمتنا.. تلك عقيدتُنا شعباً وجيشاً، أقول ذلك بعدما ارتفع نعيقُ بعض غربان الصهاينة بعد فشلهم في مواجهة المقاومة الفلسطينية يستديرون الآن لإلقاء الاتهامات ومحاولة خلْط الأوراق هروباً من المساءلة السياسية،وإطالة أمد الصراع..!!إن حرب الاستنزاف والسادس من أكتوبر لم ننْسَها،وإذا تناسوها أو سقطت من ذاكرتهم كالتلميذ الخائب.. فنحن قادرون على تكرار الدرس تفصيليا مرات عديدة،ولن تُعيقنا معاهدةُ سلامٍ،ولن تغلَّ إرادتنا وقرارتنا وريقاتُ "كامب ديفيد"المهترئة.. فليشعلوها إن أرادوا.. فنحن لها!!
ولا أجد ختاماً خيراً من أبيات للشاعر الفلسطيني الشهيد"عبد الرحيم محمود"المولود في إحدى قرى"طولكرم"وبعد تخرجه عمل في الشرطة في مدينة الناصرة لمدة ثلاثة أشهر، حتى إذا طُلب منه ذات يومٍ أن يُلقي القبضَ على أحد الوطنيين، أبَى وقدم استقالته.وفور اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936التحق بصفوف الثوار،وفراراً من ملاحقة سلطات الاحتلال  يلجأ إلى"دمشق"ثم "بغداد" حيث انتسب إلى الكلية العسكرية العراقية سنة (1939- 1940) وتخرّج فيها برتبة ملازم،وعقب صدور قرار تقسيم فلسطين الدولي واندلاع القتال بين العرب واليهود ينضم شاعرنا إلى"جيش الإنقاذ" الذي شكّلته "الجامعة العربية" من المتطوعين العرب لنصرة فلسطين؛ليقود سريّةً من "فوج حطين" أحد أفواج "جيش الإنقاذ" ويحارب القوات الصهيونية في معاركَ عدةٍ في مرْج"ابن عامر"و"الناصرة" لينال الشهادة في معركة "الشجرة"بالقرب من "طبريا"أجل...يأتي الختام يحمل ما نحيا عليه...وأيضا نموت عليه:
(سَأَحمِلُ روحي عَلى راحَتي-وَأَلقي بِها في مَهاوي الرَّدى/فَإِمّا حَياةٌ تَسُرُّ الصَديقَ-وَإِمّا مَماتٌ يَغيظُ العِدى/وَنَفسُ الشَريفِ لَها غايَتانِ-وُرودُ المَنايا وَنَيلُ المُنى/
وَما العَيشُ لا عِشتَ إِن لَم أَكُن-مخَوفَ الجِنابِ حَرامَ الحِمى/لَعَمرُكَ إِنّي أَرى مَصرَعي-وَلكِن أَغذُّ إِلَيهِ الخُطى/أَرى مَقتَلي دونَ حَقّي السَليب-وَدونَ بِلادي هُوَ المُبتَغى).