الثلاثاء 16 ابريل 2024

أرضٌ.. تتحدَّى الموت!!

مقالات28-2-2024 | 19:05

أجلس كي أكتبَ.. ماذا أكتبُ!! ما جدوى القولْ!!/
يا أهلي.. يا بلدي.. يا شعبي
ما أحقرَ أن أجلس كي أكتب في هذا اليومْ/هل أحمي أهلي بالكلمةْ!!/هل أنقذ بلدي بالكلمةْ!!/كل الكلمات اليومْ/مِلْحٌ لا يورقُ أو يزهرُ في هذا الليلْ)
من يظن أن هذا المشهد البطوليَّ الفلسطيني -شعباً ومقاومةً- والذي تتبدَّى صورُه يومياً على شاشات التلفاز أو تحمله كلُّ وسائل التواصل مسموعةً كانت أو مقروءةً وليدُ اللحظة فقد جانبَه الصوابُ.. لماذا؟!! لأنه لم يقرأ تاريخَنا قراءةً واعيةً منصفةّ، والمستَغْرَب أن معظم من يتصدرون المشهد قد وقعوا في هذا الفخِّ؛ لأنهم قد حِيلَ بينهم وبين ولوج عتبات التاريخ الحقيقي للأمة، فاكتفوا بالنظرة العجلى شأنُهم شأنُ ما يدور حولنا من مظاهر حياتية تأبى التمهُّل أو التمعُّن متعللين بإيقاع الحياة اللاهث، ممتطين خيول العولمة والسماء المفتوحة، وراطنين تماماً بمفردات أعدائنا مثلما ترطن ألسنتُهم...ولا يدرون أن الثمن فادحٌ سيبدو آخر المطاف بذوبان هويَّتنا العربية والإسلامية؛لتصير الأجيال القادمة مُسوخاً مشوهةً مُنْبتَّةَ الصلة بأرضها وتاريخها وقِيَمها الأصيلة التي تأبى الضيم،ولا تفرط في حفنة ترابٍ من أوطاننا،إنها قيَمُنا التي يتوارثها الأحفاد عن الأجداد، هكذا يجب أن يُقْرأَ ما وراء هذا المشهد البطولي الدامي الدائر الآن في الأرض الفلسطينية المحتلة سواء كانت"الضفة الغربية"أو"قطاع غزة"أو "عرب ثمانيةٍ وأربعين"فلم يستطع الاحتلال استلاب أصولهم والعبث بكينونتهم، إن وراء هذا المشهدِ النازفِ ملاحمَ متعاقبةً رائعةً من الصمود، ومآثرَ تُروَى من التضحية بالنفس حفاظاً على الأرض والعرض، لتظل "فلسطين"آخرَ ما تنطقه في النزع الأخير شفاهُ الشهداء،وأدْومَ ما يجب أن تحيا تردَّده ألسنةُ الشعراء و تسْطُرَه أقلامُ المبدعين تمسُّكاً بالأرض، وإعلاءً لراية وطنٍ تشكَّلتْ تضاريسُه من عِظام أبنائه، وارتوتْ حبًَاتُ ثراه من دماء مناضليه و ضحاياه، وتعطَّرتْ بدموع الأرامل و الثكالى، وأحزانِ قلوب صغاره التي تأبى الترنُّح ولو كانت المصائب فادحةً..!!
(في بَهْرةِ الذهول والضياعْ/ 
أضاء قنديلٌ إلهيًٌ حنايا قلبه،وشعَّ في العينين وهْج جمرتين/
وأطبق المفكرةْ/وهبَّ مازن الفتى الشجاعْ/يحمل عبء حبه/وكلَّ همِّ أرضه وشعبه/وكل أشتات المنى المبعثرةْ!!/....:ماضٍ أنا أماه/ماضٍ مع الرفاق
لموعدي/راضٍ عن المصيرْ/أحمله كصخرةٌ مشدودة في عنقي/فمِنْ هنا منطلَقي/وكل ما لدي كل النبض والحب والإيثار والعبادةْ/أبذله لأجلها.. للأرض مَهْراً،فما أعزُّ منك يا...أماه،إلا الأرضْ!!
:ياولدي!! ياكبدي!!
:أماه، موكب الفرح لم يأت بعدْ/لكنه لابد أن يجيء
يحدو خطاه المجدْ/
:يا ولدي..يا../:لا تحزني إذا سقطتُ قبل موعد الوصولٍ/ فدرْبُنا طويلةٌ شقيةٌ..ودون موعدالوصول ترتمي على المدى
سواحل الليل الجهنميَّةْ/
نعبرها على مشاعل الدماء
لكن.. يجيء بعدنا الفرح/
لا بد من مجيئه هذا الفرح/
فيتساوى الأخْذُ والعطاء
:يا ولدي...اذهبْ!!وحوًَطتْه أمُّه بسورتي قرآنْ/اذهب!! وعوذته باسم الله والفرقانْ/كان مازن الفتى الأمير سيد الفرسانْ/كان مجدها وكبرياءها وكانْ/عطاءَها الكبيرَ للأوطانْ!)
ويلتقط قلمُ أمِّ شعراء المقاومة الفلسطينية الشاعرة"فدوى طوقان" إحدى البطولات الملهِمة لاستحضارها روحاً ومعنى، لشحْذ الهمم التى ما توانت لحظةً لما دعا داعي الجهاد،إنه الفدائي الشهيد" مازن أبو غزالة"ورفاقه المجاهدون في الثلاثين من سبتمبر عام سبعةٍ وستين اندلعتْ واحدةٌ من أشد معارك المقاومة في روابي"طوباس"محافظة "نابلس"فبعد مقاومةٍ عنيدةٍ واشتباكات استمرت ثلاثة أيام، نفدتْ الذخيرة وأصبح"مازن أبو غزالة" والعدو وجهاً لوجهٍ، وبعد أن تمكَّن من تغطية انسحاب رفاقه، أخذ من وسطه قنبلتين فجَّرهما بين يديه،ليتمزق ومعه عددٌ من جنود الصهاينة المحيطين به،وقد وُجِدتْ في مفكرة الفدائي الشهيد كلماتٌ تفوح عزيمةً وصدقاً كتبها بتاريخ الخامس عشر من شهر يونيو شهر النكسة والأحزان، من هذه الكلمات "يا أهلي، يا شعبي، ماذا أكتب ولمن أكتب؟ أرجو ألا أكتب إلا رسالة نصر"..!!

يأتي مطلع القصيدة الذي تصدَّر مطلع المقال مستلهما كلمات الفدائي الشهيد؛لتعلنها"فدوى طوقان"مدويةً تعلن أن جهاد القلم لا يمكن أن يكون بديلاً لجهاد السلاح رغم إنها تحملت الضغوط الهائلة لتهريب قصائدها الرائعة، التي أبدعتْها قبل أن تلمع في أفق شعر المقاومة أسماء شعرائها الشباب الجدد..أمثال "درويش والقاسم وزياد".. 
أقول إنها تحمّلتْ الضغوط الهائلة والمخاطر لتهريب قصائدها إلي وسائل الإعلام العربية من خلف أسوار السجن الكبير الذي فرضه العدو على بلدات الضفة الغربية ومنها "نابلس"محل إقامة" فدوى طوقان"،ومن بين تلك القصائد الرائعة"الفدائي والأرض"التي اتسمت لغتُها  بالكثير من الإيحاء والرمزية، مستخدمةً أسلوباً تميَّز بالتكثيف والاختزال،والطابع السردي القصصي المشوق،دون إغفال توظيف الشاعرة الحوارَ الكاشفَ دوافعَ الأم والفدائي النفسيةَ ونظرةَ كلٍّ منهما للوطن والتضحية في سبيله،فمرّةً يتحدث الفدائي محاولاً التسريةَ عن أمه وهو يدرك أن  تلك اللحظة قد تكون الأخيرةَ في رؤيتهما بعضيهما،ولا تناديه الأم إلا بـ'ياولدي..يا كبدي'ليكون النداء الأول مذكِّراً الدنيا بمعاناة الحمل والولادة وتبعات الأمومة وذلك أدْعَى لبيان التضحية، والثاني مُذكُّراً بقيمة الابن ووجوده كالكبد بين أجهزة جسمها،ورغم تراثيةِ الوصف'وإنما أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض'مثلما يقول الشاعر القديم إلا أننا نستشعر طزاجته وبكارته لصدق قائلته؛فليست النائحة الثكلى كالمستأجرة؛لتنتهي الدفقة بوصْف ما فعلتْه بابنها من تعويذه بالقرآن وإحاطته بالرجاء في وجه الله... لحظةٌ تذكرنا بما وهبتْ"امرأةُ عمران"مافي بطنها خالصاً لله،وبرجاء "أم موسى" حينما ألقتْ وليدها في اليمِّ ..!!
(في خيمة الليل وفي رحابة العراء/قامت تصلي ...ورفعتْ إلى السماء وجهها/وكانت السماء...تطفح بالنجوم والألغازْ/..يا يوم أسلمتْه للحياة..عجينةً صغيرةً مطيَّبةْ/ بكل ما في أرضنا من طيبْ/يا يومَ ألقمتْه ثديَها الخصيبْ/
وعانقتْ نشوتَها.. واكتشفتْ معنى وجودها في دَرَّة الحليبٍ!!/:يا ولدي..يا كبدي من أجل هذا اليوم...من أجله ولدتكْ/
من أجله أرضعتكْ...من أجله منحتكْ/دمِي وكلَّ النبض/وكل ما يمكن أن تمنحه أمومةْ/يا ولدي...يا غرسةً كريمةْ/اقتلعت من أرضها الكريمةْ/اذهب..فما أعز منك يابُنيَّ إلا الأرض!) امتزجت"فدوى طوقان"بأم الشهيد امتزاجاً يستحيل فصلُهما فكأن أم الشهيد والشاعرة وكل أمهات فلسطين على درب التضحية والفداء سائراتٌ لا يبخلن بفلذات أكبادهن ورغم هول المصاب وفداحة الثمن إلا أن ما يطيب الخواطر ويُشعر القلوب بالرضا تطابقُ ختامِ رؤية الأبناء والأمهات في إعلاء قيمة الأوطان فالفدائي يقول لأمه:'..فما أعزُّ منك يا..أماه إلاالأرض!'
والأم تقول:'..اذهب..فما أعزُّ منك يابُنيَّ إلا الأرض!) إن وصْفَ الشاعرة حالةَ الأم بعد  ذهاب الاِبن،إذْ أخذتْ تصلي ليلا في فضاء عارٍ وسماءٍ مليئة بالنجوم تدعو لابنها وترثيه، وتتذكر لحظات ولادته وإرضاعها له، وكيف  تكونت علاقة حبٍّ أبدية بينهما،لتعود ذاكرةً أنها ما ولدتْه أو أرضعتْه أو منحتْه كلَّ شيءٍ إلا ليدافع عن الأرض التي هي أعزُّ منه رغم أنه غرسةٌ كريمة؛حيث تبرع"فدوى طوقان"في رسم تضاريس النص نفسياً ومكانياً منذ بدء القصيدة حتى ختامها معتمدةً على معجم لغويٍّ ينضح بعشْقِ أرض "فلسطين" واستعذاب التضحية والفداء في سبيل تحريرها؛ليتجسَّد عشْقُ الأرض في مفردات 'بلادي،الأرض الكريمة، الصخرة، غرسة كريمة'، ويتشكَّلَ استعذابُ التضحية في مفردات' الموت،مشاعل الدماء،راض عن المصير،الفتى الشجاع، 
أبذله لأجلها،النفس الضائع، دائرة الموت،النجم الهاوي'
حيث يبين الانسجامُ بين مفردات حب الأرض وبين مفردات التضحية؛ليأتي الختامُ سجلاً حياً معبراً بلوحات الشاعرة وصورها الحية لطبيعة أرضٍ تمتزج بالإنسان وقضيته امتزاج حياةٌ ومصيرٍ، وتنطلق من خلال قصائدها مفرداتُ "فلسطين" بأماكنها وأعلام بلداتها؛لتسكن ذاكرة الروح العربية،فلا تنسى"نابلس وبيسان وطوباس ورفيديا،  لتصير جغرافيا الشعر الحية مجسِّدةً"فلسطين" لفظاً ومعنى وبشراً وتضاريس..!! لنترككم ولوحةَ الختام... وهزَّاتِ الشعر المتوثب المتجاوزِ دائرةَ الرؤيا والتصور المحرًُكِ الهممَ القادحِ زِنادَ الحسُّ القوميِّ والوعي بقضية العرب الأولى: فلسطين!!
("طوباس"وراء الربواتْ/
آذانٌ تتوتَّرُ في الظلماتْ/ 
وعيونٌ هاجَر منها النومْ/
الريحُ وراء حدود الصمتٍ/
تندلع..تدمدم في الربواتْ/
تلهث خلف النفَسِ الضائعِ
تركض في دائرة الموتْ!!/
يا ألفَ هلَا بالموتْ!/واحترق النجمُ الهاوي ومَرَقْ!!/عبْر الربواتْ...بوقاً مشتعل الصوتْ/ زارعاً الإشعاعَ الحيَّ على الربواتْ/في أرضٍ لن يقهرها الموتٍ!!/أبدا لن يقهرها الموتْ!.