الثلاثاء 25 يونيو 2024

سهرة مع فيلم قديم

مقالات29-2-2024 | 16:23

كانت برامج المساء والسهرة في الماضي تحتوي غالبًا على فيلم يتم عرضه قبل ختام الإرسال بزمن قليل، كنا ننتظر الإعلان عن اسمه في كل مرة باهتمام وشغف شديد، وأما عن هذا الفيلم الذي سأسرد لكم قصتي وحكايتي معه فهو فيلم "يوم من عمري" الذي قام ببطولته الفنان"عبد الحليم حافظ" والذي قاسمته البطولة فيه الفنانة الجميلة"زبيدة ثروت"، كنت حينها أنا وشقيقتاي في مرحلة المراهقة، كانت إحدانا تسبق الأخرى بفارق زمني قصير. 

كان بعض الآباء المتشددين يحرمون مشاهدة بعض الأفلام على بناتهن وعلى رأس تلك الأفلام؛ أفلام الفنان عبد الحليم حافظ، حيث كانت أفلامه في مقدمة قوائم المنع والتحريم، خاصة أنها كانت تخاطب العاطفة وتدعو من بين السطور إلى استحضار مشاعر الحب، ذلك الكائن المخيف والخطير من وجهة نظرهم. 

الأحداث بدأت بهذا المشهد الذي كان متداولًا في الزمن الجميل، حين أطلت علينا إحدى مذيعات الربط لتعلن قائمة برامج المساء والسهرة حتى جاءت لحظة إفصاحها عن اسم الفيلم وعن أبطاله بكل رقي وهدوء، وماأن أتممت قراءتها حتى تهللنا وسعدنا بأننا سوف نشاهد هذا الفيلم الذي نحبه بشكل كبير، وفجأة ظهرت علامات القلق على وجه أبي. 

ولأننا نعلم الكثير عن طباعه الحادة آثرنا الصمت وتركنا الحديث لأمي نائبة عنا وكنا نأمل أن تقوم بإقناعه في هذه المرة فيتركنا نستمتع بمشاهدة هذا الفيلم الذي كانت تتخلله بعض المشاهد الكوميدية التي أداها الفنان"عبد السلام النابلسي" رحمة الله عليه وعلى الجميع. 

قرر والدي ألا يخضع لرغباتنا في البداية إلى أن توسلت له أمي وهى تقول:"خليهم يتفرجوا على الفيلم ولو جت مشاهد مش تمام هاخليهم يحولوا القناة أو يقفلوه، ادخل نام واطمن أنا قاعدة معاهم" وبالفعل وافق أبي على هذا المقترح وتوجه إلى غرفة نومه مطمئنًا إلى حد كبير. 

وبعد دقائق من عرض الفيلم راحت أمي في نوبة نوم عميق، فهى لم تكن لتدخر جهدًا في سبيل خدمتنا طوال ساعات النهار، وجاءت اللحظة التي سيتحول فيها هذا السكون إلى ثورة من الغضب ترفعنا وتخفضنا وتعرضنا للتوبيخ العظيم، حدث هذا على وجه التحديد عند تلك اللقطة التي جلست فيها الفنانة الجميلة "زبيدة ثروت" على هذا الكرسي الهزاز المريح وهى تستمع بقلبها لأغنية"بأمر الحب"، وقد تخلل المشهد العديد من اللقطات التي تعلن ميلاد حب كبير.  

وكلما اقتربا من بعضهما البعض كنا نتوسل إليهما أن يبتعدا، وكأنهما سيسمعان لندائنا، وحدث ماكنا نتوقعه بالفعل، حين استيقظ أبي فجأة ليشاركنا هذا المشهد، لم ننتبه لوجوده إلا عندما سمعناه وهو يقول:" قولوا لي منتظرين إيه بعد كده، عاجبكم المنظر ده؟، ماهو لو عاجبكم يبقى أنا ماعرفتش أربيكم ولازم تتربوا من أول وجديد". 

أرى الدهشة ترتسم على بعض الوجوه الآن، خاصة وجوه هؤلاء الفتيات الصغيرات اللاتي يعشن إلى جوارنا في زمن العولمة الذي لاتحده حدود، وأعود ثانية لقصتي التي لم تتوقف عند اعتذارنا لأبينا ومبادرتنا بإغلاق جهاز التليفزيون بأيدينا، حقنًا للشجار ومنعًا للزيادة والتعقيب. 

لم يكتفي أبي بهذا بل قام بانتزاع الأسلاك الموصلة لجهاز التليفزيون، جذبها بقوة وهو يعاتب أمي على لحظات نومها، وراح يلومها كأننا ارتكبنا أبشع الجرائم وأقساها، ثم أقسم أن يضع هذا الجهاز داخل صندوقه الموجود فوق سطح دولاب حجرة نومه، ومرت الأيام واستسلمنا لما فعله، فما باليد حيلة كما يقولون. 

الغريب أنني كلما تخيلت موقف أبي هذا كلما زادت حيرتي، فأنا لم أقدر حجم مخاوفه التي كنت أمقتها وأصفها بالمبالغ فيها، لكنني الآن أدركت سبب ثورته وأحسست بمشاعره التي كانت تؤرقه، وتذكرت هذا السيل الجارف الذي يصب سفوره وجرأته علينا صبًا من كل منفذ، داخل بيوتنا وخارجها، يصب في عقول وقلوب أبنائنا مالانحب ومالانريد، حتى أننا أصبحنا نستجير من أثره الذي ذهب معه بخجل أطفالنا، وانتزع معه حياء شبابنا، إلا من رحم ربي.

الاكثر قراءة