الأربعاء 29 مايو 2024

أقلام جديدة

مقالات6-4-2024 | 17:56

من أجمل المسابقات التي تعقد هي مسابقة كتابة النص المسرحي، في مصر هناك مسابقات في وزارة الثقافة والجامعات وبين دور النشر الخاصة وبعض المهرجانات المسرحية العربية خاصة مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح وكل ذلك أمر طيب يحقق أكثر من هدف أهمها تغذية الثقافة المسرحية بروافد من إبداع جديد يضاف لتراث عظيم من النصوص في اللغة العربية عامة.. يحالفني الحظ أحيانا أن أكون عضوا في لجان القراءة لبعض تلك المسابقات، أو أحرص على اقتنائها بعد النشر وهذا جهد يحترم لاكتشاف أقلام جديدة أو متابعة تطور أقلام بدأت بالفعل من كتابنا.

 هنا أقدم قراءة لأقلام جديدة واعدة تحمل أفكار وتكنيك جديد يتوافق مع رؤاهم وعصرهم الذي نعيش فيه، لكنهم  يرونه بصورة مغايرة عن مايراه غيرهم بحكم العمر والخبرة، نصان جمع صاحبهما نفس الطريق ، خاضا تجارب في الإعداد والإخراج والتمثيل في المسرح، وتلك تجارب هامة للمؤلف المسرحي تثقل خبرته فيعرف كيف يزن الكلمة بميزان الأداء والحوار بين شخصية وأخرى وضبط الإيقاع لكل كلمة وجملة مع حركة الممثل على المسرح.

 النص الأول بعنوان (آخر أيام الأرض) الذي فاز به يوسف المنصور بجائزة أفضل نص في مسابقة مهرجان المسرح العربي التي أقيمت في بغداد مطلع هذا العام والذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح كل عام، أي أن الهيئة تطرح لنا كل عام زهور من تربة الأرض العربية.. ويوسف عرفناه معد ومخرج لتجربة جميلة حازت قبول جماهيري واسع حين فدم (أفراح القبة) في مسرح الشباب، ثم خاض نفس التجربة بإعداد وإخراج روايتي (أم العروسة والحفيد) للمسرح القومي.

عنوان النص يثير كثيرا من التساؤلات خاصة (آخر أيام الأرض) من هذه التساؤلات : ما المقصود بآخر أيام ومتى حدث أو يحدث ذلك؟ وهل المقصود خيال أم حقيقة من وجه نظرالكاتب؟ وما الذي يمكن أن يحدث على الأرض في أخر أيامها؟ وهل قصد الكاتب الأرض التي نحيا عليها أم يقصد أرضا أخرى أو جزء من كوكب الأرض؟

كثيرة هى التساؤلات التي يضعنا أمامها عنوان النص المسرحي وعلينا ونحن نقرأ أن نصل لبعض أو كل إجاباتها.. يبدأ النص في بلاد العم سام "الولايات المتحدة "بمجموعة من الباحثين العرب ممن يعيشون بها، يدرسون ويعملون في مركز بحثي خاص بعلوم الفضاء والأبحاث البيلوجية الحديثة بهدف الكشف عن قوى مغناطيسية ما تحرك الإنسان في عالم مجهول، يتحدون أنفسهم كما يتحدون بعضهم البعض لأثبات آرائهم العلمية وفجأة يحدث خطأ علمي يؤدي بهم إلى العودة في الزمان والمكان لمملكة قديمة مجهول تاريخها ووقائعها.

تدور الأحداث الدرامية للمسرحية بين زمنين  كما يذكر المؤلف في مفتتح النص (الزمن الحاضر في الولايات المتحدة لمجموعة من العلماء العرب والزمن الماض من آلاف السنين في حضارة أطلانتس قبيل غرقها)، إذن هناك زمنين بينهما آلاف السنين ومكانين بينهما الآف أيضا الأميال، وفي الماضي و الحاضر علماء يهتمون بالعلم ولكن خارج بلادهم.

 في الزمن الحاضر في أمريكا هناك التكالب على اختراع أو اكتشاف جديد في أي مجال وبدون أي هدف سوى اثبات أي سبق علمي حتى لو لم يفيد البشرية في شئ وكان من دلائل هذا في النص تعدد جنسيات العلماء ولذا اختار الكاتب الولايات المتحدة مكان بداية الحدث، حيث ينشغل العلماء بالبحث في القوى المغناطيسية التي تشكلها الحجارة في جوار جزيرة قبرص حين كانت من قرون بعيدة مقر مملكة (أطلانتس ) ثم فنيت في قاع البحر ويشكل هذا الفناء سؤال غامض يحاول العلماء الإجابة عنه.

 وبعد جهود وإرسال غواصات ذات إمكانات هائلة، يحصلون على قطعة ضئلة من حجارة المملكة والتي بمجرد أن لمسها العالمان العربيان عمر وسيرين، ينتقلان في المكان  من أمريكا إلى جزيرة أتلانتس بينما يظل جسديهما في مكانهما. فهل تفيد هذه العودة في الزمان والمكان العلم في شيء؟ سؤال هام وتتم الإجابة عنه طوال أحداث المسرحية.. في أطلانتس وتحديدا القصر حيث يعيش القيصر وزوجته وحاشيته وحراسه تفوح روائح المؤامرات والفساد والطمع والتأمر من الجميع على الجميع، وكل هذا بدأ من ضعف القيصر وتسلط زوجته وعدم إخلاصها له.

بمتابعة هذا يكتشف العالمان عمر وسيرين السبب الجوهري لسقوط مملكة  كبيرة وعريقة مثل أطلانتس، فإلى جانب التأمر والفساد وتناحرالقوى تبقى المشكلة الأكبر أي خيانة الوطن وتضاؤل الحرص عليه أمام الأطماع الشخصية المسيطرة على الجميع، لذا ينتهي الأمر بالفناء للمملكة وحكامها وشعبها وتمحى تماما من على وجه الأرض ويعجز العلماء في التوصل لأسباب ذالك الفناء .النص عميق بالدلالات والمعاني عن دور العلم في أي عصر ، عن هجرة العلماء العرب للغرب ، عن غياب الوعي السياسي في الحكم، عن إهمال الشعوب وهدرحقوقها.. تميزت لغة النص بالتكثيف ووضوح المعنى،ويستحق أن يعرض على المسرح بعد أن توج بجائزة كبيرة.

النص الأخر فاز بالجائزة الثانية في مسابقة النص المسرحي التى نظمها العام الماضي المهرجان القومي للمسرح في القاهرة في خطوة هامة يستحق الفنان محمد رياض وياسر صادق الشكر، حيث حصل ثلاثة نصوص بأقلام شابة على جوائز المهرجان مما يعني ضخ أفكار ولغات جديدة للمسرح ،جاءت النصوص الثلاثة لأقلام جديدة لكن لديهم روح المغامرة والمحبة للمسرح، من بينهم نص تحول لعرض مسرحي عرض بالفعل أي نص (النصف الثاني من الطريق) للكاتب والمخرج أحمد رجائي.

ولرجائي تجارب سابقة في الإعداد والإخراج المسرحي مع فريق من شباب الهواة تدعو لللإعجاب، مكونين فرقة "سودوكو" منهم من يمثل ويغني ويخرج وينفذ المنظرالمسرحي ، حين أتأمل جهدهم أشعر بالاطمئنان على الفن المسرحي في مصر.

في نص رجائي (النصف الأخر من الطريق) معاني كثيرة تتولد في ذهنك مالمقصود بالنصف الأخر هل هو النصف الحلو أم العكس؟ وأي طريق يقصد طريق البشرية جميعا أم طريق شخصيات المسرحية ؟ وهذه التساؤلات تشكل عامل جذب وتشويق تدفعك – كقارئ أو متفرج – إلى متابعة الأحداث ربما وصلت لإجابة تساؤلاتك ، وربما دفعت انت بنفسك لإيجاد اجابات تخصك بعد أن شاهدت تجربة بطل المسرحية "وحيد ".

يقيم المؤلف فكرة النص على كلمة نقلت عن الرائد المسرحي يوسف وهبي " الدنيا مسرح كبير"، فالحركة الدرامية في الحياة ربما كانت أكبر من أي عمل درامي شاهدناه سواء في المسرح أوالسينما أو التليفزيون.

نلتقي "وحيد" من صغره وهو طفل لديه أحلام وأمال كبيرة وعثرات وانتصارات تختلط  مع أبطال نصوص مسرحية مثل (هاملت – ساحرات ماكبث –بيت الدمية – حلم يوسف ) في بناء حر يشير ويفهم من خلال تجارب الأخر، الذي لايكون فقط سبب للألم بل ودافع أهم للأمل وتخطي الصعاب.

الأمر صعب في الكتابة ويؤشر لموهبة أصيلة عند رجائي، والأصعب في تنفيذ النص على المسرح، هناك تحول وتبدل في الأدوار، قطع في الزمان والمكان يحتاج لياقة بدنية وأدائية من الممثلين، وما يسعدني أن أجدهم على قدر كبير من التوفيق رغم كل تلك الصعوبات ودائما ما يفاجئني فريق سودوكو بحبهم للمسرح.