الخميس 25 يوليو 2024

الموقف الصيني من النزاع «الروسي ـ الأوكراني».. هل تغير بعد زيارة بوتين الأخيرة؟

مقالات27-5-2024 | 16:06

 الموقف الصيني من النزاع الروسي ـ الأوكراني حتى هذه اللحظة يكتنفه الغموض، فالصين لا تريد الحديث عن موقف محدد من القضية ومبادرتها التي أطلقتها في شهر فبراير من العام الماضي والتي أطلقت عليها الخارجية الصينية "موقف الصين الخاص بالتسوية السياسية للأزمة الأوكرانية".

كان الموقف الصيني مكون من 12 نقطة وهي كالتالي:

1 ـ احترام سيادة كافة الدول، يجب احترام القانون الدولي بشدة، ويجب تشجيع استخدامه بمعايير واحدة مع الجميع ورفض المعايير المزدوجة في تنفيذه، وهنا في تقدير الخبراء، الصين تتحدث عن تايوان أكثر من الحديث عن أوكرانيا.

2 ـ رفض أجواء الحرب الباردة "أمن أي دولة لا يجب أن يتم على حساب دول أخرى" وهنا ترمي بكين إلى خطورة توسع الناتو على روسيا، والأحلاف العسكرية لا يجب أن تقوى وتتوسع، ويجب أن تتوقف الدول عن البحث على أمنها على حساب أمن الآخرين.

3 ـ وقف العمليات العسكرية

4 ـ استئناف مفاوضات السلام على اعتبار أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لتسوية النزاع

5 ـ حل الأزمة الإنسانية وتنص المبادرة الصينية على ضرورة التخفيف من الأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع

6 ـ حماية المدنيين وأسرى الحرب

7 ـ توفير الأمن للمحطات النووية لتوليد الكهرباء الصين ترفض الاعتداء على المحطات النووية وتدعيم الوكالة الدولية للطاقة النووية في القيام بعملها لتحقيق أمن المنشآت النووية.

8 ـ خفض المخاطر الاستراتيجية من خلال عدم استخدام الأسلحة النووية وعدم إمكانية القيام بحرب نووية.

9 ـ المساعدة في تصدير الحبوب وتوازن تنفيذ ذلك من خلال مواني البحر الأسود

10 ـ وقف العقوبات أحادية الجانب

11 ـ دعم استقرار سلاسل الإنتاج والتصدير وهنا الصين تتحدث عن عدم إعاقة وسائل الإنتاج وتصدير منتجاتها

12 ـ العمل على إعادة الإعمار بعد النزاع. كانت هذه الخطوط العريضة للمبادرة الصينية أو الموقف الصيني كما أطلقت عليه الخارجية الصينية، وهنا يجب التوقف عند كون المبادرة مبهمة ولا تتحدث عن دول بعينها مشاركة في النزاع، وهو ما رفضه الجانب الأوكراني، كما أن المبادرة تتحدث عن مبادئ عامة يعلمها الجميع، ولهذا رفضها الجانب الأوكراني، في حين لم يرحب بها الجانب الروسي أو حتى امتدحها وهو لا يشير إليها كثيراً عند الحديث عن تسوية، فالموقف الصيني ورغم أنه لم يتحدث عن أراض أوكرانية إلا أنه يطالب باحترام القانون الدولي في إطار الأمم المتحدة.

من الواضح أن الصين تناور فهى مستفيدة من النزاع على الأقل من ناحية أن روسيا تنظر إليها الآن باعتبارها الشريك التجاري الأهم، والصين من جانبها تريد أن تصل بالميزان التجاري الخاص بها مع روسيا على الاقل لمستواه مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، لأن هذا سيساعدها على اتخاذ موقف أكثر شدة فيما يتعلق بتايوان، وهي عندما تتحدث عن وحدة وسلامة أراضي الدول وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي فهي تنظر إلى تمرد تايوان ومسلمي "الإيجور" و"التبت" وهي القضايا التي يلعب بها الغرب في الضغط على الصين من أجل تغيير موقفها من النزاع الروسي ـ الأوكراني.

الغرب ورغم عدم وجود دليل مادي على تقديم بكين لدعم عسكري لموسكو، إلا أنه لا يكف عن الحديث عن تصدير بكين لمواد ذات استخدام مزدوج ـ بل أن وزير الدفاع البريطاني أطلق تصريحاً أكد فيه على أن حليفة روسيا صدرت لها معدات طائرة، ورغم أنه لم يذكر ما هية المعدات إلا أن هذا يعتبر تطوراً خطير وفق وجهة نظر الغرب. ويبدو أن جولة الزعيم الصيني شي في أوروبا وزيارة الرئيس بوتين للصين، ومن قبل زيارة وزير الخارجية الأمريكي لبكين، كل هذا يمثل ضغط على الحكومة الصينية لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً. ولا ننسى المعونات العسكرية التي قدمتها واشنطن التايوان في إطار حزمة مساعدات لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان، كل هذه الضغوط قد تتسب في تغيير موقف الصين من النزاع وربما كانت زيارة الرئيس الروسي هي محاولة لتثبيت الموقف الصيني على الأقل عند ما كان عليه في العام الماضي. تبدو الصين وكأنها تسعى لإنهاء النزاع سواء من خلال مطالبتها بوقف إطلاق النار وتسوية النزاع على أساس القانون والدولى وميثاق الأمم المتحدة، لكن في الواقع وفق "وول ستريت جورنال" هي في الواقع تسعى لأن يستمر، حيث تقوم الصين بتزويد روسيا بأجهزة توجيه وتكنولوجيا تشويش على أجهزة اللاسلكي إضافة إلى قطع غيار للطائرات.

ومن الواضح وفق موقع "تسارجراد" المقرب من الكرملين نقلاً عن الممثل الرسمي للحكومة الصينية، الذى قال إن "بلاده لن تتبع موقف محايد على الساحة الدولية عندما يتعلق الأمر بروسيا أو بمعنى أدق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا".

وربما كانت زيارة الرئيس بوتين الأخيرة لها تأثير وهي أول زيارة يقوم بها لخارج البلاد بعد إعادة انتخابه وهو ما يعكس أهمية العلاقات بين موسكو وبكين.

عندما طلب بعض السياسيين الأوروبيين من الصين أن تقنع روسيا بتقديم بعض التنازلات في النزاع مع أوكرانيا، قال المسئول الصيني عن الملف الأوروبي في الخارجية الصينية "إن الرئيس بوتين يتخذ قراراته منطلقاً من المصالح القومية والأمن لبلاده"، ما يعني أن الصينيين رفضوا بأدب وفي نفس الوقت بحسم أن يكونوا وسطاء في النزاع، رغم أن المبادرة الصينية ربما كانت الأولى لتسوية النزاع، وكما يقول الموقع الروسي "تسارجراد" هناك ثلاث عوامل كان لها تأثير في الموقف الصيني وهي أولاً

: الصين اقتنعت أن دور الوسيط في النزاع لم يعد يتماشى مع الوضع على الأرض حيث تعاني كييف من موقف عسكري متداعي ولا تريد الاعتراف بذلك وهي تدخل نفسها بذلك في مأزق، وفي الغرب لا يريدون الاعتراف بالهزيمة والموقف السئ للقوات الأوكرانية وبالتالي من الصعب إقناع موسكو بتقديم تنازلات مهمة للتسوية

وثانياً :

الأوروبيون يتبعون في علاقتهم ببكين سياسة العصا والجزرة أى الإغراءات والتلويح بملفات عالقة مثل تايوان، وهو ما قاله مسئول الملف الأوروبي في الخارجية الصينية عندما قال إنهم (الأوربيون) حضروا لقمة الصين ـ أوروبا ليس باقترحات ولكن بمحموعة تهديدات. نعم الصين أهم شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، لكن هناك عدم توازن واختلافات يجب على الطرفين التخلص منها.

ثالثاً : تعاني الصين من ضغط أمريكي مستمر سواء في ملف تايوان أو التبت أو الإيجور، وحتى زيارة الزعيم الصيني لواشنطن لم تؤد إلى دفء في العلاقات أو تحسن، يريد الغرب أن تتخلي الصين عن علاقات الشراكة مع روسيا دون تقديم تنازلات من جانبه في الملفات التي ذكرتها.

الصين ترى أن روسيا بموقفها من التصدي للناتو في الجزء الشرقي من أوروبا إنما تدفع عن الصين وتمدد الحلف إلى حدودها الغربية، حيث ترغب تركيا (ناتو) في السيطرة على توركستان وتمد نفوذها إلى حدود الصين الغربية، لكن من ناحية أخرى أكبر شريكين تجاريين لبكين هما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفي حال الخلاف ستخسر بكين كثيراً وسيخسر الأوروبيون والأمريكيون، لكن خسارة الصين ستكون أفدح فالإنتاج كثير والبشر كثير والسلع التي تنتج لأوروبا وأمريكا غير مجدية للدول الفقيرة التي لا تراهن الصين عليها كثيراً.

الصين لا تسعى كما هو واضح حتى الآن لأي نفوذ دولي لكن نفوذها تجاري صرف ولذلك أتصور أن بكين ربما سعت أثناء زيارة الرئيس بوتين الأخيرة والتي كانت على أعلى المستويات حيث تشكل وفد الرئيس الروسي من 50 فرداً من كافة المستويات وهو ما يدل على دعم موسكو لبكين في الوقوف في وجه الضغوط الأوروبية والأمريكية.

لكن الذي لا أشك فيه، رغم تفاؤل الكثير من المحللين بانحياز الصين إلى الجانب الروسي، أن الصين ستحاول الحفاظ على موقفها الحيادي حتى أخر لحظة، فالمصالح مع واشنطن وبروكسل كبيرة خاصة التجارية، إلا إذا ارتقت العلاقات (التجارية) مع موسكو لنفس المستوى، وهو ما تسعى القيادة الروسية للوصول إليه مع بكين.