الأحد 21 يوليو 2024

الهوية المصرية وتأثيرها على الحضارات

مقالات9-6-2024 | 14:51

حين يطلب من أي باحث أن يكتب عن حضارة وهوية أي شعب يجد من الصعوبات في بعض الفترات الحضارية لهذا الشعب، ولكن حين يطلب منه الكتابة عن مصر تكون الحيرة كيف يختار المرحلة، فمصر عبر عصورها عبارة عن سلسلة متعاقبة من العصور فعصر الأسرات ينتهي 332 قبل الميلاد بدخول الإسكندر المقدوني، العصر المقدوني وبعده البطلمي ينتهي عام 30 قبل الميلاد، والعصر الروماني يمتد من 30 قبل الميلاد إلى 284 ميلادية ويبدأ العصر الروماني المتأخر حتى دخول العرب إلى مصر عام 641 ميلادية.

يعني هذا أننا أمام حضارة وأمة ليس فيا عصر مظلم بل عصور كل منها له عظمته الخاصة، وقيمته.

الهوية المصرية تظهر في تعليم الطفل منذ نعومة أظافره ماذا يعني الوطن، فيدرس الطفل تاريخ بلده من خلال الأشعار والأساطير، بل وكراسات الأطفال مثل ما كان يتم حتى وقت ليس ببعيد من كتابة على الغلاف الخارجي لكراسات المدارس، فنجد طفلًا صغيرًا يكتب على لوحته الخشبية أسماء مجموعة من الملوك الذين حسبهم من العظماء، ولذا فلا غرو أن يذكر ديودور الصقلي أنه تعجب مما سمعه أن الكهنة المصريين كانوا يسجلون تواريخ ملوكهم في كتب مقدسة وينقلونها إلى خلفائهم متضمنة الجليل من أعمالهم وصفاتهم الحميدة.

والجميل أن يشير القرآن الكريم إلى جزء من هوية مصر ومكانتها حين يتناول قصة نبي الله يوسف، وكيف كانت القيم والأخلاق وسيادة القانون تحكم البلاد فلم يؤخذ باتهام زوجة العزيز له إلا بعد التحقيق، وبعدها ثبتت برائته منه، وهو أمر لم يكن ليحدث في حضارات أخرى ولكن مصر وعظمتها كانت تصهر كل من يقترب منها داخل بوتقتها العظيمة، والمثال الآخر لموسى عليه السلام الذي يعني اسمه الوليد وليس ابن الماء كما يترجمه خطأ البعض، فموسى مصري المولد يهودي الديانة، وهو أمر تختص به مصر دون غيرها.

ولنستعرض بعض الأمثلة التي تتناول الهوية المصرية ونبدأها من الهكسوس الذين دخلوا مصر وسيطروا على أجزاء منها، ورفض المصريون البقاء تابعين لهم أو حتى في سلام معهم، ويذكر الملك كامس في لوحته الشهيرة سؤالًا وجهه لأتباعه عن الهكسوس فأجاب البعض أننا في سلام ووئام، ولكن المصري صاحب الحضارة الضاربة في جذور التاريخ رفض وقال لا تهنأ الحياة لي بدون أن أبعد هؤلاء الأجانب عن بلادي، بل وذكروا بعد ذلك بأنهم مثل الطاعون الذي يصيب البلاد والعباد وأن المصريين لابد أن يتذكروا هذا جيدًا حتى لا يقعوا مرة أخرى.

بعد الهكسوس دخلت مصر مرحلة الإمبراطورية الكبرى التي تحدثت عنها لوحة جبل البرقل التي كتبها تحتمس الأول وجددها حفيده الأشهر تحتمس الثالث، ويقول النص على لسان الملك (حدود ملكي من قرن الأرض إلى المياه المعكوسة) ويقصد بها المنطقة أقصى جنوب مصر حتى نهر الفرات، وكان الملك المصري حين يدخل أي بلد ينقل إليها عظمة مصر من خلال الكتبة والمعلمين المصريين، وزاد بعض الملوك على ذلك بإحضار أبناء بعض حكام تلك الدول ليتعلموا في مصر ويعيشوا في خيرها فيعودوا محملين بأداب وقيم مصر.

حتى حين ضعفت مكانة مصر في نهاية الأسرة العشرين لم يقض على هويتنا فقام الكهنة ولا أستبعد بعض المصريين من تجميع مومياوات ملوكهم والحفاظ عليها فيما يعرف بالخبايا الملكية.

ولنا في تقرير ون أمون الدرس الجميل للهوية المصرية والاعتزاز بها، هذا الرجل كان مشرفًا على المركب المقدس للمعبود أمون في الكرنك وكان يذهب سنويًا إلى لبنان لإحضار الخشب من هناك، وفي إحدى زياراته لم يُقَابل بشكل جيد، وسخر من مصر حاكم لبنان، ولكن ون أمون رد عليه أن مكانة مصر وعظمتها لا يمكن مقارنتها بغيرها ويكمل أن المعبود أمون انتقم بأن أصاب أحد أتباع الحاكم بنوبة صرع وظل يتمتم أكرموا ابن مصر.

هذه الرواية وإن كان يغلب عليها عدم الدقة التاريخية إلا أنها تعكس التمسك والاعتزاز بمصر ومكانتها.

في العصر المتأخر حكم الكوشيون من أهل الجنوب البلاد، ورفض المصريون كثيرًا التبعية لهم، ولكن حين دخل الأشوريون وهم من خارج مصر قال رجال البلاط فلنقف مع حاكم الجنوب ضد العدو المشترك لنحافظ على بلادنا.

أما عن اليونانيين فكانوا يتعلمون من المصريين معنى الدولة وقوتها، إن أساس الحضارات هي مصر ويقول أفلاطون إن جحوتي هو من اخترع نظام الأعداد والفلك والأرقام والهندسة، وأنهم -أي اليونانيين- قد تعلموا من المصريين حجم الأشياء والطول والعرض.

يعتقد البعض أنه بعد نهاية عصر الأسرات المصرية القديمة انهارت وانصهرت هوية مصر مع المحتل الأجنبي، ولكن هيهات فمصر دولة تحتل من يحتلها، ولذا نجد أن حكام البطالمة والأباطرة الرومان كانوا حريصين على حمل الألقاب المصرية التي تقربهم من معبوداتنا ويتأثروا بها.

ومن معبد إدفو نجد مثالا رائعًا للحفاظ على الهوية المصرية حيث أنه المعبد الوحيد من العصرين البطلمي والروماني في حدود ما هو معلوم -حتى الآن- الذي لا يوجد به أي إضافات للأباطرة الرومان والسؤال لماذا؟

من المعروف أن هذا المعبد كان مخصصًا للمعبود حورس وكان الملك المصري يمثل هذا المعبود على الأرض طوال فترة حكمه ولذا فلو صور الإمبراطور نفسه على جدران المعبد فهذا يعني أن حورس يحكم مصر من روما، وهو ما رفضه الكهنة.

مع دخول المسيحية حافظت مصر على هويتها وصهرت الفنون بداخلها فظهر الفن الشعبي المصري المعروف بالفن القبطي.

ومن بعده صهرت مصر العرب في بوتقتها، وظهرت هويتها على العديد من العمائر مثل المشربيات والتي كانت بداياتها في المعابد المصرية، وظهر الفنان المصري ولا نقول الفنان المسيحي أو الفنان المسلم.

هكذا هي مصر مدرسة علمت العالم معنى الهوية والقومية.