بتاريخ الـ29 من شعبان من كل عام هجري، تنتفض أمتنا الإسلامية لرصد هلال شهر رمضان المبارك، فإما أن يُعلن بداية الصيام وإما أن يكون الإتمام، في طقس مرَّ بأطوار مختلفة عبر التاريخ، فتارة يكون من على سفوح الجبال، وتارة أخرى من فوق مآذن المساجد، حتى استقر الحال على المناظير الفلكية.
استطلاع هلال رمضان عبر التاريخ
منذ زمن النبوة، اعتنى المسلمون برؤية هلال رمضان، وذلك نظرًا لأن الصوم لا يوجب إلا بتحقق رؤيته، حيث يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
وقديمًا، لم تكن رؤية الهلال كحال أيامنا هذه، حيث كان القاضي برفقة الشهود والمشايخ يتجهون إلى الأماكن المرتفعة لاستطلاع الهلال في موكب حافل.
ومن جانبهم، كان الناس ينتظرون في الطرقات عودة هذا الموكب لتتعالى صيحات الفرح ومظاهر الاحتفال به إذا ما ثبتت رؤية هلال رمضان، بحسب الروايات التاريخية.
ففي عهد الخلافة العباسية، كان القضاة يخرجون مع الناس إلى جامع يُسمى "محمود" بسفح جبل المقطم لرؤية الهلال في رجب وشعبان احتياطيًا لشهر رمضان، وذلك من فوق دكة أُعدت لهم على مكان مرتفع بالجبل تُعرف بـ"دكة القضاة".
واستمر الحال على ذلك حتى دخل الفاطميون مصر، فحوّلت الدكة إلى مسجد وانقطع القضاة عن رؤية الهلال من فوق جبل المقطم أو سواه من الأماكن العالية بالقاهرة.
ويرجع ذلك إلى أن الدولة الفاطمية، وهي دولة شيعية المذهب، كانت تعتمد على الحسابات الفلكية في تحديد بدايات الأشهر الهجرية.
ومع ذلك، احتفال الفاطميون بقدوم شهر رمضان المبارك، حيث كان القضاة يجوبون جوامع الفسطاط والقاهرة قبل ليلة رمضان بثلاثة أيام لتفقد ما تم إعداده.
ومع انتهاء حكم الفاطميين، استعيدت عملية استطلاع الهلال، لكن بشكل مختلف، إذ كانت تُجرى من فوق قمم المآذن.
ففي العصر المملوكي، اعتبرت مئذنة "المجموعة" التي أنشأها السلطان المنصور قلاوون في منطقة "النحاسين"، المرقب الرئيسي الذي اعتمد عليه القضاة في القاهرة لاستطلاع هلال رمضان.
وكانت فئات الشعب المختلفة تشارك القضاة في رؤية الهلال، وخاصة التجار ورؤساء الطوائف والصناعات وأهالي الحارات، فإذا تحققوا من رؤيته، أضيئت الأنوار على الدكاكين، وخرج قاضي القضاة في موكبه تحف به الفوانيس بالشموع والمشاعل، حتى يصل إلى داره. ثم تتفرق الطوائف في أحيائها معلنة الصيام.
وعن هذه الفترة، يذكر الرحالة الشهير أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بـ"ابن بطوطه" الذي زار مصر في القرن الثامن الهجري، أنه كان من عادة الفقهاء والوجهاء أن يجتمعوا بعد صلاة العصر بدار القاضي، وذلك في يوم 29 شعبان.
ومن هناك، يركب القاضي ومن معه، ويتبعهم جميع من في المدينة من الرجال والنساء والأطفال، حتى ينتهوا إلى موضع مرتفع خارج المدينة، فينزل القاضي ومن معه فيترقبون هلال شهر رمضان، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب.
أما في العصر العثماني، فقد كان القضاة يخرجون عند ثبوت الرؤية في موكب شعبي تشارك فيه طوائف الحرف، بينما ينطلق جنود "الإنكشارية" من طائفة "مستحفظان" المسؤولة عن أمن العاصمة إلى الشوارع والأزقة، وهم يصيحون: "يا أمة خير الأنام .. بكرة من شهر رمضان.. صيام.. صيام"، وفي حالة عدم ثبوت الرؤية، كان النداء يتغير إلى "غدًا من شهر شعبان.. فطار .. فطار".
الحال لم يختلف في عصر محمد علي وحتى مشارف القرن الـ20، حيث استمرت حفلات طوائف الشعب في المشاركة في احتفالات استطلاع هلال رمضان، وذلك بعدما نتقل إثبات الهلال إلى المحكمة الشرعية.
ففي هذه المناسبة، كان ينطلق الموكب من القاهرة متجهًا نحو المحكمة الشرعية، مرفوقاً بالموسيقى والجنود الذين يعزفون على الطبول، وعند ثبوت رؤية الهلال، تُطلق الصواريخ والألعاب النارية وتُدوى المدافع، لتضيء المآذن، ثم يتجول موكب الرؤية في أرجاء القاهرة، مُعلناً بذلك بداية شهر الصيام.
وبحلول نهايات القرن الـ19، أسندت مهمة استطلاع هلال رمضان والاحتفال به إلى دار الإفتاء، التي كانت قد أُسست في ذلك الوقت، حيث ظلت تقوم بهذه المهمة كل عام، وذلك من خلال لجانها الشرعية والعلمية المنتشرة في جميع أنحاء الجمهورية والمدعومة بالمناظير الفلكية.
تجدر الإشارة إلى أنه كان هناك عادة ثابتة في جميع البلدان الإسلامية حال ثبوت رؤية الهلال، وهي الاستزادة من إنارة المساجد، حيث كانت المصابيح تُعلق بأعالي المآذن وعلى واجهاتها ابتهاجًا بقدوم رمضان، وما يزال ذلك موجودًا حتى يومنا هذا.
فكانت أجواء الحرم المكي -على سبيل المثال- تتلألأ بالمشاعيل والشموع، التي أُضيئت في كل أركانه، مما أضفى عليه نورًا ساطعًا ومشعًا، وذلك كما لاحظ ابن جبير في رحلته إلى مكة في القرن السادس الهجري.