منذ أسابيع وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية، برئاسة دونالد ترامب، في الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الروسية الأوكرانية، التي استمرت لأكثر من 3 أعوام وخلفت خسائر فادحة في صفوف الطرفين، حيث تعقد عقد محادثات أمريكية روسية أوكرانية في المملكة العربية السعودية لبحث الأزمة وتقريب وجهات النظر، وخاصة بعد الهدنة التي أعلن عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمدة 30 يوما بعد مباحثاته مع نظيره الأمريكي، لتبدأ هدنة بتعهد عدم ضرب منشآت الطاقة لمدة 30 يوما.
وأعلن البيت الأبيض عن موافقة روسيا وأوكرانيا، خلال محادثات منفصلة اختتمت في المملكة العربية السعودية، على تجنب شنّ ضربات عسكرية على السفن في البحر الأسود، وكذلك ضمان أمن الملاحة، والامتناع عن استخدام القوة، وتجنب استخدام السفن التجارية لأغراض عسكرية في البحر الأسود، كذلك أعلن الكرملين، أن موسكو وواشنطن ستضعان إجراءات تسمح بتطبيق هدنة مدتها 30 يومًا لوقف الضربات على منشآت الطاقة في روسيا وأوكرانيا.
ويهدف البيت الأبيض إلى التوصل لاتفاق هدنة اقترحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحلول 20 أبريل المقبل، وفقا لما ذكرته وكالة بلومبرج الأمريكية.
العقوبات على روسيا
وشددت روسيا على أن الاتفاقات المعلنة من واشنطن والمتعلقة خصوصا بهدنة في البحر الأسود بين كييف وموسكو لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد رفع القيود الغربية عن صادرات الحبوب والأسمدة الروسية، وفقا لما أعلنه الكرملين، موضحا أنه يتوقع رفع العقوبات، لا سيما تلك التي تطال البنك الزراعي الكبير "روسلخوزبنك" وبعض المنتجين والمصدّرين للمواد الغذائية والأسمدة، وخاصة المفروضة على شركات التأمين على الحمولات.
إلا أن الاتحاد الأوروبي، قال إن العقوبات ضد روسيا سارية المفعول حتى 31 يوليو المقبل ولا نتوقع تخفيفها قبل هذا التاريخ، وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن "إنهاء العدوان الروسي غير المبرر في أوكرانيا والانسحاب غير المشروط لكل القوات العسكرية الروسية من كامل أراضي أوكرانيا هما شرطان أساسيان لتعديل العقوبات أو رفعها"، حيث يتطلب أي تغيير للعقوبات موافقة بالإجماع لدول التكتل وعددها 27.
وقال البيت الأبيض إن الولايات المتحدة ستساعد روسيا على استعادة قدرتها على الوصول إلى السوق العالمية للصادرات الزراعية والأسمدة، وخفض تكاليف التأمين البحري، وتعزيز الوصول إلى الموانئ، وأنظمة الدفع لمثل هذه المعاملات.
مفاوضات لا تزال سارية
ويقول الدكتور نبيل رشوان، الخبير في الشأن الروسي، إن المفاوضات الحالية بشأن الصراع بين روسيا وأوكرانيا لم تصل بعد إلى مرحلة الحديث عن التنازل عن الأراضي، حيث تركز المناقشات في الوقت الراهن على إمكانية التوصل إلى هدنة، موضحا أن الهدنة الأولى، التي تضمنت وقف استهداف البنية التحتية للطاقة، لا تزال سارية حتى الآن، فيما تم التفاوض على هدنة ثانية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، إلا أن موسكو وضعت شروطًا جديدة بعد عودة وفدها من المباحثات.
وأوضح رشوان، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الشروط الروسية تشمل رفع العقوبات المفروضة على البنك الزراعي الروسي، وإعادة تشغيل نظام "سويفت" لتحويل الأموال، إضافة إلى تسهيل استيراد المعدات الزراعية، ومساعدة الولايات المتحدة في تصدير الأسمدة والمحاصيل الزراعية الروسية.
وأكد أن واشنطن لا تزال تدرس هذه المطالب، بينما لا يُعدّ ملف البحر الأسود أولوية ملحة في الوقت الحالي، حيث لم تتعرض السفن المحملة بالحبوب والأسمدة الروسية لأي استهداف، كما أن أوكرانيا تعتمد على مسارات بحرية قريبة من المياه الإقليمية لدول "الناتو" مثل بلغاريا ورومانيا، مما يجعل من الصعب على روسيا تعطيل هذه التجارة دون عواقب كبيرة.
وأضاف الخبير في الشأن الروسي أن روسيا تواصل ضرباتها المكثفة على البنية التحتية الأوكرانية، خاصة في موانئ مثل أوديسا، وهو ما يعكس استمرار التصعيد العسكري، موضحا أنه فيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة، فواشنطن تُعدّ اتفاقية تتعلق بتصدير المعدات الزراعية والأسمدة والمحاصيل الروسية، ولكن تنفيذها يتوقف على موقف الأوروبيين من تخفيف العقوبات.
وأكد أن أوروبا تتخذ موقفًا صارمًا حيال العقوبات المفروضة على موسكو، نظرًا لتأثرها الكبير بالنزاع الأوكراني، حيث تُعدّ روسيا أحد أكبر الشركاء التجاريين لأوروبا، خاصة في قطاع الطاقة، إذ كانت توفر حوالي 40% من احتياجات أوروبا من الغاز، إلى جانب النفط والمعادن النادرة وغير النادرة مثل الألمنيوم.
وشدد رشوان على أن الاتحاد الأوروبي لا يبدو مستعدًا لتخفيف العقوبات، حيث جاء رد الأوروبيين واضحًا بأن أي تخفيف للعقوبات مرتبط بانسحاب روسيا من أوكرانيا، وهو ما ترفضه موسكو تمامًا، موضحا أن مسألة الاعتراف بالاستفتاءات الروسية في المناطق التي ضمتها موسكو، بما فيها القرم منذ عام 2014، لا تزال محل رفض دولي واسع، حتى من دول تربطها علاقات جيدة بروسيا، مثل الصين ودول آسيا الوسطى، باستثناء عدد قليل من الدول مثل بيلاروسيا ونيكاراغوا وسوريا.
وأشار الدكتور نبيل رشوان إلى أن الحديث عن تسوية نهائية للصراع قد يمتد حتى نهاية عام 2025 أو مطلع عام 2026، وفقًا للمؤشرات الحالية على طاولة المفاوضات.
التسوية على حساب أوكرانيا
فيما قال الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن المسار العام للأحداث يشير إلى اقتراب المفاوضات من مرحلة جديدة قد تمهد لاتفاق نهائي لوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، موضحا أن أي صراع مسلح، مهما طال أمده، لا بد أن ينتهي بتسوية سياسية، لكن هذه التسوية ستكون، على الأرجح، على حساب أوكرانيا بشكل كبير.
وأضاف سلامة، في نصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يملك علاقات وثيقة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، يسعى إلى فرض ما يُعرف بـ"السلام من خلال القوة"، وهو نهج يقوم على احترام الأقوياء وإعادة تشكيل التوازنات الدولية.
ولفت إلى أن الحديث عن اتفاق تسوية بعيد عن الملفات الحساسة مثل اتفاقيات تصدير المعادن بين أوكرانيا والولايات المتحدة، أو احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وأشار إلى أن أي وقف لإطلاق النار المزمع سيمر بعدة مراحل، تبدأ بهدنة مبدئية، ثم استدامة وقف العمليات العسكرية، وصولًا إلى تسوية نهائية، موضحا أن هذه التطورات تعكس إعادة تشكيل النظام العالمي، بحيث يتم الاعتراف بروسيا كقوة رئيسية في مقابل النفوذ الأمريكي، وهو ما قد يصب في مصلحة كيانات أخرى، مثل الدول العربية، في إطار عالم متعدد الأقطاب.
وحول موقف أوكرانيا، أكد الدكتور سلامة أن كييف قد لا تملك خيارًا سوى القبول بتسوية لا تحقق أهدافها الكاملة في الحرب، مشيرًا إلى أن اللقاء الأخير بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس ترامب في البيت الأبيض، والمشادة التي وقعت بينهما، يعكس إدراك أوكرانيا لصعوبة موقفها.
وأضاف أن الرواية الإعلامية الغربية ستحاول تبرير أي اتفاق يتم التوصل إليه على أنه في مصلحة أوكرانيا، للحفاظ على أراضيها والاستعداد لاستعادة ما خسرته في المستقبل.