على مدى 75 عاما، اعتمد حلفاء أمريكا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الترسانة النووية الأمريكية لتوفير الدفاع عن أوروبا، إلا أن هذه السياسة لم تكن منطقية تماما.
وذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أن جوهر هذه السياسة كان إيمانا أوروبيا راسخا بالتزام واشنطن الثابت بأمن أوروبا. أما اليوم، فلم يعد هذا الاعتقاد قائما، خاصة وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حطم مصداقية المظلة النووية الأمريكية، فضلا عن أن مبدأ "أمريكا أولا" لا يترك مجالا للتضامن بين التحالفات.
وأكدت المجلة الأمريكية أنه على أوروبا أن تتصرف وفقا لهذا الواقع، مشيرة إلى أنه لحسن الحظ، توجد خطط ردع نووي أوروبي في الأرشيف، ومن الأفضل للاتحاد الأوروبي أن يعيد تفعيلها.
وأوضحت المجلة أن أوروبا حاليا تجد نفسها غير مسلحة في عالم نووي خطير. فقد ألغت الولايات المتحدة وروسيا أنظمة الحد من الأسلحة التي وضعت خلال الحرب الباردة. وتسعى الصين، التي لم توقع قط على الاتفاقيات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا خلال الحرب الباردة، إلى توسيع وتطوير رادعها النووي، ما يجعل من التوصل إلى اتفاقية ثلاثية (أمريكا وروسيا والصين) للأسلحة النووية مهمة شبه مستحيلة، ناهيك عن مساعي دول أخرى كإيران لتصيح قوة نووية.
ورأت المجلة أن ما سبق يمثّل حوافز قوية للاتحاد الأوروبي لتطوير رادع نووي أوروبي شامل، حيث إنه في هذا العالم النووي، يتعين على الجهات الفاعلة، التي لها مقاعد على طاولة المفاوضات لصياغة اتفاقيات جديدة للحد من الأسلحة النووية، أن تكون قوى نووية بحد ذاتها. وإذا أرادت أوروبا تعزيز الحد من الأسلحة النووية، فمن المفارقات أنها بحاجة إلى التوجه نحو الأسلحة النووية أولا.
وبينت "فورين بوليسي" أنه يمكن للردعين النوويين الفرنسي والبريطاني أن يوفرا قدرة مؤقتة، خاصة إذا انضمت فرنسا إلى مجموعة التخطيط النووي التابعة لحلف الناتو. ولكن على المدى الطويل، لا بد من حل أوروبي عابر للحدود الوطنية، إذ لا تملك باريس أو لندن ما يكفي من الأسلحة النووية لتأمين أوروبا بأكملها، ولا تمتلك أي منهما قدرة نووية تكتيكية، وهو عنصر حاسم في إدارة التصعيد. وبينما قد يوفر الردع الفرنسي البريطاني غطاء قصير المدى، فإنه لن يتغلب على الواقع الذي أبقى حلف الناتو على قيد الحياة لمدة 75 عاما، والمتمثل في أن الضمانة الأمنية الأمريكية كانت أفضل من الضمانة الفرنسية أو البريطانية.
ونوهت المجلة الأمريكية إلى أنه مع تداعي مصداقية الضمان الأمني الأمريكي، قد ترغب الدول الأوروبية في إعادة النظر في قدراتها النووية، مشيرة في هذ الصدد إلى تصريح رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك مؤخرا، والذي قال فيه: "سنكون أكثر أمانا لو امتلكنا ترسانتنا النووية الخاصة".
غير أن سعي أي دولة أوروبية لامتلاك قدرة نووية جديدة من المرجح أن يثير معضلة أمنية للدول الأخرى. فإذا ما اتجهت ألمانيا، على سبيل المثال، نحو امتلاك الأسلحة النووية، فهل سيطمئن ذلك بولندا، أم سيحفز وارسو على تطوير قدراتها الخاصة؟ كما أن تطوير ترسانة نووية أمر مكلف وصعب للغاية. لذا، سيكون تنسيق رادع أوروبي شامل أكثر توفيرا، حيث سيركز الجهود على التهديدات الخارجية بدلا من المنافسة الداخلية.
وترى المجلة أن حل التحديات العديدة ذات الصلة يكمن في إعادة تنشيط خطط الحرب الباردة المبكرة للقوة متعددة الجنسيات التابعة للناتو ولكن بإدارة أوروبية، لافتة في هذا السياق إلى إنشاء القوة البحرية متعددة الأطراف، والتي تعود لعقود مضت، وكانت عبارة عن اقتراح لإنشاء أسطول من السفن السطحية والغواصات، التي يتولى طاقمها حلفاء أوروبيون في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بهدف منح هؤلاء الحلفاء قدرات في الدفاع النووي لأوروبا الغربية.
ولكن وفقا لتقرير بلجيكي هولندي صدر عام 1957، وفي حين كانت هناك مخاوف في أوروبا من أن "الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) القارية لا تشعر بالحماية الكافية من الأسلحة النووية الاستراتيجية غير المتاحة لها أو لمجتمع الناتو"، كان البيت الأبيض في عهد كينيدي قلقا بشكل خاص بشأن طموحات ألمانيا الغربية النووية والتعاون النووي الفرنسي الألماني المحتمل. كما كان البرنامج النووي الإيطالي الناشئ تحت مراقبة أمريكية دقيقة. وفي ضوء هذه المخاوف، خلص فريق تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية عام ١٩٦٥ إلى أن قوة الصواريخ متعددة الأوجه يمكنها القيام بدور جيد في التعاطي مع المخاوف الأوروبية.
وبالفعل، كان من المقرر أن تضع قوة الصواريخ متعددة الأوجه حوالي ٢٠٠ صاروخ تحت السيطرة الأوروبية، ما يمنحها القدرة على تدمير ما بين ٢٥ و١٠٠ مدينة سوفيتية في ضربات مضادة، مصممة لردع أي استخدام سوفيتي أول (للأسلحة الاستراتيجية). ووصل الأمر إلى حد نشر مدمرة صواريخ موجهة (يو إس إس كلود في. ريكيتس) على متنها ١٧٤ ضابطا وطاقما أمريكيا، مدمجين مع طاقم من حلفاء الناتو، بما في ذلك ألمانيا الغربية وتركيا وإيطاليا.
إلا أن الخلافات بين واشنطن وحلفائها حول تحديد قواعد البرنامج وتمويل تكلفته، بالإضافة إلى المعارضة البريطانية الشديدة للفكرة، أعاقت القوة متعددة الجنسيات التابعة لحلف الناتو. إذ فضلت لندن الحفاظ على علاقتها النووية الخاصة مع واشنطن، بدلا من فقدانها لصالح مشروع أوروبي مشترك. كما أنه في عالم لم يكن حينها قد مضى منه سوى عقدين على نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد أثارت فكرة تدخل ألمانيا في الشؤون النووية السخرية.
ولكن ورغم أن هذه القوة المتعددة لم تتحقق بالكامل، إلا أن الفكرة التي تقوم عليها (القيادة والسيطرة المشتركة) مناسبة تماما لأوروبا في القرن الحادي والعشرين، ويمكن تحقيقها عبر عدة خطوات.
وتتمثل الخطوة الأولى في إنشاء قوة بحرية أوروبية متعددة الجنسيات يتم تدريبها ودمج الضباط وأطقمها الأوروبيين في المنصات الفرنسية والبريطانية القائمة بالفعل لتطوير فهمم للأسلحة النووية والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية.
وينبغي على الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه طرح مناقصات خاصة لتطوير أسطول أوروبي من الغواصات النووية. وبما أن فرنسا تتمتع بخبرة واسعة في الغواصات النووية، وتعتبر ألمانيا والسويد من أبرز منتجي الغواصات التقليدية. لذا، يمكن لإئتلاف أوروبي بتمويل جماعي تطوير غواصة هجومية جديدة تعمل بالطاقة النووية لأوروبا.
وهناك خيار آخر أسرع بكثير يتمثل في توسيع برنامج غواصات دريدنوت النووية البريطانية الحالي ليشمل أوروبا (وأستراليا).
وتتمثل الخطوة الثانية في حيازة قدرات نووية تكتيكية، وإن أسهل طريقة للقيام بذلك هي تطوير صواريخ ستورم شادو/سكالب إي جي وتوروس كي إي بي دي 350 الكروز لاستيعاب حمولة نووية، ما سيوفر لأوروبا القدرة التصعيدية اللازمة لردع قوي.
وشددت "فورين بوليسي" على أن الردع الأمريكي الموسع، ورغم أنه لا يزال نظريا يشمل حلفاء الناتو، إلا أن الدول الأوروبية ستكون حمقاء إذا لم تطور بديلا نوويا شاملا. وإن القيام بذلك يعالج المعضلة الأمنية في أوروبا، وسيردع العدوان، ويعزز موقف الاتحاد الأوروبي للدفع باتجاه اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية. كما أنه في أفضل الأحوال، سيسهم هذا الأمر في تعزيز الردع النووي الأوروبي في إطار حلف الناتو، وفي أسوأ الأحوال، لن تكون قارة أوروبا بلا دفاع إذا تخلت الولايات المتحدة عنها.