التحنيط ليس مجرد تقنية تاريخية ارتبطت بالحضارات القديمة بل هو علم متطور يُستخدم للحفاظ على الكائنات البحرية لأغراض البحث والتعليم، ويعد المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد من المؤسسات الرائدة في تنفيذ عمليات التحنيط البحري، وفقًا لأحدث المعايير العلمية، مما يسهم في دراسة التنوع البيولوجي وحماية البيئة البحرية، حيث يعتمد على تقنيات متقدمة لتحويل الكائنات البحرية النافقة إلى عينات علمية تعرض في المتاحف وتستخدم في الأبحاث العلمية.
ويساعد تحنيط الكائنات البحرية العلماء في توثيق الأنواع المختلفة ودراسة سلوكها، كما يوفر نماذج تعليمية للطلاب والباحثين تسهم في تطوير الأبحاث والدراسات المتعلقة بالحياة البحرية، ويساعد أيضًا في نشر الوعي البيئي من خلال عرض الكائنات المحنطة في المتاحف البحرية، مما يساهم في تعريف الجمهور بأهمية الحفاظ على البيئة البحرية والكائنات المهددة بالانقراض.
وكشف المعهد القومي لعلوم البحار- في بيان، اليوم الثلاثاء- عن المراحل التي تمر بها عملية تحنيط الكائنات البحرية، والتي تبدأ بالدفن في الجير الحي للكائنات البحرية كبيرة الحجم مثل الحيتان والكائنات البحرية النافقة التي تكون في حالة متردية ومتعفنة، حيث يتم دفنها في الجير الحي لمدة تتراوح بين 12 شهرا و24 شهرا للكائنات الكبيرة مثل الحوت و12 شهرا تقريبا للكائنات البحرية الأصغر حجما مثل القروش والدلافين والسلاحف البحرية لضمان تحلل الأنسجة العضوية مع الحفاظ على الهيكل العظمي قدر الإمكان.
أما في حالة الكائنات البحرية النافقة التي لا تزال في حالة غير متحللة، فيتم تحنيطها باستخدام بعض المواد الكيميائية التي تساعد في الحفاظ عليها مثل القروش والدلافين والسلاحف البحرية والأسماك صغيرة الحجم.
وبعد مرور الفترة الزمنية المحددة تبدأ المرحلة الثانية من عملية التحنيط، حيث يتم استخراج الهياكل العظمية المتبقية وإخضاعها لعدة عمليات تشمل تنظيفًا شاملاً باستخدام مواد مطهرة ومعالجة الأجزاء المتبقية بمواد كيميائية خاصة للحفاظ عليها من التحلل لضمان بقائها صالحة للعرض والدراسة.
وفي المرحلة الثالثة يتم طلاء الهيكل العظمي بمواد تحافظ على شكله الأصلي وتساعد في منحه مظهرًا أقرب إلى حالته الطبيعية ثم يتم تجهيزه للعرض في المتاحف البحرية كجزء من المعروضات التعليمية والتوعوية التي تُستخدم في نشر الثقافة البيئية والعلمية حول الكائنات البحرية وأهميتها في النظام البيئي.
وتحنيط الكائنات البحرية لا يقتصر على الحيوانات البحرية الضخمة بل يشمل أيضًا الأسماك والثدييات البحرية مثل الفقمات والأطوم ويتم استخدام تقنيات حديثة للحفاظ على الأنسجة اللينة للكائنات المحنطة بحيث تبدو وكأنها على قيد الحياة، كما يُستخدم التحنيط في توثيق الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض للحفاظ على بياناتها للأجيال القادمة وضمان توفر نماذج علمية يمكن دراستها مستقبلا.
ويلعب المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد دورا مهما في تنفيذ عمليات التحنيط البحري، حيث يعتمد على تطبيق معايير علمية دقيقة تضمن الحفاظ على الكائنات البحرية المحنطة بأفضل صورة ممكنة من خلال الدفن الآمن باستخدام الكالسيوم والجير الحي لضمان تحلل الأنسجة العضوية دون الإضرار بالبنية الأساسية للكائن، بالإضافة إلى المعالجة الكيميائية المتقدمة التي تساهم في الحفاظ على الهياكل العظمية والجلد بشكل مستدام مع توثيق كل مرحلة من مراحل التحنيط لضمان دقة النتائج وتوفير بيانات قيمة للباحثين والمختصين في علوم البحار.
ولا يقتصر دور المعهد على البحث الأكاديمي فقط بل يمتد إلى الحفاظ على التنوع البحري من خلال توعية المجتمع بأهمية حماية الكائنات البحرية والمحافظة على التوازن البيئي، كما يسهم في توفير عينات علمية تدعم الدراسات البيئية والبيولوجية ويساهم في تعزيز السياحة العلمية من خلال عرض نماذج محنطة تجذب الزوار والباحثين في مجال علوم البحار، مما يجعل المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد مؤسسة علمية رائدة في الحفاظ على البيئة البحرية من خلال العلم والتوثيق ليكون بذلك حارسًا للبيئة البحرية وضامنًا لاستمرار إرثها الطبيعي للأجيال القادمة.