السبت 30 اغسطس 2025

عرب وعالم

تصاعد الهجمات السيبرانية يضع سوق العملات المشفرة في قلب المواجهة الجيوسياسية لعام 2025

  • 30-8-2025 | 12:33

الهجمات السيبرانية

طباعة
  • دار الهلال

يشهد سوق العملات المشفرة في عام 2025 تحولات جذرية بعدما أصبح ساحة مواجهة جيوسياسية مفتوحة في ظل تصاعد الهجمات السيبرانية المدعومة من بعض الدول، والتي باتت تستخدم الأصول الرقمية للالتفاف على العقوبات وزعزعة استقرار الأسواق المالية .

وتشير تقارير متخصصة إلى أن هذه التهديدات دفعت كبريات المنصات الرقمية مثل "كوين بيز" الأمريكية، وهى المنصة الأشهر في تداول العملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثيريوم واللايتكوين، إلى تبني إجراءات أمنية غير مسبوقة، ومن بينها اشتراط الجنسية الأمريكية للموظفين المخولين بالوصول إلى الأنظمة الحساسة، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد عمليات الاحتيال والكشف عن انتحال الهوية الرقمية، بحسب تقرير لمنصة "AI Invest" المتخصصة فى تداولات العملات الرقمية.

وفي هذا السياق، عرضت الشركة المشغلة لـ"كوين بيز" مكافأة قدرها 20 مليون دولار مقابل أي معلومات تؤدي إلى اعتقال قراصنة من كوريا الشمالية، والمعروفين باسم مجموعة "لازاروس"، الذين شنوا هجوماً على منصة "باي بيت" الشهيرة. ويعكس هذا التوجه انتقال الصناعة الرقمية من الدفاع السلبي إلى الردع النشط، مما يعكس اتجاهاً أوسع يرى أن الامتثال لمعايير الأمن لم يعد مجرد تكلفة تشغيلية لهذه المنصات، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأصول.

وقد تزامن ذلك مع تشديد غير مسبوق في الرقابة التنظيمية عالمياً، حيث بات الامتثال لمعايير الأمن السيبراني والاستقرار المالي شرطاً أساسياً لاستمرار عمل المنصات. فالتشريعات الأمريكية الجديدة مثل قانون GENIUS، التي تشترط أن تكون العملات المستقرة مدعومة بالكامل بالاحتياطيات وخاضعة لعمليات تدقيق منتظمة، تتكامل مع "قانون الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2024" ولائحة "MICA" الأوروبية، التي تعد أول إطار تنظيمي شامل للأصول الرقمية في الاتحاد الأوروبي، حيث تُلزم البورصات بالتدقيق اللحظي للمعاملات وضمان الامتثال للعقوبات الدولية.

فالهجمات السيبرانية الأخيرة أكدت خطورة الوضع الراهن. ففي فبراير الماضي، استولى قراصنة كوريون شماليون على ما قيمته 1.5 مليار دولار من عملة الإيثيريوم بعد اختراق منصة "باي بيت"، بينما شهدت منصة "نوبتكس" الإيرانية في يونيو هجوماً سيبرانياً أدى إلى سرقة نحو 90 مليون دولار. وقد أظهرت هذه الحوادث أن الهجمات لم تعد جرائم مالية بحتة، بل تحولت إلى أدوات صريحة للانتقام السياسي.

ووفقاً لتقرير"الآفاق العالمية للأمن السيبراني 2025" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن 72% من المؤسسات ترى أن المخاطر الرقمية مرتبطة بشكل متزايد بالتوترات الجيوسياسية، حيث برزت أساليب مثل برامج الفدية والهندسة الاجتماعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي (وهى عبارة عن مجموعة من الحيل والتقنيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعى والمستخدمة لخداع الناس وجعلهم يقومون بعمل ما أو يفصحون عن معلومات سرية وشخصية)، واستغلال الروابط الشبكية كأدوات رئيسية لشن الهجمات.

وأمام هذه التحديات، لم يعد مطلوباً من منصات تبادل العملات حماية أصول المستخدمين فحسب، بل أيضاً حماية السيادة المالية للدول. وقد انعكس ذلك على خيارات المستثمرين الذين باتوا يتجهون نحو الشركات التي تضع الامتثال والمرونة السيبرانية في صميم استراتيجياتها، معتبرين أن الأمن بات ميزة تنافسية. كما يتزايد الطلب على شركات تحليل سلاسل الكتل (أو التى تعرف ب"بلوك تشين" وهي عملية جمع بيانات معاملات التداول على المنصات وتحليلها وتفسيرها لاكتشاف الأنماط، وتتبع تدفقات الأموال، وتقييم المخاطر) أو الشركات التى تعمل على حلول الكشف المبكر عن التهديدات الرقمية، في ظل توقعات بأن المنصات الملتزمة تنظيمياً ستتفوق على نظرائها في سوق متحفظ إزاء المخاطر السيبرانية.

ويرى الخبراء أن مستقبل سوق العملات المشفرة يعتمد على قدرته في دمج المخاطر الجيوسياسية ضمن بنيته التشغيلية الأساسية. ولتحقيق ذلك، يتعين على المستثمرين إعطاء الأولوية للشركات الملتزمة بالقوانين، مثل "كوين بيز"، التي تجعل من الأمن السيبراني ركيزة استراتيجية لمواجهة الهجمات والتدقيق التنظيمي. كما يوصى الخبراء بضرورة تنويع الاستثمارات في شركات الأمن السيبراني، مثل "تشين أناليسس" المتخصصة في تحليلات "البلوك تشين" و"كراود سترايك" الرائدة في الذكاء الاصطناعي الأمني، باعتبارها مرشحة للاستفادة من تنامي الطلب العالمي.

ولا يقتصر أثر هذه التحولات على الأسواق الغربية فقط، بل يمتد إلى الشرق الأوسط حيث يتزايد الاهتمام بالعملات المشفرة بين الأفراد والمؤسسات المالية الناشئة. وتشير التقديرات إلى أن تصاعد الهجمات السيبرانية سيدفع حكومات المنطقة إلى تشديد الأطر التنظيمية ووضع معايير أكثر صرامة لحماية الأسواق ومنع استخدامها في أنشطة غير مشروعة.

ويوصى الخبراء فى سوق العملات المشفرة بأن استجابة المنصات الرقمية لهذه التحديات عبر الابتكار التكنولوجي، والامتثال التنظيمي، والردع الاستباقي، يضع المستثمرين الملتزمين في موقع أفضل للاستفادة من المرحلة المقبلة من استثمارات أصبحت ذات ثقل كبير فى تداول الاصول الرقمية. ويجمع خبراء الأمن السيبراني على أن تلاشي الحدود بين الجريمة الإلكترونية وحروب الفضاء السيبراني والنشاط السياسي يكشف عن حقيقة جوهرية واحدة وهى أنه" في العصر الرقمي، الأمن هو العملة الحقيقية".

أخبار الساعة

الاكثر قراءة