في مثل هذا اليوم، 30 نوفمبر، تحل ذكرى ميلاد أحد أعظم عباقرة الموسيقى في تاريخ الفن العربي، الموسيقار رياض السنباطي، الذي لم يكن مجرد ملحن؛ بل مدرسة قائمة بذاتها شكّلت وجدان المستمع العربي لعقود، ورغم بداياته المتواضعة، استطاع أن يتحول إلى أحد أهم صانعي صوت أم كلثوم، وأن يخلّد اسمه في سجل الخالدين بألحان تجاوزت حدود الزمن.
ولد رياض السنباطي عام 1906 في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط، ولم يستطع إكمال تعليمه بسبب إصابة في عينيه. غير أن الصدفة قادته إلى اكتشاف موهبته حين سمعه والده، الذي كان مقرئًا ويقود فرقة للغناء في الأفراح والموالد، يؤدي أغنيات الشيخ سيد درويش، فضمّه إلى فرقته ليبدأ الطفل الموهوب أولى خطواته على طريق الفن.
ومع انتقال الأسرة إلى المنصورة، لمع نجم السنباطي وذاع صيته، حتى لُقّب بـ “بلبل المنصورة”، وخلال تلك الفترة، استمع إليه سيد درويش وأُعجب بموهبته، وعرض عليه أن يصطحبه إلى الإسكندرية ليفتح أمامه أبواب الشهرة، غير أن والده رفض العرض لأنه أصبح يعتمد عليه كركيزة أساسية في فرقته.
ومن أبرز المحطات الفارقة في مشوار السنباطي أنه تقدّم للالتحاق بمعهد الموسيقى، لكنه بمجرد أن بدأ الغناء أمام لجنة القبول أُصيب أعضاؤها بالدهشة، إذ رأوا في وقفته وصوته وخبرته ما يتجاوز مرحلة الدراسة، فقررت اللجنة بالإجماع تعيينه أستاذًا لآلة العود والأداء بدلا من قبوله طالبا.
وبعد ثلاث سنوات من العمل بالمعهد، استقال السنباطي ليبدأ مرحلة التلحين التي ستجعله أحد أهم الملحنين في تاريخ الموسيقى العربية.
تعاقد مع كبار مطربي عصره، إلى أن جمعه القدر بكوكب الشرق أم كلثوم، ليشكلا معا أحد أهم الثنائيات الفنية، ويقدّم لها أكثر من 280 عملًا، من أبرزها قصيدة الأطلال التي اعتُبرت من أعظم ما قُدم في القرن العشرين.
ورغم أن الأطلال تعد من أشهر أعمال السنباطي، فإن الموسيقار محمد فوزي سبقه إلى تلحينها وغنّتها نجاة الصغيرة،وبرغم أن القانون يمنع إعادة تلحين النصوص المغنّاة، فإن فوزي لم يتخذ أي إجراء قانوني تقديرا لاسم أم كلثوم والسنباطي، رغم أن الست غنتها قبل وفاته بستة أشهر فقط.
وبين محطات المجد، ظل السنباطي شخصية حافلة بالكبرياء الفني؛ رفض تسلم وسام الاستحقاق من الرئيس جمال عبدالناصر، ودخل في خلافات مع أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، لكن ذلك لم يطغ يوما على مكانته كأحد أعمدة الموسيقى العربية.