في زمنٍ أصبحت فيه الشاشة نافذة العالم، تحوّل “التريند” من مجرد مؤشر لنشاط منصات التواصل الاجتماعي إلى هوس جماعي يلهث خلفه الملايين. لم يعد الهدف هو المشاركة أو التعبير، بل انتزاع أكبر عدد ممكن من المشاهدات ولو على حساب القيم، الخصوصية، أو حتى السلامة. تشير دراسات حديثة إلى أن المستخدم العادي يقضي ما بين 3 إلى 5 ساعات يوميًا على منصات السوشيال ميديا، وهي مدة كافية لتكريس ثقافة “التريند” كمعيار للنجاح. كلما زادت المشاهدات، زاد الإعجاب، وزادت معها شهية صناع المحتوى لتقديم ما هو أغرب، أسرع، وأحيانًا أخطر. الجمهور نفسه – دون قصد – يغذي هذه الظاهرة عبر إعادة نشر المحتوى المثير حتى لو كان صادمًا أو مسيئًا، مما يمنح أصحاب هذه المقاطع دفعة إضافية للبقاء في دائرة الضوء. من الترفيه إلى التطرّف في المحتوى لم يتوقف الهوس عند الرقصات أو الفيديوهات الطريفة، بل تعدّاه إلى: مقالب خطرة تهدد حياة الناس. تشويه السمعة لجذب التعاطف والمشاهدات. استغلال الأطفال في مقاطع مثيرة للجدل. اختلاق قصص وهمية لإثارة التفاعل. ومع كل “تريند” جديد، تزداد حاجتهم لجرعة أقوى من الإثارة، وكأن المشاهدات أصبحت مخدرًا لا يمكن الإقلاع عنه. وكان آخر من سعوا لزيادة المشاهدات البلوجر سلطانجي والإكسلانس، المتهمان اللذان اعترفا بنشر فيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تشكك في سلامة بعض المنتجات الغذائية ومدى صلاحيتها للاستخدام، أمام جهات التحقيق المختصة، بغرضهما من وراء ذلك. وقالا أمام جهات التحقيق، إنهما تعمدا نشر معلومات غير دقيقة وشائعات حول صلاحية بعض الأغذية والمشروبات، مدعين أنها غير صالحة للاستهلاك، وذلك بقصد جذب متابعين وإحداث تفاعل واسع على منصاتهما، بهدف إثارة الجدل وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة تتيح لهما مكاسب مادية. وكانت ألقت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية، القبض عليهما بعد تداول مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمن التشكيك في سلامة المنتجات الغذائية ومدى صلاحيتها للاستخدام. وأعلنت وزارة الداخلية في بيان، أنه بالفحص أمكن تحديد الشخصين الظاهرين بمقاطع الفيديو المشار إليها، وهما المشهوران بـ سلطانجي والإكسلانس، مقيمان بمحافظة دمياط. وبمواجهتهما أقرا بإجراء تحليل لبعض المنتجات الغذائية بعدد من المعامل للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية وتصوير مقاطع الفيديو المشار إليها بمنزل أحدهما، ونشرها على صفحتهما بمواقع التواصل الاجتماعي بغرض زيادة نسب المشاهدات وتحقيق مكاسب مادية حيث أن ضحايا هذا الهوس كثيرون منهم من فقد عمله بسبب فيديو مسيء، ومنهم من تعرض للتنمر الرقمي بعد انتشار مقطع مفبرك، وآخرون فقدوا خصوصيتهم حين تحوّلت حياتهم الشخصية إلى مادة للاستهلاك. حتى صناع المحتوى أنفسهم يدفعون الثمن حين يجدون أنفسهم في سباق لا ينتهي، يضعهم تحت ضغط نفسي هائل للحفاظ على مكانتهم الافتراضية. ورغم إعلان بعض المنصات عن تطوير خوارزميات تحدّ من المحتوى الضار، إلا أن الواقع يشير إلى أن المحتوى المثير يظل الأكثر انتشارًا، لأنه ببساطة هو الأكثر ربحًا. المنصات تكسب… والمستخدم يغامر… والمجتمع يفقد شيئًا من توازنه الرقمي كل يوم. يرى خبراء علم الاجتماع أن هوس التريند يعكس أزمة قيم يعيشها المجتمع الرقمي، حيث أصبح “التريند” معيارًا للنجاح بدلًا من الجودة أو الأصالة. ويحذرون من تأثيرات بعيدة المدى، خاصة على المراهقين الذين يرون في أصحاب التريند قدوة يستحقون التقليد مهما كان المحتوى فارغًا أو سلبيًا.