عندما عرض رئيس التحرير الصديق “طه فرغلي” فكرة عدد الهلال بين أيديكم، قلت بيني وبين نفسي: يا ترى من يعيش حتى هذا التاريخ؟
وتخيّلت من سيكتب تلك الصفحة العزيزة على قلبي في هذه المجلة العريقة التي تحدّت الزمن، وعاشت لعقود، وجاوزت قرنًا من الزمان..
ظننت لأول وهلة سيكتبها كاتب من زمن الذكاء الاصطناعي (AI)، ولكن غادرتني الفكرة سريعًا. من اخترع AI، يقينًا سيخترع أذكى منه، وأكثر بلاغة، سيجاوز في بلاغته أصحاب البلاغة، والبلاغة تعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع فصاحته وحُسنه، بحيث يصل المعنى إلى المستمع بوضوح وقوة تأثير.
يمكن تقسيم البلاغة إلى مستويين: بلاغة الكلام، وهي صفة ترتبط بالمطابقة الفصيحة للموقف، وبلاغة المتكلم، وهي قدرة وسليقة تمكّنه من تأليف كلام بليغ.
بلاغة الكلام في المستوى الأول ممكنة، في مقدور AI حتى ساعته، ولد من رحم الثورة الرقمية بليغًا، لكن بلاغة المتكلم، فطرته، سليقته، مثل بنات الشعر، يوحين ويلهمن، أظنّ وبعض الظن إثم، أن بنات الشعر لا يأتين AI، ستظل ديناميات الإلهام عصيّة على AI، أو هكذا أظن.
ظني في محله، بلاغة اللغة مرتهنة بثقافة الشخص، منتوج محصوله اللغوي، تمكنه من علم الكلام، علم الفقه الأكبر، بذائقة قرآنية فريدة، ليس كل من قرأ القرآن استبطنه، فطبع القرآن لسانه ببلاغته.
لن أكون بينكم، هذا من نافلة القول، لأرى ما سترونه من العجب العجاب، سترون ما لا رأت عين، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كل خيالاتكم المحلّقة سرابًا، سترون آيات العلم مجسدة، فيها منافع كثيرة.
سيختفي السرطان، وستُعالج الأوبئة، وستزيد الأعمار، وسيخلد البشر إلى الراحة بعد عناء، وستحلّ الآلة الذكية محلّ الغباء البشري، وسيتضاعف الناتج الكوني، لن تكون هناك جيوش مجيّشة، الآلة ستلهب الأرض والبحار والمحيطات، أخشى ستُهلك الحرث والنسل.
أستودعكم من لا تضيع ودائعه، وما بربك ظلام للعبيد، كانوا أنفسهم يظلمون، وأخشى عليكم من آلة صمّاء، جامدة، بلا قلب يخفق، لا ترحم، أحكامها جدّ قاسية، اشتُقّت من جلمود صخر ينتج رقائق تتغذى عليها الآلة الشرهة للذكاء البشري.
البشرية تحفر قبرها بمعول الآلة الصمّاء التي لا ترعوي لبقاء الجنس البشري، الآلة تتغذى على الذكاء البشري، تصنع منه ذكاءها الاصطناعي، لن يلحق الذكاء البشري بذكاء الآلة المتعاظم.
نرجع لنشاهد فيلم أنا روبوت (I, Robot)، وتدور الأحداث في المستقبل، وبالتحديد عام 2035، حين تطورت التكنولوجيا وصنعت آليين فائقي القدرات يساعدون البشر في كل الأنشطة الممكنة.
في هذه الأجواء، يعيش ضابط شرطة شيكاغو ديل سبونر (ويل سميث) الكاره للآليين، الذي يُكلَّف بالتحقيق في جريمة قتل خبير تطوير للآليين.
وعندما يكتشف شواهد تشير إلى تورط إنسان آلي يُدعى (سوني) في الجريمة، يتحول الأمر إلى خوف حقيقي؛ لأن خرق الآليين اتفاق الاحترام المتبادل مع البشر يعني أن يتمكنوا من السيطرة على العالم بسهولة فائقة.. هل هناك مثل هذا العقد المبرم بين الآليين والبشر؟ ولو وجد سينقض حتمًا قبل حلول العام 2050.