الجمعة 9 يناير 2026

مقالات

مستقبل الرواية

  • 6-1-2026 | 10:00
طباعة


عند الكتابة عن مستقبل الرواية لا بد من مراعاة أمورٍ أساسية تحكم هذا المستقبل. رغم أن المستقبل عمومًا بيد الله سبحانه وتعالى، ولا يملك البشر، أياً كانوا وفي أي مكانٍ من الأرض يعيشون، أن يتعاملوا معه، لكنه قدر. المستقبل قدر، وكل ما نملكه نحن كبشر هو كيف نتعامل معه، ونستفيد من مزاياه، ونُعظِّم من فوائده، ونُقلِّل من مخاطره.
سأبدأ بمصر، وطننا العربي، وأكتب أن الأمية عامل حاسم في مواجهة انتشار الرواية انتشارًا جماهيريًا ضخمًا، ويجب علينا أن نقضي عليها، وأن يأتي اليوم الذي نحتفل فيه بمحو أمية آخر أمي يعيش بيننا وفي أوساطنا، ونعتبر أن ذلك انتصارٌ إنساني وثقافي على المجهول الذي يمكن أن ينتظرنا ما دام لهذه الأمية وجود.
وما زلت أحلم آناء الليل وأطراف النهار باليوم الذي نحتفل فيه بأننا أصبحنا جميعًا لا نعاني من هذا المرض العضال الذي هو الأمية. ومن ملاحظاتي الأساسية أن هذه الأمية تتركز في الأوساط الاجتماعية وبين الفقراء، وفي القرى التي تعيش حياة صعبة وعصيبة، ولكن كلما أصبح المستوى الاجتماعي مرتفعًا، فقد لا نجد لها أثرًا بين الناس. كذلك فإن الأجيال الطالعة تحرص على التعليم، ولا يمنعها عنه إلا موانع أساسية مثل الفقر، وعدم المقدرة المالية، وانعدام الوعي بقيمة وأهمية التعليم في حياة الناس.
نحن في سبيلنا إلى مستقبل بالنسبة للنص الروائي لا تحكمه الكتابة والقراءة معًا، كما كان يحدث في أزمنة مضت وسبقت وانتهت، وتركت آثارها بيننا. لكننا نعيش زمنًا جديدًا له عناوين أخرى، قد تكون الرواية واحدة منها، لكنها ليست الأساسية. لقد كتبتُ من قبل عن الأمية، وهي هاجس يطاردني في كل وقت وكل حين، باعتباري قادمًا من قرية مصرية في أعماق الريف المصري.
وأيضًا فإن من يعيشون في الأحياء الشعبية في المدن الكبرى أو المتوسطة أو الصغرى يدركون ما أكتب عنه، وما أصوره، وما أذهب إليه. إن أحد أحلام عمري الأساسية هو اليوم الذي نحتفل فيه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي بمحو أمية آخر مصري. عندئذٍ سيكون الإقبال على الأدب والفن والثقافة عمومًا في أعلى درجاته التي يمكن أن يصل إليها.
وقد يحدث في ذلك الزمان – وتلك مجرد أحلام شخصية – أن نطبع من الكتاب الواحد مائة مليون نسخة، وتوزع وتُباع، وتصدر منه طبعات جديدة كلما مر الوقت. تلك أحلام أتمنى أن أعيش حتى أراها، وحتى تحدث فإن توزيع الرواية ينحصر بين من يقرأون ويكتبون، ومن يمتلكون القدرة على شراء الكتاب. ونحن نعرف أن الأسعار في ازديادٍ مستمر، تنافس كل ما يلهث بسرعة في حياتنا.
أنا لا أُقلِّل من مشروعات النشر رخيصة السعر، مثل مكتبة الأسرة، وهو مشروع عظيم ومهم يجب أن يستمر، وأن توفر له الدولة كل الإمكانيات المتاحة حتى يصل إلى كل مواطن مصري، ولم لا أقول: وكل مواطن عربي يعيش في زمننا.
إذن لا مفر من مواجهة السؤال الأساسي عن مستقبل الرواية. وهذا المستقبل تشكل ملامحه الإجابة على الأسئلة التي يطرحها علينا الموضوع: هل ستستمر كتابة الرواية بنفس الكثافة الحالية؟ السؤال الثاني: هل سيتواصل معنا الإقبال على قراءة النص الروائي لدى الجماهير العادية، خاصة من يعيشون بعيدًا عن العاصمة، وفي المدن الصغيرة، والأرياف، والكفور، والنجوع؟
السؤال الذي لا يمكن إغفاله أو التقليل منه هو إقبال القارئ العربي على النتاج الأدبي، والروائي منه خاصة في مصر، باعتبارها دولة قائدة ورائدة، ودولة دور لا تستطيع ولا تملك أن تتخلى عنه، أو تُهمله، أو تتعامل معه كأنه أمر من الأمور العادية؛ فدورها الثقافي جزء من دورها الحضاري والاقتصادي والإنساني والتاريخي.
والرواية تقف في مقدمة الأشكال الأدبية التي تُكتب مستخدمة الحرف العربي. إنها تسبق الشعر كثيرًا، وتتفوق على النقد الأدبي، والكتابة الاجتماعية، والكتابة الفكرية، والكتابة السياسية، والكتابة التاريخية. صحيح أن كل هذه الكتابات مطلوبة ولا بد منها، لكن الرواية تحتفظ بمكانٍ يسبق كل أشكال هذه الكتابة.
يساعدها على ذلك أمران: الأمر الأول أن نحتفل في القريب العاجل بمحو أمية آخر مصري، وسيكون احتفالًا حضاريًا ضخمًا وعملاقًا. الأمر الثاني، الذي لا يقل عنه في الأهمية، أن نستعيد جميعًا صناعة السينما المصرية التي كانت رسالة مصر إلى الوطن العربي والعالم الثالث والعالم كله، يسبق ذلك أن تصل هذه الرسالة إلى المواطن المصري أياً كان المكان الذي يعيش فيه، سواء قرية أو عزبة أو نجع أو كفر أو مدينة صغيرة.
المهم أن نجد دور السينما متربعة في كل مكانٍ نذهب إليه في بر مصر. وهذا سيجعلنا نستعيد صناعة كانت في النصف الأول من القرن العشرين هي الصناعة الثانية في بر مصر بعد صناعة القطن والغزل والنسيج، التي كانت وما زالت وستظل الصناعة الأولى في بر مصر.
عند الكلام عن مستقبل الرواية والقصة الطويلة والقصة القصيرة لا بد من البدء من منطقة الذكاء الاصطناعي. صحيح أنها جديدة، في حين أن النص الروائي قديم ومُعمِّر، لكن الذكاء الاصطناعي إحدى الطرق التي توصلنا إلى ازدهار الكتابة الروائية وانتشارها، وأيضًا قراءتها والإقبال عليها واعتبارها مسألة أساسية.
وأيضًا لا بد أن تتوقف مصر كلها مع الإنتاج السينمائي، لأن السينما شديدة الأهمية لازدهار فن الرواية وارتقاء ذوق الناس وجعل حياتهم أفضل والتعامل معها أكثر جمالًا من ذي قبل. كانت عندنا رواية، ونحن أبناء الحضارة التي أهدت الدنيا كلها أول نص روائي كُتب في صدر البشرية، وهو «ألف ليلة وليلة». ذلك العمل العبقري العظيم الذي تربينا عليه ابتداءً من المواطن العادي، انتهاءً عند المثقف والناقد، وصولًا إلى الروائي وكاتب القصة الطويلة والقصيرة.
هذا التراث لا بد أن نستحضره ونطبعه، ويكون متاحًا في أيدي الناس بأرخص الأسعار الممكنة حتى تطلع عليه الأجيال الطالعة وتقرأه وتُدرك ما فيه من سحرٍ وعذوبة وجمال. فالبشرية كلها تعرف حضارتنا العربية بأنها صاحبة «ألف ليلة وليلة»، والملاحم الشعبية الكثيرة التي جابت الدنيا كلها. بل إن بعض أبناء الحضارات الأخرى يعرفون حضارتنا بأنها الحضارة التي أنجبت شهرزاد ولياليها العظيمة، وحكاياتها ذات السحر الذي لا ينقطع ولا يتوقف ولا يُملّ من تكرار حكاياته وما فيها من سحرٍ وفنٍ وجمالٍ إنساني شديد الندرة.
أرجو ألا يُفهم من كتابتي أنني أحلم بألف ليلة وليلة جديدة، ولكني أكتب هذا الكلام وعيني على شهرزاد وهي تقول:
•بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد.
وحولها السلاطين يستمعون إلى ما تقوله من حكاياتٍ لا حد لجمالها، ولم تفقد هذا الجمال إطلاقًا.
نحن نعرف الجيل المؤسس للكتابة الروائية، وعندما جاءت «نوبل»، أهم جائزة أدبية في عالم اليوم، سنة 1988 في نهايات القرن الماضي، جاءت لروائي الكل يُجمع على أنه مؤسس لفن الرواية العربية، وهو نجيب محفوظ. صحيح أن بعض النقاد كانوا قبل مجيء «نوبل» يعتبرون الدكتور محمد حسين هيكل، صاحب رواية «زينب»، هو المؤسس الأول لكتابة الرواية، وأنا لا أُقلِّل من دوره ولا من أهمية روايته.
لكن نجيب محفوظ يختلف عنه في أنه صاحب مشروع أدبي كبير عكف عليه سنوات عمره كلها، وكتب فيه سواء الثلاثية أو النص الروائي أو القصة الطويلة أو القصة القصيرة أو النص المسرحي. وأيًّا كان مؤسس هذا الفن في الأدب العربي الحديث، سواء كان الدكتور محمد حسين هيكل صاحب رواية «زينب»، أو نجيب محفوظ صاحب المشروع الروائي الكبير، فإن لدينا فنًا جميلًا وعظيمًا تُقبل عليه الجماهير بشكلٍ غير عادي.
وما زلت أذكر عندما كان الراديو المصري هو سيد الأذن العربية، وكان يُذيع «ليالي ألف ليلة وليلة»، وكانت الجماهير تلتف حوله تنتظر الحلقة الجديدة، وتجلس بالساعات في انتظار أن يهلّ عليهم صوت شهرزاد لتقول عبارتها الجميلة الخالدة، والتي لا يمكن نسيانها:
* بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أن ما جرى وكان قد بدأ على النحو الآتي.
ليس لديَّ إحصاء بما تُخرجه المطابع العربية في أقطار وطننا العربي من النصوص الروائية والقصصية، ولكن من المؤكد أن لدينا أجيالًا شابة تقتفي أثر نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ويوسف السباعي، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ومحمود تيمور، وحنا مينا، وإسماعيل فهد إسماعيل، وسهيل إدريس، وإميل حبيبي، والطيب صالح، والطاهر وطار، وصولًا إلى جيل الستينيات في برّ مصر، والذي امتد وأصبحت له نظائر في وطننا العربي، وخرج منه مصريون: جمال الغيطاني، ويحيى الطاهر عبد الله، وغيرهم كثيرون.
ولهم نظائر في أقطار وطننا العربي وعالمنا الإسلامي لا يمكن إحصاؤها ولا تحديد أعدادها، لأن الواقع يطرح مع كل صباحٍ جديد أسماءً مغايرة تُدوِّن رؤى مختلفة في كتابة النص الروائي والقصصي العربي الراهن.
وعلى الناحية الأخرى يمكنني القول بضمير مطمئن، وقلب مستريح، ووجدان هادئ، إن إقبال القارئ العربي على النص الأدبي يبدأ بالرواية، ويلتف حول القصة وكل ما يتصل بهما من أشكال الكتابات الأخرى، وهذا الحال مرشح للتنامي والاتساع مع ما يهلّ علينا من أيامٍ قادمة، ستحمل معها أجيالًا جديدة من الروائيين والقصصيين ونقاد السرد، الذين سيخرجون من رحم هذا الواقع الروائي والقصصي المثير للخيال، والذي يُطمئن النفس العربية إلى تراثٍ مجيدٍ وتليد، وحاضرٍ مزدهر، ومستقبل نُعلِّق عليه كل الأحلام التي يمكن أن نُعلِّقها عليه، ابتداءً من هنا والآن وحتى آخر الزمان.
نعود إلى مستقبل الرواية، فهو واعد، ولكنه يشهد تحولات، يركز على مزج التقاليد بالتقنيات الحديثة، مع اهتمام متزايد بالروايات الشبابية، وتأثير الذكاء الاصطناعي، وتنوع أشكال النشر. ورغم تحديات التكنولوجيا، تظل الرواية أداة تنويرية قوية لتحفيز الخيال والفهم العميق للإنسانية، مع استمرار البحث عن أصوات جديدة وأساليب مبتكرة.
ويتدخل التطور التكنولوجي في مستقبل الرواية، فهناك تساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في الكتابة الإبداعية وقدرته على إنتاج قصص جيدة، وهل سيحل محل الكاتب البشري أم سيكون أداة مساعدة؟
كذلك الاستفادة من التقنيات الجديدة في الغرب لتطوير الرواية العربية والوصول إلى آفاق عالمية، كما حدث مع روايات الشباب التي تحولت إلى أفلامٍ سينمائية ناجحة. ومن حيث تحولات المحتوى والأسلوب، فإن الروايات الشبابية تشهد رواجًا كبيرًا وقاعدة جماهيرية واسعة، وتتسم بأنها خفيفة وسهلة القراءة، وتجذب اهتمامًا كبيرًا من الجمهور، وتنتج عنها أعمال سينمائية وتليفزيونية.
وتستمر الرواية في عكس التحولات السياسية والاجتماعية العنيفة متأثرة بالواقع، مما يولد انفلاتًا روائيًا جريئًا لدى الأجيال الشابة، حسب تعبير بعض النقاد. وتظل الرواية أداة فعالة لتنوير المجتمع وتعميق الفهم، وتقدم أكثر من مجرد التسلية؛ فهي تعزز التعاطف وتوسيع وجهات النظر.
وباختصار، فإن مع ظهور أجيال جديدة من الروائيين البارعين في استخدام الأدوات الحديثة، مع الحفاظ على جوهر الفن الروائي.

الاكثر قراءة