الإثنين 12 يناير 2026

مقالات

مستقبل اللغة العربية


  • 6-1-2026 | 10:09

عبدالحميد مدكور الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة

طباعة
  • عبدالحميد مدكور الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة

تكتسب عملية استشراف المستقبل أهمية كبرى في الواقع المعاصر، ولا سيما لدى الدول المعنية بتطوير العلم وتحديث التقنية، ويمثل هذا الاهتمام ركنا أصيلا في رسم سياساتها، ووضع برامجها، وتجهيز الخطط للتعامل مع ما يجد من مشكلات، ووضع التصورات التي يمكن وقوعها في المستقبل، والتصدى لمواجهتها بخطى ثابتة، لا تربكها الأحداث الطارئة، بما يتطلبه ذلك من معلومات وإحصاءات يتم وضعها طبقا لمناهج مستقرة، بعيدا عن العشوائية والحلول المتعجلة.

وعلى الرغم من هذا التوجه نحو المستقبل فإن المعرفة الدقيقة الشاملة بالواقع، وما يتحقق فيه من مواطن القوة، أو يؤثر فيه من مواطن الضعف تعد أمرا ضروريا لابد من أخذه في الاعتبار، لأن الجديد الذى ينتظر حدوثه في المستقبل لا يهبط على المجتمعات فجأة أو طفرة، بل إنه يرتبط ارتباطا عضويا بالواقع الذى يمثل نقطة الانطلاق نحو المستقبل فالجديد يخرج من أحشاء القديم، ويبنى عليه، ويتأثر به، ولا يمكن انفصال أحدهما عن الآخر، مهما بلغت نسبة التطور الذى قد يقع بخطوات ذات وتيرة متسارعة ولكنها لا تنفصل تماما عن أصلها الذى انبثقت منه، ويمكن تمثيل هذه العلاقة بالمراحل التي يمر بها الإنسان في حياته، من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الصبا فالشباب فالكهولة فالشيخوخة، وإن كان خط التطور في حياة المجتمعات القوية إلى مستويات عليا من التطور بما تمتلكه من وسائل القوة في جوانبها المختلفة.
وليس استشراق المستقبل بالأمر السهل، بل إنه يتطلب شروطا كثيرة كى يحقق النجاح المرجو منه، ومن هذه الشروط جودة التصور، وامتلاك قدر عال من الخيال العلمى المؤسس على المعلومات الدقيقة، والاحصاء المنضبطة والقدرة على التنبؤ، واقتراح البدائل والاحتمالات والنظرة الكلية الشاملة، ويمكن أن نستحضر هنا سؤالاً يوضح هذه الصعوبة ويكمن هذا السؤال في العبارة التالية: ماذا لو رجعنا مئة سنة إلى الوراء؟ وسألنا الناس عن توقعاتهم لما يمكن حدوثه بعد هذه المئة من السنين؟
إن أذكى الناس عقولا- باستثناء أصحاب الخيال العلمى- ما كان ليخطر على عقولهم تلك الطفرة التي قفزها العلم الذى وصل فيه التطور إلى مستويات تفوق كل التصورات في مجالات العلوم المختلفة، ومنها المجالات المتصلة بالمواصلات والاتصالات، وبحوث البيولوجيا والجينوم والانتساخ، وابتكارات الإنسان الآلى (الروبوت) واكتشافات الفضاء والأقمار الصناعية التي تجوب السموات وبناء المنصات الرقمية، الخ ويأتي على قمة هذه التطورات التقنية: الذكاء الاصطناعى الذى يوصف بأنه مارد العصر، وهو يشهد تطورا بالغ السرعة واسع المدى في المجالات الطبية والعلمية والتعليمية، بل إنه يمتد إلى المجالات الحربية.
وإذا كانت هذه السنوات السابقة قد شهدت هذا التطور الهائل غير المتوقع فما الذى يمكن أن يصل إليه العلم والعالم في مئة أخرى مستقبلة؟
إن خيال العلماء والمبدعين لا يستطيع أن يقدم تصورات دقيقة لما يمكن الوصول إليه، ولكنهم يسلمون بأن وتيرة التطور ستزداد سرعة، وشمولا، وتغييرا لصورة الحياة التي يحياها الناس الآن، ولعل الموجودين – عندئذ- سينظرون إلى ما يعيش فيه الناس الآن على نحو ما ينظر المعاصرون إلى حياة البدائيين، نظرا للطفرة الواسعة المتوقع حدوثها، وليس معنى ذلك أن استشراف المستقبل سيكون مغامرة أو رجما بالغيب، بل إنه سيكون مؤسسا على كل ما حققته البشرية من خبرة علمية محكومة بالشروط والقواعد المنهجية التي حصلتها على مدار العصور.
وإنى لاستحضر هذه المعانى وهذا الحذر العلمى وأنا افكر في مستقبل اللغة العربية، وهو فكر يجمع في رحابه ما يتعلق بالصورة التي تجمع الحاضر والمستقبل معا؛ لما بينهما من ارتباط وثيق كما سبق القول.
والنظر في واقع اللغة العربية، في العالم العربى بصفة عامة مع التسليم ببعض الاختلاف الذى يشهده من بلد إلى آخر.. يدلنا على أن هذه اللغة تواجه تحديات ومصاعب كثيرة؛ بعضها من داخل العالم العربى وبعضها من خارجه، وسأشير إلى ذلك بإجاز شديد ومن هذه التحديات ما يأتي:
أن هذه اللغة لا يتحقق لها من الفرص ما يؤدى إلى اكتسابها، فهى لا تسمع إلا قليلا، والطفل- على سبيل المثال- لا يسمعها في البيت ولا في مدارس اللغات، ولا في المدارس الحكومية التي يقع التدريس فيها حتى في مواد اللغة العربية أحيانا- باللهجة العامية، وهو كذلك لا يسمعها في الإعلام إلا قليلا، ولا يسمعها- حتى في الأغانى، ولا في السينما ولا في المسرح إلا قليلا، فكيف يمكن له أن يكتسب هذه اللغة التي لا تكتسب إلا بالسماع المعقول لها، كما يحدث في اكتسابه للهجة العامية أو اللغة الأجنبية التي يسمعها في مدارس اللغات، والمدارس الدولية، ثم إن الطالب الذى يحصل على الشهادة الثانوية لن يلتقى باللغة العربية أبدا إلا إذا دخل قسما من أقسام اللغة العربية، أما ما سوى ذلك فإن تدريس العلوم التأسيسية والرياضية يكون بلغة أجنبية كالانجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات التي تستعملها الجامعات في شتى أنحاء العالم العربى.
2 - هناك دعوات كثيرة إلى أن اللغة العربية ليست مهيأة لتدريس العلوم بها، وأصحاب هذه الدعوات يصفونها بالعجز والقصور والبداوة، وأن اللجوء إليها سيؤدي إلى التخلف عن اكتساب علوم الحضارة والتقنية التي تحملها اللغات الأجنبية بل إن بعض هذه الدعوات قد بلغ حداً من المبالغة التي دعا فيها الحكومات إلى عدم تعليم اللغة العربية، لعجزها في تطرهم عن أن تكون لغة علمية.
3 - توصف اللغة العربية بالصعوبة وبخاصة فيما يتعلق بقواعد اللغة نحوها وصرفها ومعجمها، وتساعد الأخطاء التي تقع في تدريسها على شيوع هذا الوصف، ثم يتأكد ذلك بما يقع في امتحاناتها من صعوبات أو ألغاز، ولا سيما في الثانوية العامة، وهى صعوبات لا تتعلق باللغة في ذاتها ولكنها تتعلق بالمادة العلمية وطريقة بتدريسها وطريقة تقويها وكم من فرص ضاعت على الطلاب وذويهم من هذه الصعوبات الموسمية التي تؤدى- ظلما- إلى تشوية سمعة اللغة العربية والإحساس بالكره لها والنفور منها.
4 - وتواجه اللغة العربية كذلك تحدياً يتعلق بالتقنية من حيث قلة المحتوى العربي على الشبكات الإلكترونية لقلة العناية بهذا الجانب من قبل أهل الاختصاص من العلماء الذين يدرسون باللغات الأجنبية التي تعلموا بها، ونالوا شهاداتهم العلمية بها ولذلك يسهل عليها التعليم بها، وهم يقفون في وجه كل من يدعوهم إلى العناية باللغة العربية واستعمالهم في تدريسهم أو في مؤلفاتهم يضاف إلى ذلك أن كثيراً من الشباب يستخدم في شبكات التواصل الاجتماعي لهجة عامية، وحروفا لاتينية وأرقاما عددية، وقليلا ما يستعملون العربية وهذا أمر لا يكاد يحدث مع لغات أخرى غير اللغة العربية.
ويحدث هذا كله على الرغم من أن لغة الشعوب العربية- بحسب دساتيرها وبحسب تاريخها وهويتها القومية هي العربية وهى – في معظم الدول العربية- هي اللغة الوحيدة التي تنص الدساتير عليها وقليل منها هو الذي يضيف إليها لغة أخرى كالامازيغبة في بعض دول الشمال الإفريقي والكردية في العراق.
ويؤدي عدم استعمال اللغة العربية بالقدر الكافي في التعليم والإعلام، وفي الحياة العامة وفي البنوك وشركات الطيران وإجادتها، بل إنه يؤدي إلى عدم الإقبال عليها واستعمالها وإجادتها، بل إنه يؤدى إلى عدم العلم بتاريخها ومخزونها الثقافي ومراحل ازدهارها التي كانت لها في قرون كثيرة من تاريخها، وما وصلت إليه من رقي علمي جعلها اللغة الأولى للعلم في العالم كله مدة تزيد على خمسة قرون تكلم العلم فيها بالعربية، وسطعت في سماء العالم كله أسماء العلماء الذين كتبوا علمهم بالعربية كالكندي والرازي والخوارزمي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم وابن البيطار وابن رشد والطوسي وابن خلدون وقد درست كتبهم بالعربية أو بترجماتها اللاتينية وأحدث ذلك التراث العربي نهضة علمية في الحضارة الإنسانية عامة وفي الحضارة الأوروبية علي وجه الخصوص.
ولا شك أن تضمن المناهج لذلك يزرع في عقول المتعلمين لها مشاعر الولاء والانتماء لها، ويزيل مشاعر النفور منها ومن سوء الحظ أن التحديات التي تواجه هذه اللغة ليست مقصورة على البيئة الثقافية العربية، بل إنها تواجه تحديات موجهة إليها من خارج العالم العربي، وبخاصة من الدول التي كانت تستعمر هذه البلاد العربية في شمال إفريقيا وفي غربها وفي الدول الافريقية جنوب الصحراء وفي شرق افريقيا، وهي تسلك في حربها كل سبيل فهى تثير النزعات القومية، وتدعو إلى إحياء لغات مهجورة، وهى تقوم بوضع خطط بعيدة المدي لمطاردة الحرف العربي، وتدعو إلى إحلال اللهجات العامية أو اللغات الأجنبية محلة، وبعض هذه البلاد يتخذ من هذه اللغات الأجنبية لغته الرسمية ويقدم الحاصلين على شهاداتهم بهذه اللغات في الوظائف على الحاصلين على شهاداتهم بالعربية وهم يقدمون البعثات التي تجعل من ينالونها ألسنة ناطقة باسمهم ودعاة لثقافتهم ويتمكن هؤلاء من الحصول على الوظائف الكبرى في بلادهم ومن ثم يكون لهم أمراً القيادة والإدارة والتحكم في رسم السياسات التعليمية الهادفة إلى إعلاء شأن اللغات الأجنبية على اللغة العربية التي تمثل اللغة الأصلية لهذه الشعوب قبل استعماراها، وبذلك تنقطع صلاتهم بتراثهم العربي الذي تمتلئ به خزائنهم ومكتباتهم.
ويستخلص من هذا كله – والكلام عنه يطول- أن الواقع الذي تشهده اللغة العربية ملئ بالتحديات وعلى من يستشرف آفاق المستقبل أن يجعل هذا في خاطره عندما يتجه بعقله وفكره إلى المستقبل.
ولا ينحصر الاستشراف للمستقبل على اللغة وحدها، لأن اللغة لا تحيا في فراغ، بل هي تحيا في بيئة اجتماعية حاضنة وهي التي تمنح هذه اللغة مكانها ومقامها وتهيئ لها أسباب القوة أو تحرمها منها، لنا -عندئذ- أن نسأل عن الحالة التي عليها العالم العربي في مستقبل الأيام وكيف ستكون عليه أحواله في نطاق التعليم والتقنية والصناعة الثقيلة والاعتماد على الطاقة وامتلاك الإرادة السياسية وغرس الانتماء للهوية العربية بين مواطنين، وكيف ستكون هيمنته على موارده الاقتصادية، واستشعاره لما ينبغي أن تكون عليه مكانته في العالم وهل سيكتفى باستيراد منتجات الحضارة وتكديسها لديه ويستغنى بهذه القشرة الخادعة عن أن يلجأ إلى رسم السياسات والتخطيط اللغوى لتوطين العلم والبحث العلمى، والبذل من أجل النهضة والتطور، وهل سيظل يواجه المستقبل بهذه الروح الفردية، أو أنه سيفعل مثلما تفعل الدول المتقدمة التي تعمل بطريقة جماعية على الرغم من اختلاف جنسياتها ولغاتها وثقافاتها وتاريخها الممتلئ بالحروب فيما بينها، ولكنها تتجاهل هذا كله وتجمع طاقاتها، وتقوى كيانها بجمع كلمتها وتوحيد إرادتها لتتمكن من الحفاظ على سيادتها وموقعها العلمى والحضارى، في هذا العالم الذي لايحترم إلا الأقوياء بالمعنى الشامل للقوة بما فيها القوة العلمية.
ثم هل ستعمل هذه البلاد العربية على توحيد قوتها واجتماع كلمتها، حتى لاتتحول إلى قبائل متنازعة تكون لقمة سائغة للطامعين في مواردها ومواقعها الاستراتيجية، خاضعة في نظمها التعليمية التربوية إلى سياسات مفروضة عليها، تطارد ثقافتها ولغتها ونقطع صلتها بتاريخها، وتحولها إلى دول تابعة للقوى الكبرى التي تسعى بكل السبل إلى الهيمنة عليها.
وليست هذه - فقط- هي الأسئلة الوحيدة التي يمكن إثارتها والإجابة عليها هي التي تحدد ماذا سيكون عليه شأن هذه الأمة العربية في مستقبلها، ومن أهم الأسئلة ما يتعلق بنظم التعليم والغايات التي تسعى لتحقيقها، والبحث العلمى الجماعى، وما ينفق عليه واتباع سياسات تربوية تتجه وجهة بناء العقول المبدعة، والحفاظ على ثروة الأمة من العقول التي تهاجر بعيدا عن بلادها لتكون من عوامل النهضة وأسباب التقدم والكفاءة، والسبق العلمى في بلاد آخرين تاركين بلادهم للتخلف والتبعية.
وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فإن ذلك يعطى الأمل في أن تكتسب اللغة العربية مكانة تليق بها في مجتمعات موحدة أو متعاونة. محافظة على هويتها العربية ولغتها العربية التي من أقوى العوامل في توحيدها، أما إذا كانت الإجابة في السلب، فإن ذلك سيؤدى إلى الاضرار، بمكانة هذه اللغة دون ريب.
لكن ذلك لايعنى أن تنقرض هذه اللغة، لأن هناك عوامل أخرى ستمنح هذه اللغة القدرة على البقاء، والاستمرار ومن هذه العوامل ما يأتي:
- أن ارتباط هذه اللغة بالقرآن الكريم قد منحها قديما انتشارا واسع المدى حولها من لغة محلية خاصة بالجزيرة العربية إلى أن تكون لغة العالم الإسلامي كله من حدود الصين إلى جنوب فرنسا، وهى أوسع مساحة بلغتها لغة من اللغات في تاريخ العالم كله، وهى تزيد على ما بلغته اللغة اللاتينية، لغة الإمبراطورية الرومانية في شرقها (بيزنطة) وفى غربها (روما) لأن مساحة العالم الإسلامي كانت أوسع من ذلك بكثير، وقد صارت بفضل القرآن الكريم - ثم بفضل ما أودعه الله في قلوب هذه الشعوب التي دخلت الإسلام عن طيب خطر وأشربت قلوبها حب الإسلام لغة السياسة والإدارة والأدب والعلم والفكر والفلسفة والثقافة قرونا عديدة، وعندما خرجت اللغة العربية من هذه البلاد بسبب الاستعمار الروسى وغيره من أنواع الاستعمار بقيت اللغة العربية حاضرة في هذه اللغات بتأثيرها الكبير في ألفاظها وتراكيبها ومعجمها وأدبها.
وارتباط هذه اللغة بالإسلام - في الحاضر والمستقبل سيمنحها الصمود والمقاومة والبقاء والاستمرار، لأن المسلمين أجمعين ومنهم بنو العروبة يوقنون أن القرآن محفوظ بحفظ الله تعالى، وأن اللغة محفوظة بحفظ هذا القرآن "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر9).
- أن اللغة العربية يتحدث بها ما يقارب خمس مئة مليون من البشر، وسيكونون في المستقبل أكثر عددا، ويؤازرهم ويكون ظهيرا لهم ما يزيد الآن على ألف مليون مسلم، يعظمون القرآن ويقدسونه ويعتقدون أن اللغة العربية لغة شريفة، وأنها ارتفعت إلى مقام عظيم بفضل هذا القرآن، وهم يقبلون - الآن على نحو ملحوظ على تعلم اللغة العربية، والتبرك بمعرفتها حتى يتمكنوا من قراءة القرآن الكريم الشريف، وليعرفوا أحكام الشريعة وتاريخ الإسلام، وقد شهدت شخصيا، تلاميذ في الهند يحفظون القرآن حفظا على طريقة القراء المصريين، كالشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ الحصرى والبنا وعبدالباسط عبدالصمد، وهؤلاء سيتعلمون العربية من بعد، وسيدرسون بها في الجامعات التي ينشئها المسلمون لتعليم العربية وعلوم الإسلام.
وقد كان المسلمون الذين خضعت بلادهم للاستعمار الروسى أثناء الاتحاد السوفييتى يستخفون بعيدا عن الأعين ليحفظوا القرآن الكريم، ولما أنهار الاتحاد السوفييتى ظهر هؤلاء الحفاظ إلى العلن، وبدأوا ينشئون المدارس والجامعات التي يدرسون فيها اللغة والشريعة والقرآن والحديث وسائر العلوم العربية والإسلامية، وتمثل هذه الشعوب ظهيرا قويا للغة العربية والثقافة الإسلامية.
إن اللغة العربية ذات محتوي علمي كبير يتمثل في عراقة هذه اللغة التي ظهرت إلي الوجود منذ قرون كثيرة تبلغ في بعض الدراسات العلمية الرصينة والموثقة بالشواهد العلمية والحفريات إلي أكثر من ستة وثلاثين قرناً من الزمان، والتراث المكتوب بها بالغ السعة، لأن هذه اللغة لم تختف من الوجود منذ ظهورها في ذلك الزمن السحيق، وقد صارت لغة علم وأدب وثقافة وفكر، والمؤلفات المكتوبة بها لا يمكن احصاؤها، ويكفي أن نقول إن تراثها المنشور ضخم، وأن مخطوطاتها المنتشرة في أنحاء العالم بجهاته الأربع تزيد علي ثلاثة ملايين مخطوطة، ولعل الزمان القادم يسمح بنشر الكثير منها، وكل هذا يعزز مكانة اللغة، ويقوي قدرتها علي المقاومة والاستمرار، وقد أنجز اتحاد المجامع اللغوية العربية معجماً تاريخياً لهذه اللغة شارك في إعداده وإصداره أحد عشر مجمعاً عربياً يتصدرها مجمع اللغة العربية في القاهرة ومجمع الشارقة في الإمارات العربية المتحدة برعاية كريمة من سمو الشيخ الدكتور/ سلطان القاسمي، وبلغت مجلداته 127 مجلداً لا يقل الواحد منها عن سبع مئة صفحة، وفي اليوم الذي كتب فيه هذه الصفحات ظهر معجم تاريخي آخر للغة العربية في الدوحة، ويقدم المعجمان مئات آلاف المداخل تضمها عشرات الآلاف من الصفحات، ومن شأن هذا التراث الضخم أن يكون عاملاً قوياً في بقاء اللغة واستمرارها وفتح أبواب جديدة لدراستها، والتعريف بإمكانات هذ اللغة وسعتها.
أن اعتماد هذه المعاجم التاريخية علي المنصات والمدونة الرقمية الإلكترونية المستخدمة في بنائها وإعدادها، يفتح الآفاق الواسعة لنشر هذه اللغة، وإغناء محتواها علي مواقع التواصل الاجتماعي، كما يساعد علي ابتكار طرق ووسائل مستحدثة ليسير تعلمها، وإغناء محتواها، كما أن إتاحتها الحرة المجانية علي هذه الشبكات يقربها من الجمهور ويجعلها أكثر حضوراً في الثقافة العامة، والحياة العامة.
وإذا كانت هذه العوامل السابقة تستند إلي اللغة العربية من حيث تاريخها وعراقتها واتساع محتواها، وكثرة جذورها ومرونتها، عن طريق الاشتقاق والنحت والتعريب والتقبل لما يرد إليها من جديد وافد عليها، مع اخضاع لقواعدها، والذوق الخاص بها، إذا كان الأمر كذلك فإن هناك عاملاً مهماً لا يصح إغفاله في الحفاظ علي اللغة العربية وحمايتها من الضعف والاندثار وهو سعي الحكومة بما لها من قدرة علي التنفيذ، وبالمجالس التشريعية بما لها من قدرة علي التشريع أن تصدر القوانين التي تعمل على الحفاظ عليها، وبما تنفق من الأموال على ترجمة المعارف العلمية المتطورة إليها، ولو أن الحكومات ألزمت من ترسلهم في بعثات إلى دول العالم بأن يترجم كل منهم كتاباً في تخصصه مثلما كان يفعل الشيخ رفاعة الطهطاوي لانتقل إلي اللغة العربية آلاف من الكتب في تخصصات العلم المختلفة كل عام، وهذا قليل من كثير مما ينبغي للحكومات أن تفعله للغة العربية، وقد استقر في الأذهان أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ومن قديم قال ابن حزم الأندلسي (456 هـ) في الحديث عن بقاء اللغات وزوالها (... فإن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها... فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها، ونشاط أهلها وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم... وهذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل ضرورة)
(الإحكام في أصول الأحكام 1/32)
ولعل اجتماع هذه العوامل يجعلنا بقدر عال من الطمأنينة علي اللغة العربية في المستقبل، مع اليقين بأن الأمل لا يتحقق إلا بالعمل، والأخذ بالأسباب والسنن الاجتماعية التي عليها مدار الوجود والبقاء والازدهار.
والله غالب علي أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أخبار الساعة