هل يمكن لكاتب وباحث أو عالم أن يتنبأ اليوم أو يتوقع ماذا سيكون عليه المستقبل؟ وما حدود ذلك المستقبل؟ في سنوات ومراحل سابقة كان يمكن لبعض الفلاسفة والمفكرين أن يقدموا توقعًا لما يمكن أن يكون عليه العالم بعد مائة سنة أو عدة قرون. الفيلسوف الألماني “كانط” توقع أن يحل السلام الدائم فى العالم يوما، لكن شهد العالم حربين عالميتين ومازالت الحروب قائمة إلى اليوم. أوزفالد شبنجلر- ألمانى أيضا- تنبأ بانهيار الحضارة الغربية خلال قرن، فيما عُرف باسم الدورات الحضارية، لم تنهار الحضارة الغربية بل توحشت ثم تراجعت المدة الزمنية للتوقعات أو التنبؤات لتصبح نصف قرن أو عدة عقود
في يناير سنة 1950 أصدرت مجلة «الهلال» عددًا خاصًا بالمستقبل، كان همّ العدد عن مصر والعالم سنة 2000٠. الغريب أن معظم التنبؤات لم تقع، بل سارت الوقائع على النقيض منها تمامًا، خاصة نبوءة الراحل د. سيد كريم، المعماري الكبير للقاهرة؛ جاءت سنة 2000 والقاهرة محاصرة بالعشوائيات، وزحف النزيف التام على معظم مناطقها، على عكس ما توقع هو. شارك فى العدد كتاب كبار مثل العقاد وبنت الشاطئ وأمينة السعيد، فضلا عن فكرى أباظة، وحسنا فعلت إدارة الهلال ورئيس التحرير الزميل طه فرغلى أن قررإعادة طباعة هذا العدد.
الآن، ونحن في مطلع العام 2026، هل يمكن التنبؤ أو التوقع لعشر سنوات قادمة، في ظل تسارع الأحداث وانفجارها هنا وهناك، فضلًا عن التطور المذهل تكنولوجيًا وعلميًا، وسيطرة الذكاء الاصطناعي على كثير من وظائف ومهام الإنسان؟
منذ عدة أسابيع كنا في ندوة فكرية، وتحدثت أستاذة جامعية، يسارية، مطالبة الدولة بالتوسع في إنشاء المصانع والكف عن المشروعات الأخرى. وطبقًا لما قالته فإن المصانع سوف تجذب العمالة وتقضي على البطالة، حيث توفر ملايين فرص العمل، هكذا قالت، كان الواضح أن السيدة الفاضلة تتحدث بمنطق العشرينيات في أوروبا والستينيات في مصر، حيث كان ممكنًا لمصنع الحديد والصلب في حلوان أن يستوعب أكثر من 60 ألف عامل وفني ومهندس. لكن حاليًا المصنع الذي يُنتج نفس المنتج الذي كان يقدمه مصنع حلوان وبنفس الكمية، يمكن أن يعمل بأقل من 400 عامل وفني ومهندس. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذا العدد قد يُخفض إلى العُشر مع الآلات والتكنولوجيا الحديثة. وهكذا الحال في أمور وصناعات كثيرة.
التطور التكنولوجي المذهل والثورة الرقمية تأكل فرص العمل، ويتراجع دور العامل، أقصد الفرد، الإنسان. الروبوت الآن يقدّم الشاي والقهوة في المقاهي، ويتولى أشغال البيوت والمنازل والمكاتب، وهذا كله خصم من فرص العمل المتاحة للبشر، خاصة محدودي التعليم والمهارات.
حين شرعت مصر في بناء السد العالي سنة 1960، استوعب المشروع عشرات الآلاف من العمال والمهندسين والفنيين. كان يكفي أن يسافر أي فرد إلى أسوان وهناك يلتحق بالمشروع يجد عملا وأجرا مناسبا.
اليوم، لو أن مصر قررت أن تقيم مشروعًا بهذه الضخامة، فلن يحتاج إلا إلى مئات فقط. والنموذج أمامنا حفر ازدواج قناة السويس سنة 2014؛ استغرق عامًا، وبعمالة محدودة، ذلك أن الحفارات كانت قبل أي شيء. قارن ذلك بمشروع حفر القناة أول مرة فى القرن التاسع عشر، استغرق 15 سنة وكانت العمالة بعشرات الآلاف. من ماتوا فقط أكثر من (120) ألف عامل.
تراجع أعداد العاملين والوظائف سوف ينعكس بالتالي على أمور عدة، من أبرزها تراجع مستويات التعليم وأعداد المتعلمين. سوف تكون هناك حاجة إلى تخصصات بعينها، وفرص العمل سوف تكون للمتميزين فقط. العام الماضي أعلن «بيل جيتس» أن التوظيف في شركاته لن يكون بالشهادة الجامعية ولا المؤهل الدراسي. مقولة «بلد شهادات» سوف تتراجع. يبقى التعليم مرتبطًا بالتميز وليس بكثرة الأعداد. بالطبع لن تُغلق المدارس ولا الجامعات، لكن لن تكون نفس الأعداد ولا نفس الإقبال من العائلات وأولياء أمورهم.
قلة عدد العاملين والوظائف تعني بالضرورة تراجع مكانة ودور النقابات العمالية، تلك النقابات التي أمكن لها في وقت ما إسقاط حكومات وأنظمة، كما حدث في بولندا زمن الحكم الشيوعي والارتباط بالاتحاد السوفيتي؛ نقابة عمال بناء السفن هزّت أركان الإمبراطورية السوفيتية. صحيح أن الرأسمالية المتوحشة نجحت في تكسير النقابات العمالية، لكن الثورة الرقمية سوف تؤدي إلى موتها أو إلى إضعافها إلى أقصى درجة.
لكن يبقى الجانب المضيء أو الإيجابي لتلك الثورة الرقمية والعلمية، وهو التقدم السريع في مجالات مثل الطب؛ فكثير من الأورام الخبيثة (السرطان) يتم التوصل إلى علاج ناجع لها، فضلًا عن بعض الأمراض المزمنة مثل مرض السكري. وهناك كذلك مرض (الزهايمر)، تقدم في التشخيص والعلاج المبكر. في مجال الجراحات تطورت جراحة المناظير، وبعض الجراحات يجريها الجراح للمريض وهو خارج حدود البلد، بالتواصل مع زميل وتحريك بعض الأدوات التكنولوجية الحديثة.
ثقافيًا وأدبيًا، بدأ غزو الذكاء الاصطناعي للحياة الأدبية. في العراق الشقيق تبيّن أن دار نشر أصدرت عدة مطبوعات مؤلَّفة ومترجمة، ثم ثبت أن أسماء المؤلفين وهمية، وكذلك المترجمين، حيث إن الأعمال التي نُشرت كلها قام بكتابتها «الذكاء الاصطناعي». ومن المرجح أن تتسع تلك الظاهرة في السنوات القادمة. وهذا يفرض دورًا أكبر على المبدعين بمواصلة الكتابة لمواجهة وكشف ذلك التدخل. في النهاية، الإبداع حالة إنسانية يمارسها الإنسان، أما الذكاء الاصطناعي فهو أقرب إلى عمل بعض المكاتب التى كانت تقوم بتجهيز رسائل الماجستير والدكتوراه للطلاب غير الجادين والقادرين على دفع المقابل المادى .. أو ما كان يُعرف في الأجيال السابقة بتجميع أرشيف لبعض المواد وتنسيقها معا، فتبدو للوهلة الأولى جديدة، لكنها بلا روح وبلا إبداع ولا ابتكار.
الخيال والإبداع حالة إنسانية خالصة، يقوم بها ويمارسها إنسان مبدع. يمكن للذكاء الاصطناعي وغيره أن يقدم تقليدًا لشكسبير ونجيب محفوظ والجاحظ وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم، لكنه لن يقدم مبدعًا أو اسمًا جديدًا في دنيا الفكر والأدب. «جمهورية أفلاطون» تبقى عملًا فريدًا أنتجه فيلسوف عظيم. صحيح أنه من الممكن تقليد «الجمهورية» أو محاولة استنساخ عمل على غرارها، لكن تقديم عمل جديد، أدبيًا وفلسفيًا، هذا دور الإنسان المبدع فقط.
الحضارة في الأصل فعل وإنجاز إنساني، لذا يبقى الإنسان هو السيد. وهذا يفرض على المبدعين والمفكرين مواصلة الإبداع والابتكار، وتقديم الجديد. أما العلماء يبقى دورهم ضروريا ومهما.
التطور التكنولوجي يسهل بعض الأمور، أقرب إلى الأداة الناجزة والسريعة. فضلًا عن أن هذا التصور يشهد جديدًا باستمرار؛ الإنسان هو الذي يقدم الجديد، يكتشفه ثم يتيحه للجميع.
وطبقًا لهذا التطور سوف يتطور الإبداع الإنساني، أدبًا وفكرًا. مثلًا، مع نجاح التجربة الصينية في التحديث ومواجهة الفقر، في ظل حكم الحزب الشيوعي الصيني وعدم الاعتداد بالديمقراطية وفق النموذج الغربي، من المتوقع في قادم السنوات ألا تكون الديمقراطية على هذا النحو لها أولوية أولى كما كان الأمر في العقود الماضية.
لكن قضايا مثل الحريات العامة والخاصة سوف تبقى شاغلًا رئيسًا، ومن المتوقع أن تأخذ مساحة أكبر، إذ إن التطور المذهل تكنولوجيًا ورقميًا يمكن أن يعزز الحريات العامة في إطار الاستحقاق بتلك المنجزات والحفاظ عليها.
على المستوى المصري يمكن القول إن المستقبل في السنوات العشر أو العشرين القادمة يدعو إلى التفاؤل: ارتفاع مستويات التعليم، كثرة عدد الجامعات، التوسع في التأمين الصحي حتى يشمل الجميع، فيتحرر المواطن من عبء العلاج والمرض. وهذا يؤدي إلى انطلاقة أكبر في مجال التنمية المستدامة، مع مشروعات البنية الأساسية الضخمة التي تربط أنحاء البلاد بعضها ببعض.
علميا هل لنا أن نتوقع تقدما فى مسألة تحلية مياه البحر، لتكون أسرع وأسهل وأقل تكلفة بما يكفى أن نواجه مشكلة الجفاف فى العالم والتصحر، بحيث يمكن شق أنهار وقنوات من البحرين المتوسط والأحمر إلى قلب الصحراء، ليتجاوز المساحة التى تطمح إليها الحكومة وهى ١٤% من أرض مصر. إننا نراهن فى ذلك على العلماء ومراكز البحث العلمية وكليات العلوم بمختلف جامعاتنا.
إذا حدث ذلك، فإننا نكون بإزاء مصر جديدة، مجتمعات ومدن فى قلب الصحراء..
خلال خمس سنوات تنجح خطة مصر فى توطين الصناعات هنا، فلا نلجأ إلى الاستيراد، بل نصبح مصدرين ويتحسن المدفوعات..
سياسيًا وثقافيًا، سوف يترتب على ذلك تراجع تيارات التشدد والتطرف، وازدياد مساحة الحريات العامة، وتخلص المواطن من المخاوف التي ترهقه نفسيًا، وتضربه بسبب الخيارات الصعبة التي تفرضها جماعات التشدد. لكن يبقى الخطر على الأبواب من الحدود الملتهبة جنوبًا وغربًا وفي الشمال الشرقي، وسوف يكون علينا العمل بجدية على حماية حدودنا وبلادنا، ثقافتها وهويتها.
القادم أفضل.