الثلاثاء 13 يناير 2026

مقالات

العشوائيات الرقمية

  • 8-1-2026 | 13:12
طباعة

يخطئ البعض حين يخلط بين التعاطف الإنساني والتستر على ظواهر رقمية هدامة، فما نشهده اليوم عند سقوط بعض من يطلقون على أنفسهم لقب بلوجرز في قبضة القانون، ليس سوى الوجه الحقيقي لعملة زائفة.

 عملة استغلت منصات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها تيك توك، لبث محتوى متهاو يتأرجح بين الإساءة المباشرة للأجيال الصاعدة وتشويه صورة المجتمع، عبر فيديوهات تفتقر إلى أبسط معايير الحياء والقيم والمسؤولية.

إنهم أقنعة مستعارة تعيش بيننا داخل عالم غريب تحكمه أوهام الشهرة السريعة، حيث تذوب الهوية الفردية تماما لصالح الترند، عالم يفرز فئة عجيبة تعرف بمسمى أشباه النجوم، فنجد شبيه الفنان الفلاني وشبيهة المطربة الفلانية، وأحيانا من يرتدي ثوب فنان أو يقلد حركاته ونبراته، لا لشيء سوى حصد المشاهدات، وهكذا يتحول الفضاء الإلكتروني إلى ما يشبه سيرك الأشباح، نسخ مشوهة بلا موهبة حقيقية، تبحث عن النجاح عبر تقليد نجوم كبار، انطلاقًا من اعتقاد خاطئ بأن النسخة المقلدة قد تحصد ما صنعه الأصل عبر سنوات من الموهبة والجهد.

وكان حفل زفاف الزومبي ذروة العبث ولعل ذروة هذا العبث ما شاهدناه مؤخرًا من تنظيم ما أُطلق عليه حفل زفاف وهمي، اجتمع فيه هؤلاء الزومبي الرقميون من أشباه النجوم، في مشهد كاريكاتيري يجسد الفراغ الفكري وانحدار الذائقة، لم يكن الحدث سوى استعراض فج لجمع أكبر قدر من المشاهدات، بلا مضمون أو رسالة، سوى المزيد من الضجيج الإلكتروني.

وعند عقد مقارنة بسيطة بين الماضي والحاضر، يظهر الفارق جليا، ففي الزمن الجميل، كان كبار النجوم وعائلاتهم يترفعون عن الظهور المجاني والمبتذل، وكان الحضور الاجتماعي مرتبطًا بالقيمة والتأثير الحقيقي، لا بعدد اللايكات.

 نعم وجد شبيه عادل إمام، وتوأم فريد شوقي، وأشباه عماد حمدي وزبيدة ثروت وغيرهم، لكنهم لم يحاولوا يومًا استغلال الشبه لاقتحام الوسط الفني أو الاتجار باسم غيرهم، إدراكًا للفارق بين الموهبة الحقيقية والاستنساخ الرخيص.

ولا يمكن فصل هذه الظواهر عن مناخ عام سمح بتضخيم الرداءة ومنحها مساحات أوسع من الاهتمام، حتى أصبحت الإساءة نفسها وسيلة للشهرة، فبدل أن تكون منصات التواصل أدوات للتنوير والتعبير، تحولت في أيدي البعض إلى مسارح للفوضى القيمية، يتم فيها تسويق التفاهة باعتبارها حرية والانحطاط بوصفه محتوى.

إن هذا العالم المليء بالفتن والمحتوى المسيء يتطلب وقفة حازمة، لا تكتفي بالإدانة اللفظية، بل تمتد إلى محاصرة هذه العشوائيات الرقمية وتجفيف منابعها، فحماية المجتمع، لا سيما الأجيال الجديدة، تفرض علينا مواجهة هذا التزييف الممنهج للوعي، وإعادة الاعتبار لمعنى الفن والقيمة والمسؤولية، قبل أن يتحول الفضاء الرقمي بالكامل إلى مقبرة للذوق والهوية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة