قبل 15 عامًا كنتُ أُجري بحثًا عن منطقة وادي وردان في غرب سيناء، والتقيتُ أحد شيوخ البدو ليكون لي دليلًا، واستأجرتُ منه سيارته التي تعرف دروب الجبال والوديان. وأراد الشيخ أن يختبرني في بعض المعلومات عن عيون المياه في الوادي وجبل الراحة. وحينما أجبته بما أعرف عن عيون «الهلالية» و«الخرارة»، ومنابع الأمطار في صخور الحجر الجيري من جبل «بُضيع»، أجابني بقوله: «نعم، كلامك صحيح...... لكن الأجانب يعرفون أكتر منك!».
ذهب الرجل موضحًا أن عددًا من علماء الأرض الأجانب كانوا يأتون في سنوات سابقة إلى هذه المنطقة، ويرفعون خرائط تفصيلية ليست متوفرة في البحث الذي أقوم به عن نفس الوديان والعيون والجبال، وبمعلومات يبدو أنني لا أعرفها إلا بقدر طفيف نتيجة رحلتي القصيرة التي لم تزد على أسبوعين.
عامًا تلو العام، تزداد حاجتنا إلى إحداث طفرة كبيرة في الاهتمام العلمي بسيناء، ويجب أن تشهد العقود المقبلة من القرن الحادي والعشرين زخمًا أكبر مما تحقق بالفعل في السنوات الماضية.
يحدوني الأمل في إقامة المركز الوطني لعلوم الأرض في سيناء، يكون له ثلاثة أفرع: العريش في الشمال، ونِخِل في الوسط، وكاترين في الجنوب. وقد اقترحتُ من قبل، على صفحات بعض الصحف المصرية السيارة، أنني أتمنى أن يكون هذا المركز الوطني نواةً لجامعة كاملة في علوم الأرض.
تبدأ هذه النواة باختيار أفضل خمسين باحثًا وعالمًا في تخصصات علوم الأرض، لينتقلوا بكامل حياتهم وأسرهم ومستقبلهم إلى تلك المواقع الثلاثة. يجب أن يحصل هؤلاء على رواتب كريمة تجعلهم لا يفكرون في شاغلٍ إلا البحث العلمي. ويجب أن تكون أغلبية هؤلاء الباحثين في الفئة العمرية من 25 إلى 40 سنة، ولا يمارسون أي أعمال تدريسية، بل يتنقلون بسيارات مجهزة إلى كل شبر في سيناء، ويرسمون خرائط، ويؤلفون بحوثًا، ويكتشفون صخورًا ومعادن وخامات ومصادر للمياه.
وكنتُ قد أعطيتُ تفصيلًا آخر لهذا الاقتراح/الأمنية، بأن يكون هناك بضعة أساتذة مخضرمين في التخطيط والإشراف والإدارة العلمية، لمن تجاوز عمره الخمسين أو الستين. كما يجب استقطاب عدد من أبناء سيناء من عوائلها وقبائلها العريقة، لا ليعملوا في الشؤون الخدمية والإدارية، بل تدريبهم ليكون منهم باحثون وعلماء في المستقبل، لتعزيز التنمية في سيناء؛ فبهذه الطريقة يتم خلق «الباحث المحلي الخبير» كي تتكامل الجهود مع دور الباحثين الوافدين من المركز الإداري للعاصمة، أو جامعات وادي النيل والدلتا.
وتمضي الأمنية في أن يشارك هؤلاء جميعًا في وضع لبنات أولى وقوية لتأسيس جامعة لعلوم الأرض، تأخذ على عاتقها توفير البحوث والكتب والدراسات من أجل مضاعفة تعمير سيناء وتنميتها على المدى البعيد، بما يتفق مع الخطة الحالية لجهود الدولة في تطوير سيناء، ومد المحاور الفعالة للعمران فيها. والحقيقة أن هذه الأمنية لا يمكن أن تكتمل إلا بالشطر الأكبر من جغرافية سيناء المكمل لها: أعني صحراء مصر الشرقية.
بين الوادي والبحر
تمثل صحراء مصر الشرقية ميدانًا جاذبًا للبعثات الأجنبية، التي أصدرت في العقود الأخيرة مجموعةً من أهم الكتب والمجلدات عن التاريخ البيئي والكشوف الأثرية في ذلك الإقليم المصري العظيم الممتد بين البحر الأحمر شرقًا ووادي النيل غربًا. وقد أدّيتُ واجبي ونقلتُ، بمشاركة بعض زملائي، عددًا مهمًّا من هذه المراجع إلى اللغة العربية، لتصبح بين أيدي جمهور القراء المصري والعربي.
تتمتع البعثات الأثرية في الصحراء الشرقية بمميزات عمل لا تُتاح لكثير من الباحثين المحليين، فلديهم ترسانة من الأرشيف المنظم في جامعاتهم الأجنبية يعودون إليها قبل الشروع في النزول للصحراء. تلك الترسانة تقدم كل ما هو مطلوب في تخصصات التاريخ والجغرافيا، فضلًا عن ـ وهو الأهم ـ سجلٍّ بالخرائط مختلفة المقاييس لقطاعات الصحراء الشرقية. يراجع هنا الباحثون الأجانب ما كتبه الرحالة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومطلع القرن العشرين بلغات فرنسية وألمانية وإنجليزية، ويُعيدون رسم المواقع التي مرّ عليها هؤلاء الرحالة.
كما تتمتع البعثات الأجنبية بتسهيلات مالية وتقنية لا نقول إنها غير متوفرة للباحثين المحليين، بل نقول إنها غير منظمة في التوزيع، خاصة ما يحتاجه الباحثون المصريون من سيارات دفع رباعي، وأجهزة رفع مساحي، ورعاية إصدار ونشر البحوث العلمية في كبريات دور النشر. لكن أهم ما يتمتع به الباحثون الأجانب، ولا بد من الالتفات إليه في مصر قبل فوات الأوان، هو فريق العمل الذي يتألف من عدة تخصصات؛ فبدهيٌّ أن دراسة التاريخ والآثار في صحراء مصر الشرقية لا يمكن أن يحملها على عاتقه باحث فرد، إذ إن الأمر يحتاج إلى متخصصين في الجيولوجيا، والجيوفيزياء، والجغرافيا، والتاريخ، والآثار، واللغة المصرية القديمة، واللغة اليونانية القديمة، واللغة اللاتينية، وغير ذلك من لغات حديثة. هنا يسهم كلٌّ في تخصصه قدر علمه وبحثه.
في المقابل، تعاني جهود الباحثين المصريين (من مؤرخين وأثريين وجغرافيين ولغويين) سوء التنظيم وعدم الاجتماع على فريق عمل واحد يخرج لنا منتجًا باللغة العربية عن هذا الجزء الأصيل من أرض بلادنا.
ومن أمنياتي في عام 2026 أن نجتاز العوائق التي تَحول دون تكوين فرق عمل مصرية وطنية تنتج أعمالًا علمية متكاملة عن الصحراء الشرقية، أهمها أن البحث العلمي في مصر ما زال يعمل في معزل بعضه عن بعض، لا تجمعه مشروعات وطنية تجسر الفجوة بين التخصصات المختلفة. تُعد صحراء مصر الشرقية كنزًا للمعادن والخامات ومناجم الذهب والأحجار الكريمة، التي جلب منها الملوك والحكام كل ثرواتهم التي أبهروا بها العالم في قصور ومعابد، أو استغلوها في الصناعة والتجارة والحرب.
وهي كنز بموقعها الاستراتيجي الذي ربط مصر بالعالم؛ فلولا سواحل البحر الأحمر المطلة على الصحراء الشرقية ما كان قد تحقق لمصر أي ارتباط ببلاد شبه الجزيرة العربية واليمن والصومال وإثيوبيا والهند، بل إندونيسيا وجزر جنوب شرق آسيا، عبر العصور الأربعة: المصري القديم، والبطلمي، والروماني، والعربي. وهي مستودع بشري لا يضم فقط قبائل البشارية والعبابدة والمعازة، بل تزداد كل يوم الاكتشافات العلمية التي تؤكد أن الصحراء الشرقية (بمعناها الأوسع بين نهر العطبرة في السودان جنوبًا وحتى شبه جزيرة سيناء شمالًا) كانت أحد المواطن الأولى التي هاجر منها الإنسان من مسقط رأسه في شرق إفريقيا.
لقد كشفت الأبحاث الحديثة أن الصحراء الشرقية تضم العديد من المواضع (كما في كهف صدمين قرب سفاجا، وكهف بيلي قرب الغردقة)، التي تحوي أدلة على وجود الإنسان قبل أكثر من 100 ألف سنة، أي إنها كانت موطنًا للجماعات البشرية التي استوطنت مصر قبل أن يهبط الإنسان إلى وادي النيل ويقيم فيه حضارتها الموسومة بـ«هبة النيل». علينا هنا أيضًا أن نفكر في أن مصر، من هذه الزاوية، هي أيضًا «هبة الصحراء الشرقية».
سأحتفظ بأمنيتي في عام 2026 بتأسيس ما أسميه «المركز الوطني لبحوث ودراسات الصحراء الشرقية»، الذي يُفترض أن يضم عددًا من العلماء والباحثين وطلاب الدراسات العليا، ورسامي الخرائط، والمصورين الفوتوغرافيين، والرحالة، وغيرهم، بحيث يسهم كلٌّ في تخصصه في تقديم دوره للكشف عن خبايا الصحراء الشرقية الطبيعية والبشرية.
الصحراء الشرقية يمكن أن تجذب ملايين السائحين كل عام؛ لأن بها مواضع ومواطن لا نظير لها في أي مكان آخر في العالم. ومن الواجب وضع هذه المواطن المتميزة أثريًّا وتاريخيًّا وجغرافيًّا على خريطة الترويج السياحي في العالم. ومن ثم لا بد من تجهيز بنية أساسية أفضل من شبكة الطرق المُهشَّمة التي تعبر الصحراء الشرقية حاليًا.
هذه الطرق الحديثة، بالمناسبة، مُدَّت فوق الطرق القديمة التي كانت هنا قبل ألفي عام أو أكثر. كل ما هو مطلوب في هذه الطرق صيانة دورية ورعاية دائمة، وحماية من أخطار السيول والتشقق الناجم عن تباين الحرارة والبرودة في عمق الصحراء. تحتاج البنية الأساسية أيضًا إلى خدمات فندقية بين وادي النيل والبحر الأحمر، حتى نستطيع استقبال الزوار الجدد الراغبين في الاستفادة من تاريخ وفن وثقافة الصحراء.
بهذا المعنى ينطبق على أرض الصحراء الشرقية حقًّا معنى «الكنانة»، ففيها كل «مكنون» مما يمكنه الإسهام في النهوض بالاقتصاد المصري في المستقبل.
مستقبل الجغرافيا في مصر
ويرتبط بأمنيتي لعلوم الأرض في عام 2026 إجابةٌ على السؤال الذي أُثير في السنوات الماضية: هل الجغرافيا هي ذلك العلم الذي يتخرج فيه معلمون في المدارس الإعدادية أو الثانوية فحسب؟ وهل إلغاء أقسام الجغرافيا في الجامعات سيضر الأمن القومي للدولة؟ وكيف يمكن إذن تكوين مواطن عارف بحدود بلده وعناصر أمنها وخصوصيتها الثقافية بين الأمم؟!.
توحي القراءة السريعة للمشهد بأن في مصر فائضًا في أعداد معلمي الجغرافيا، ولكن هذا الفائض ظاهري سطحي؛ فنسبتهم المئوية لإجمالي الملتحقين بالمدارس جدٌّ ضئيلة، ولا تُقارن بما يجب أن يكونوا عليه، بل لا بد من مضاعفتهم مرات عديدة، في حال مُنحت دراسة الجغرافيا مكانتها اللائقة، وصارت مادة أساسية في مراحل التعليم في أرجاء وعموم البلاد.
فحقيقة الأمر أن تدريس الجغرافيا في هذه المراحل ضعيف وغير إلزامي، وهي ليست مادة «حياة أو موت» في الالتحاق بالكليات الجامعية مثل اللغات الأجنبية أو الرياضيات أو الفيزياء والكيمياء.
لسنوات طويلة، وضع مناهج الجغرافيا في المدارس ثلة من مؤلفين تترسوا بالأرقام والمعلومات والجداول والخرائط ومئات أسماء الجبال والمحافظات والأنهار، ما سبّب حالة من النفور لدى الجمهور العام، وترسخت سمعة سيئة للجغرافيا باعتبارها علم الحفظ والاسترجاع والاستذكار من دون وعي أو فهم.
تستحق الجغرافيا رد اعتبار؛ لأنها ركن أساس في تكوين المواطن المصري، وهي علم تضررت سمعته بشكل بالغ.
أما على المستوى الجامعي فقد اتضح أن الجغرافيا تشعبت وتفرعت إلى تخصصات كبرى ودقيقة، ولا يمكن جمعها في تخصص واحد، ولا يمكن لقسم أو كلية أن تستوعبها. لدينا أكثر من 60 تخصصًا ومسارًا بحثيًّا في الجغرافيا، بداية من دراسة المدن والريف والطبوغرافيا والسياسة والاقتصاد والخرائط الرقمية والمساحة الجغرافية والسكان والأعراق والأنثروبولوجيا... إلخ.
قل لي بربك، كيف يمكن وضع كل هذا في قسم واحد تعطيه اسم قسم «الجغرافيا»؟!
لقد توصلت الدول الغربية إلى خطة بديلة، وهي توزيع الدعم المالي والمخصصات البحثية على هذه التخصصات في العلوم التي لها كليات ذات صلة، مع إنشاء مسارات بحثية جغرافية فيها؛ فيذهب المهتم بدراسة جغرافية الإنسان إلى كلية الدراسات الأنثروبولوجية، حيث يتم هناك دعم التخصص الجديد باعتبار الجغرافيا علمًا بينيًّا مع هذا التخصص، ويذهب الراغب في دراسة جغرافية التضاريس إلى كلية الجيولوجيا، ويحصل على دعم مالي وبحثي هناك.
وهناك دول قامت بحل بديل، وهو شطر الجغرافيا إلى شطرين:
التخصصات البشرية والاجتماعية تذهب للمعاهد والجامعات المختصة بالشأن البشري والاجتماعي.
التخصصات الطبيعية في الجغرافيا (مثل التضاريس والمناخ والنبات والتربة) تُجمع معًا في كلية «علوم الأرض» أو «جامعة علوم الأرض»، حيث الأقران هناك يفهمون بعضهم بعضًا، ويساعدون بعضهم بعضًا، وينشرون أبحاثًا مشتركة مع بعضهم البعض.
وهناك تجارب أوروبية شرقية نظرت إلى الجانب النفعي التطبيقي من الجغرافيا بشكل مباشر. وتحضرني هنا زيارة قمت بها قبل عشر سنوات إلى كلية جديدة للجغرافيا في رومانيا، وقد غيرت هذه الكلية قبلتها، وأصبحت تؤهل الطلاب للتخرج كي يكونوا مرشدين سياحيين؛ لأن رومانيا ـ بعد أن خرجت من معسكر الشيوعية ـ اكتشفت ما بها من تنوع جغرافي بيئي بكر يتلهف عليه سياح أوروبا الغربية، وأصبحت السوق في حاجة إلى الدليل المرشد الجغرافي الواعي والفاهم للمناخ والنبات والبيئة البرية والبحرية والأعراق والجماعات السكانية.
في عام 2001 ناقشت رسالتي للدكتوراه من «كلية الجغرافيا» في جامعة سان بطرسبرغ في روسيا، وقد تألفت هذه الكلية من خمسة أقسام علمية موزعة بين العلوم الطبيعية والبشرية. وأعتبر ذلك، من وجهة نظري، أحد أفضل الحلول التوفيقية لكل البدائل المطروحة، أي إننا في مصر في حاجة إلى تأسيس «كليات للجغرافيا».
مجالات عمل الجغرافي تتسع كل يوم، ولا تقتصر على التعليم أو الإرشاد السياحي؛ فوجود الجغرافي ضرورة في كل وحدة محلية، وفي كل إدارة في القرية والريف والمدينة، كما أن مجالات الاحتياج إليه في سوق القطاع الخاص أكبر منها في القطاع الحكومي.
الحقيقة أن الفكر الجغرافي مكوِّن أساس في العقل الإنساني، وقد توصلت بعض المدارس الأجنبية إلى أن الجغرافيا ستنتصر في المستقبل؛ لأنها تتوغل من دون إعلان أو ضجيج في نشرات الأخبار، والفيلم، والرواية، والحديث السياسي، وترافقنا دومًا مع القلق بشأن التغير المناخي، والتوتر الذي ينتابنا خلال فهم الحروب والاستراتيجيات، واستكشاف الغابات والصحارى، وتدعيم السفر وحب الإنسان للمكان.
في عام 2026 أتمنى لأقسام الجغرافيا بالجامعات المصرية أن تنتقل نقلة مهمة تتعاون فيها الدولة مع أساتذة التخصص من أجل تحقيق ثلاثة أهداف:
تأمين مالي لأساتذة الجامعات كي لا يهدروا حياتهم في مشتتات جلب الرزق على حساب تطوير علم الجغرافيا، وبيع الكتب والمذكرات، أو الانتقال لتدريس مقررات من كلية إلى كلية، والسفر من هنا وهناك لتدريس مواد في أكثر من مكان مقابل دخل مادي يلبّي الحياة المشتعلة غلاءً.
تفكيك مركزية الإشراف على رسائل الدكتوراه والماجستير كي لا تكون دوائر مغلقة تستنسخ نفسها، ويهيمن عليها عدد من الأساتذة، فتجد نفس الوجوه في الإشراف ونفس الوجوه في المناقشة، الأمر الذي يخلق حالة «عائلية» بائسة لا يتطور فيها العلم، وتنقطع صلته عن سوق العمل وعن تيار الحياة.
أن تفتح الدولة مع الجامعات أسواق عمل للخريجين الجدد، ونقصد بالطبع أسواق عمل تتجاوز استقطاب تخصصات العمل في التدريس أو أعمال المساحة، بل تشمل كل فنون وعلوم الحياة التطبيقية التي تحتاج إلى خبرة علم المكان، والجغرافيا في أبسط تعريف لها هي «علم المكان».
لعل عام 2026 يأتي وقد تحقق بعض ـ لا كل ـ هذه الأمنيات، التي يصلح بعضها ليكون مشروعًا وطنيًّا مستدامًا للجغرافيا وعلوم الأرض.